مقالات   |   دراسات   |   قضايا   |   سيرة ذاتية   |   إعلامتحقيقات   |   ثقافات   | تراث   |   تاريخ   |   بورتريه   |   فضاءات   |   فنون   |   كاريكاتير   |   كتب   |   نصوص   |   مدن   |   رسائل

المقالات الأخيرة

في مرسم العين الشاحبة عند إيمانويل لفيناس أو نحو تفكيك مركزية العين في الوجه

في مرسم العين الشاحبة عند إيمانويل لفيناس

أو نحو تفكيك مركزية العين في الوجه

لطالما تملكنا انهمام دائم بقراءة وتأويل وتفكيك العين؛ لونها ولغتها وإيماءاتها وشكلها، على أساس أنها أهم الثيمات في الوجه ورمز وحدة النوع الإنسي؛ ففيها نشهد انفجار معجزة الكون والحياة وعنفوان مجدها المهيب، كما نلمح في بُؤْبُؤ العين الغرائبي ظلنا وشبحنا؛ فصورة ذواتنا لا...

التربية شأنًا فلسفيًّا أو في مشروعية فلسفة التربية

التربية شأنًا فلسفيًّا

أو في مشروعية فلسفة التربية

نشأت فلسفة التربية بصفتها غرضًا مخصوصًا في حقل البحوث الفلسفية الذي يهتم بدراسة مسألة التربية دراسة نسقية، في النصف الثاني من القرن العشرين، وليس أدلّ على ذلك من ظهور المجاميع والحوليات والإصدارات المختصة التي تعنى بهذا النوع من الدراسات(1). ولكن مع ذلك لم يحسم الموقف...

المركزية الصوتية بين الفلسفة والعلوم الإنسانية

المركزية الصوتية بين الفلسفة والعلوم الإنسانية

لم ينفك «جاك دريدا» يردد أن تاريخ الفكر مسكون بنزعة مركزية صوتية تراهن على أولوية الكلام والصوت، وحضور الكائن أو الذات، وتتوجس من كل تأخير أو إرجاء الآثار المباشرة للكلام، أو إحداث شرخ في قوته الحضورية(1). فما هي جذور وامتدادات «المركزية الصوتية» داخل الفلسفة وداخل...

«الدكتور نازل» لطالب الرفاعي خطاب مجتمعي يمزج بين الفانتازيا والسخرية!

«الدكتور نازل» لطالب الرفاعي

خطاب مجتمعي يمزج بين الفانتازيا والسخرية!

المتتالية السردية، لماذا؟ استطاع السرد العربي أن يتخذ لنفسه طريقًا خاصًّا للتعبير عن ثقافة متميزة وإبداع متطور، وكانت للرواية والقصة العربية شكلهما الخاص، عبر قرن كامل من الزمان ارتبط فيه التعبير السردي العربي بالتطورات التاريخية والاجتماعية العربية، من حيث ارتباط...

أدبية اللغة القانونية: بحث في إشكالات بناء الخطاب القانوني

أدبية اللغة القانونية: بحث في إشكالات بناء الخطاب القانوني

كثيرًا ما تساءلت، وأنا أحاول الاقتراب من مجال القانون، سواء بما تضمنه من مواد وفصول، تجلى بنصوصه في مدونات، أو راج في ردهات المحاكم وبمنطوق القضاة، أو تضمن فلسفات القانون ومذاهبها، عن الغاية والمقصد من هذا الاقتراب. انتابني في البداية نوع من التردد، يمكن التعبير عنه...

الأيديولوجيا النسوية في سرد الكاتبات الروسيات في بداية القرن 21

| مارس 1, 2025 | ثقافات

تعد الرواية النسائية اليوم واحدة من الاتجاهات النامية بنشاط، التي ينبغي أخذها في الحسبان عند تحليل العملية الأدبية المعاصرة. لكن الدراسات الجادة للأدب النسائي الناطق بالروسية لم تظهر إلا منذ مدة قريبة. وكانت بداية هذه الأبحاث مرتبطة بنشوء الأدب النسائي كظاهرة أدبية في نهاية القرن العشرين.

إن مفهوم «الأدب النسائي» يحمل دلالتين أساسيتين: «الأولى واسعة، حيث تشير إلى الأعمال التي كتبتها نساء، والأخرى ضيقة، حيث تتعلق بالنصوص التي تستند إلى وجهة نظر نسائية حول القضايا التقليدية المتعلقة بالحياة والموت، والأسرة، والعلاقات، وما إلى ذلك.»(1)

ملامح الأيديولوجيا النسوية

تجمع «الرواية النسائية» بين عوامل عدة؛ فالكاتبة امرأة، والبطل الرئيس أيضًا امرأة، والمشكلات المرتبطة بالأدب تدور حول مصير المرأة، ويُقدَّم العالم من منظور أنثوي، مع مراعاة نفسيتها. في إجابته عن سؤال حول السمات التي ينبغي أن تتصف بها الكتب الصادرة ضمن سلسلة «الرواية النسائية»، أجاب ي. م. لوتمان في مقالته «عالم النساء»، وكان مؤمنًا بأن طبيعة المرأة تتوافق بشكل خاص مع ثقافة العصر: «من ناحية، المرأة، بما تمتلكه من عاطفية مكثفة، تستقبل بعمق وبشكل مباشر خصائص زمنها، مما يجعلها تتفوق عليه في كثير من الأحيان. ومن ناحية أخرى، تجسد طبيعة المرأة بشكل متناقض خصائص معاكسة تمامًا. ولذلك، فإن تأثير المرأة في ملامح العصر هو في جوهره متناقض، ومرن، وديناميكي. وتظهر هذه المرونة في تنوع الروابط بين طبيعة المرأة والعصر.»(2)

مع بداية القرن الحادي والعشرين، ظهرت أدبيات جديدة تجسد نوعية متجددة وتطورًا جوهريًّا، حيث وجدت الأيديولوجيا النسوية مجالًا جديدًا للنمو والازدهار. ولمعرفة ملامح هذه الأيديولوجيا النسوية، لا بد من فهم الخصائص التاريخية لهذه اللحظة الزمنية. لحظ النقاد أن علم النفس النسائي، وخصوصية وجود المرأة في المجتمع السوفييتي، نادرًا ما كان موضوعًا للتحليل الفني، وربما يرجع ذلك إلى أن الواقعية الاشتراكية كانت موجهة نحو التركيز على القضايا الجماعية والأيديولوجية، متجاهلة تفاصيل قد تكون مهمة بالنسبة للنساء.(3)

يمتاز مطلع القرن الحادي والعشرين بتفشي العداء والانفصال عن الحلفاء القدامى، وبداية حروب جديدة، وتزايد القضايا غير المحلولة، وكل ذلك وسط أزمة اقتصادية خانقة. هذه الظروف أثرت كذلك في الأدب النسوي، الذي اتخذ، عكس منتصف القرن العشرين، طابعًا أكثر حدة وصدامية. فظهرت توجهات أكثر جذرية في أشكال النضال؛ إذ إن النسوية الراديكالية نشأت في الأساس وسيلة نضال من قِبَل النساء ذوات الأصول الإفريقية، وعلى الرغم من أن الفروقات العرقية داخل الحركة تضاءلت مع الوقت، فإن الأحداث في الولايات المتحدة تُظهر عودة هذه القضايا إلى السطح. على مر الزمن، استخدمت أشكال النضال المختلفة بصورة متجددة؛ ففي حين كانت الراديكالية في منتصف القرن العشرين تتركز على الصراع بين الجنسين، فإنها الآن باتت تُظهر راديكالية في أساليب النضال نفسها، بما يعكس انتقالًا من التركيز على المحتوى إلى التركيز على الأشكال، مما يوسع
من إطار القضية.

وهكذا، يمكن القول: إن العوامل التاريخية والسياسية والأخلاقية هي التي تدفع نحو راديكالية الأيديولوجيا النسوية في بداية القرن الحادي والعشرين. وللإنصاف، فإن اتجاه الراديكالية يشمل العديد من جوانب الحياة الاجتماعية، حيث تعكس الأدبيات واقع المجتمع وتظهر جميع الاتجاهات السلبية في المواد الأدبية، مما يؤسس لقواعد جديدة في هذا العصر. وبهذا، فإن الأيديولوجيا النسوية في مطلع القرن الحادي والعشرين، مع حفاظها على بعض الأشكال التقليدية للتعبير، تتخذ ملامح جديدة تجسد زمنًا جديدًا وعصرًا مختلفًا.

الأدوار النسائية

من المفارقات في الأدب النسائي في هذا العصر أن المحررين، خوفًا من إخفاق الكتابات النسائية أو انزعاجًا من تزايد عدد الكاتبات، لا ينشرون العديد من المؤلفات المهمة، إلا أنه، وفي مطلع القرن الحادي والعشرين، استطاعت الكاتبات اختراق هذا «الحصار» بنجاح، مثل: نينا غورلانوفا، وفاليريا ناربيكوفا، وإيلينا تاراسوفا، ونينا سادور، بينما شهدت الساحة الأدبية موجة من الكتب النسائية لمؤلفات مثل مارينينا ودونتسوفا، اللواتي ركزن على الروايات البوليسية. هذا يطرح تساؤلًا: لماذا تُنشر أعمال بعض وتُحجب أعمال أخرى؟ الجواب سهل؛ فقد أصبحت الأدبيات الجماهيرية جزءًا لا يتجزأ من الحياة في مطلع القرن الحادي والعشرين، مع تزايد شعبية الروايات البوليسية.

أما إذا بحثنا في الأدوار النسائية التي تقدمها الأدبيات في مطلع هذا القرن، نجد أن موضوع الحرية، على رغم أهميته، لم يكن الطاغي، بل انصب التركيز على دور النساء في البيت والعائلة، وعلاقاتهن الأسرية. ونرى أن أول دور نسائي متكرر هو دور الأم، لكن هذا الدور يختلف بعمق عن صور الأمومة التقليدية بعد التجربة السوفييتية.

في رواية «أم سيئة» للكاتبة ماشا تراوب، تُبرز شخصية امرأة تُعِيد تقييم علاقتها المعقدة مع والدتها من خلال تجربتها في الأمومة. تشعر البطلة بالحرمان العاطفي والنقص في العناية التي تلقتها، وهو ما يدفعها إلى عدّ نفسها أمًّا غير كفأة. فهي تعيش كطفل لم ينل نصيبه من الحب والاهتمام، في حين تحمل أيضًا إحساسًا بالقصور بصفتها ابنة وأمًّا.

من الجدير بالذكر، أن تناول الأجيال المتعاقبة- الجدة، الأم، والابنة- يُعدّ خطًّا سرديًّا كلاسيكيًّا يتكرر في أدب بداية القرن الحادي والعشرين. يمكن أن نستحضر مسرحية «ثلاث فتيات في الأزرق» للكاتبة لودميلا بيترشيفسكايا، التي تعالج قضايا الأخوات وعلاقاتهن من خلال تصوير مشكلات الحياة اليومية.

إذا نظرنا بشكل عام، نجد أن العائلة هي محور الاهتمام، حيث تُعرض في ثلاثة أبعاد وثلاثة أجيال. وهذه ليست مصادفة؛ إذ إن العائلة تُعد مرآة للتقاليد الأبوية والقواعد العائلية العريقة. (ليس من قبيل الصدفة، أنه في ظل الموقف الرسمي السوفييتي تجاه النساء، كانت الكتابات الأدبية للودميلا بيترشيفسكايا تمثل صدمة، حيث عرضت، على النقيض من الخطاب الرسمي، سلسلة كاملة من المآسي النسائية، امرأة تعاني جميع الضغوط، تتعرض للقمع المهين من المجتمع الأبوي السوفييتي)(4).

يمكن تطبيق هذه الكلمات على أعمال بيترشيفسكايا والعديد من الكاتبات الأخريات. وقد أظهرت الأحداث أن الطابع السياسي لهذه الكتابات لم يكن له تأثير كبير؛ إذ كانت المرأة دائمًا محور القضايا المتعلقة بالنضال من أجل البقاء. الحياة اليومية، الضغط الاجتماعي والنفسي، والواجب تجاه الأطفال.. كل هذا يشكل حلقة مفرغة للبطلة المعاصرة. إن النظام السياسي قد يزيد من حدة المعاناة والمشكلات التي تواجه النساء، لكن المشكلة ليست في السياسة بل أعمق من ذلك، تكمن في الصور النمطية المتأصلة في الأذهان، وفي الأنماط القديمة التي تفرض نماذج سلوك معينة على الأفراد.

على الرغم من ذلك، لم تتبع جميع الكاتبات النهج ذاته. في رواية «ميديا وأطفالها» للكاتبة لودميلا أوليتسكايا، تبرز العلاقات الأسرية أيضًا، لكن من زاوية مختلفة. فعلى الرغم من أن ميديا ليست أمًّا، فإنها تمثل المركز الأخلاقي للعائلة بأكملها، بعد أن تعرضت للخيانة من أقرب الناس إليها. استطاعت ميديا الحفاظ على إيمانها بقيمة الروابط الصادقة بين الأجيال، وهو ما يجعل العلاقات بين الأم والابنة والحفيدة سببًا لمشكلات تتجذر في عمق كل شخصية. بينما تعبر بيترشيفسكايا عن هذه الروابط من خلال الصراع، تبرز أوليتسكايا مفهوم التسامح والتضامن.

يمكن القول بثقة: إن قضية البيت والأسرة أصبحت محورًا أساسيًّا في الأدب في مطلع القرن الحادي والعشرين. لكن هذه المعالجات لا تتبع التفسيرات التقليدية، بل تتسم بنغمة جديدة. تتناول العديد من الكاتبات هذه القضية بعمق، وتعكس هذه الإشكالية كذلك الأيديولوجيا السائدة في بداية القرن الحادي والعشرين.

خصائص مميزة للأدب النسوي الروسي

يمكننا أن نتفق مع رأي أ. سلاڤنيكوفا، الذي يشير إلى أن الكاتبات كن دائمًا رائدات في اكتشاف محتوى جمالي جديد. ومن الخصائص الرئيسة للأدب النسوي أنه، ضمن إطار التقليد الكلاسيكي، يسعى لتوسيع حدود الشعر التقليدي بنجاح. واحدة من هذه المحاولات هي تعزيز الطابع الصحفي في الأسلوب. أصبح الأسلوب الإنساني سمة رئيسة في قصص وروايات تاتيانا تولستايا، وليودميلا أوليتسكايا، ومايا فيشنيفتسكايا، حيث يُدمج الأسلوب الإنساني ضمن الأنواع التقليدية؛ ليشكّل نوعًا خاصًّا من الأدب يعرف بالأنواع المؤلَّفة. في جوهره، يحدث تداخل بين الفني والصحفي في الأدب النسوي؛ على سبيل المثال، تدمج تاتيانا تولستايا في مجموعات قصصها مقالات وأبحاثًا، عادّة إياها أدبًا فنيًّا، بينما تعبر في الواقع عن الأدب المؤلَّف. ويتشابه الأدب الروسي الحديث مع المقالات والتأملات اليومية والمذكرات، حيث تُسجل فيها في الوقت نفسه «حركات النفس والعمل المتناقض للفكر»(5).

ومن الخصائص المميزة للأدب النسوي الروسي هي التناص، أي كثرة الإشارات الثقافية والرموز التي تحمل طابعًا خاصًّا من السخرية، محذرة من الغرور المدمر(6). أمّا كاتبات مثل ف. توكارييفا، ولودميلا بيترشيفسكايا، تاتيانا تولستايا، ومايا فيشنيفتسكايا، فيُعَدّ التناص مع الفُلكلور والكتاب المقدس، بأصوله الأركيتبية، أمرًا بالغ الأهمية.

عادةً ما تتميز أعمال الكاتبات بتنظيم خاص للسرد، وغالبًا ما تتبع نموذجًا مغلقًا يتضمن استرجاعًا وتعددًا في الأبعاد. كما تتميز بموقف مفتوح للكاتبة، يجمع بين التحليل والتعليق على الأحداث الموصوفة، إضافة إلى استخدام عناصر خارج السرد ووسائل توثيق متنوعة تعتمد على التناص.

في المقابل، يتجاهل «الأدب النسوي» إحدى خصائص الأدب الشعبي، وهي تقليل وجهة نظر المؤلف، حيث يكون هذا الأدب فرديًّا بوضوح، ويعكس تفرد الشخصية اللغوية للمؤلف. في هذا السياق، يظهر جانب آخر من جوانب الأدب الروسي النخبوي الحديث. ومن أبرز ممثليه تاتيانا تولستايا (1951م)، التي تُعد من بين «الأدباء الأدبيين والفُلكلوريين» الأكثر استخدامًا لمجموعة متنوعة من الإشارات التناصية لشرح العالم المعاصر، ويتميز أسلوبها ببلاغة تعبيرية وسخرية لا مثيل لها.

تتسم مجموعة قصص تاتيانا تولستايا بأن تحفها الصغيرة تشكل عالمًا فنيًّا متكاملًا. ترتبط القصص، بالأساس، باهتمام المؤلف بالشخص الغريب. يتجه نثر تولستايا نحو القضايا الأبدية، حيث تسعى لفهم الخير والشر في العالم المعاصر. على سبيل المثال، يبرز عنوان مجموعة «الليل» فكرة دورة حول أزمة الروحانية.

تظهر القصة «الليل» العالم من خلال عيون طفل مريض، يعتقد أنه «نفاية، خردة، معدة للاحتراق». أمّا البطل التولستايي أليكسي، فيمثل «الليل» حياة بلا أم، وسط غرباء «مثل الذئاب»: «صغير، صغير، وحيد، ضائع في الشارع، جاء إلى هذا العالم عن طريق الخطأ!»(7). تتردد الكلمة التي كتبها الطفل «ليل» عشرات المرات كحكم على عالم قاسٍ، حيث يتسم الناس باللامبالاة بعضهم تجاه بعض.

تتناول أعمال تاتيانا تولستايا «وجهة نظر الأطفال» تجاه العالم، المليء بالعجائب والنقائص، الذي يجمع بين الجمال والرعب، حيث يوجد دائمًا عدم توافق بين «الأحلام والواقع». تستخدم تولستايا باستمرار أساليب «الإنقاذ الجمالي» لشخصياتها: إما أنها «تجبرهم» على الهرب إلى عالم الطفولة المنغلق، أو أنها تحيطهم بـ«روتين الحياة اليومية السخيف».

وإذا كانت الشخصيات في الحياة الواقعية لا تستطيع إيجاد السعادة، فإن تولستايا تخلق لهم جزرًا من السعادة في عالمها الفني. العالم العادي الذي تعيش فيه شخصيات تولستايا، إما أنه عالم طفولة الطفل البالغ (مثل قصص «جلسوا على العتبة الذهبية…» و«تحب- لا تحب» و«لقاء مع الطائر» و«بيتيرس» وغيرها)، أو عالم الخيال والأحلام للشخص الذي نضج تحت تأثير أعباء الحياة (كما في «نهر أوكيرفيل» و«سونيا» و«النار والغبار»).

تظهر علاقات مثيرة للاهتمام في طرح مشكلات «عدم توافق الحلم والواقع»، و«الجنة المفقودة»، والبحث عن معنى الحياة من قبل «الشخص العادي» في أعمال تولستايا، وأولغا أوليتسكايا، وفيكتوريا توكارييفا. يصبح تدفق الوعي سمة مهمة في تنظيم السرد في «الأدب النسائي»، حيث يعمل غالبًا كأساس لتشكيل الحبكة.

واقعية صارمة ورومانسية دقيقة

كما أشارت م. فيشنيفيسكايا، فإن تدفق الوعي هو تقنية مفضلة تتيح الانتقال بحرية، من خلال الترابطات، عبر الزمن والمكان. عادةً ما يخضع تدفق الوعي في «الأدب النسائي» للكشف عن الحالة التي تعبر عن شعور البطلة، ويتداخل مع تقنية الاسترجاع.

في رواية أولغا سلايفنيكوفا «اليعسوب، الذي تم تكبيره إلى حجم كلب» (2000م)، «يتم بناء النص كتيار من الحالات المتداخلة»(8). غالبًا ما تتداخل الواقعية الصارمة مع الرومانسية الدقيقة في «الأدب النسائي»؛ لذا تُستخدم أكثر الأنواع شيوعًا مثل السرد الاجتماعي النفسي، والسرد العاطفي، ورواية السيرة الذاتية، والقصة، والمقالة، والرواية.

أبرز مثال هو أعمال لودميلا أوليتسكايا (1943م)، التي سارت في طريق تقليدي، من الأشكال الصغيرة إلى الأشكال الأكبر. تتجمع قصص أوليتسكايا في دوائر، حيث توجد شخصيات مشتركة، مثل: «الأقارب الفقراء»، و«الفتيات»، و«قصص جديدة». ونتيجة لذلك، تم الحصول على «رواية» عن التناقضات
المأساوية للحياة(9).

تعتمد الخصائص النوعية لمؤلفات لودميلا أوليتسكايا على نطاق التعميمات المطروحة وتحديد مجموعة من الأسئلة. في قصصها، تنتقل المؤلفة من النزاعات اليومية إلى الاجتماعية، ثم إلى القضايا العامة والإنسانية. تتميز قصص لودميلا أوليتسكايا بأنها محددة ومحلية، وتتناول القضايا المهمة، وهو ما يجمعها هو تصوير مصير إنسان فريد في العالم. تُعطي الكاتبة في معظم أعمالها، باستثناء «حادثة كوكوتسكي»، دور البطولة للمرأة أو الفتاة الصغيرة.

تبتعد من قوانين الأدب السوفييتي الرسمي، وتعيد إحياء تقليد تصوير «الشخص العادي» كحامل للقيم الإنسانية. يُعَدّ المحتوى الميثولوجي خاصية مميزة لنثر أوليتسكايا، حيث تكتسب المعاني الخفية والداخلية أهمية خاصة. اعترفت الكاتبة بأن العديد من الموضوعات التي تتناولها في قصصها كانت قد طرحها أسلافها، وترى مهمتها تقديم وجهة نظرها الخاصة حول المشكلة المطروحة في العمل، مثل مشكلة الجريمة والعقاب التي تُتناوَل في «ميديا وأطفالها»، ومشكلة المذنب غير المذنب التي تظهر في «حادثة كوكوتسكي» وفي مجموعة «الفتيات».

من خلال إنشاء صورة فنية للعالم، تبني لودميلا أوليتسكايا حبكتها بشكل فريد، حيث يبدو أنها تنبع من الملحوظات المباشرة عن ظواهر الحياة أو الشخصيات. يتميز أسلوب لودميلا أوليتسكايا عن تاتيانا تولستايا؛ إذ لا تظهر ملامح السيرة الذاتية بشكل بارز في كتاباتها، على الرغم من أن قصصها تحمل طابعًا «سيرة ذاتية كافية»، حيث تستند إلى خيالات حول «الأحداث المتجاوزة».

تجربة روحية ورؤية للعالم

يعد «الأدب النسوي» معقدًا ومتعدد الأبعاد؛ إذ يقدم تجربة روحية جديدة ووعيًا ذاتيًّا ورؤية للعالم بُنيت على أساس التجربة الاجتماعية المأساوية في القرن العشرين. تبحث الكاتبات بجهد عن قيم ومناهج إبداعية تتيح لهن التعبير عن الحالة الأزمة التي يمر بها العالم في مطلع القرن. تواجه قسوة الحياة وعبثها وعدم الإيمان وتنافر الحياة الإنسانية في كتاباتهن، حيث يظهر ثبات العالم في النصوص الكتابية، بينما تؤدي تفاعلات الثقافات العالمية والانفتاح على صخب العصر إلى فهم المعنى الحقيقي للوجود، كما يتجلى في أعمال مثل: «على العتبة الذهبية…» و«سونيا» لتولستايا،
و«الفتيات» لأوليستكايا.

تُعطى المعاناة والمآسي أبعادًا جديدة لتصبح سؤال «لماذا؟»، وتتوقف المحاولات العقيمة للعثور على الجاني، أو تبرير الذات، أو الحصول على أدلة على براءتها؛ لأنه ليس لدى الله عقوبات تُفرض على الأبرياء. تعكس هذه الفكرة جوهر أعمال ليودميلا بيترشيفسكايا، وتاتيانا تولستايا، وليودميلا أوليتسكايا، وغيرهن من ممثلات الأدب النسوي(10).

تمثل أعمال ف. توكارييفا (1937م) وحدة نوعية، حيث تتسم قصصها بمبادئ وأساليب مميزة مثل التفاصيل الناطقة، والمناظر النفسية. من مجموعها تتشكل صورة عامة تتعلق بالقضايا والشخصيات، وخصوصية المواقف الصراعية وطرق حلها في «الأدب النسوي».

تستهدف مجموعات القصص والروايات لفيكتوريا توكارييفا القارئ «العادي»، مثل: «انهيار» (1996م)، و«قطة على الطريق» (1997م)، و«كازينو» (2000م). تطرح القصة الرئيسة في مجموعة «كازينو» مسألة سرعة مرور الوقت، حيث يحتاج الإنسان في مدة قصيرة إلى فهم «التكليف» الذي أُرسل به إلى هذا العالم، وتنفيذه إن أمكن(11).

تناقش توكارييفا مسألة تراجع الروحانية في المجتمع الحديث، وترتبط هذه الظاهرة بأسباب عدة: فقدان الأخلاق، عدم وجود أساس ديني، تغير دور المرأة في الأسرة، علاقتها بالأمومة، ومحاولتها التماهي مع نماذج الثقافة الجماهيرية. وتساهم الثنائيات «الحب – الموت»، التي تتجلى في المجموعة، في تأكيد الفكرة الأساسية للكاتبة، وهي أنه «إذا لم يكن في القلب حب، فإن الإنسان ميت. إنه يتظاهر بأنه حي فقط.»(12). وتُخصص مكانة خاصة في «كازينو» للمرأة مهندسةً حياتها، وأمًّا وزوجة، وكائنًا متألمًا. والخلاصة أن المرأة التي تحتفظ بالقيم الأخلاقية العالية تجد سعادتها رغم صعوباتها.

تظهر البصمة الذاتية في أعمال توكارييفا من خلال ميزات أسلوبية، مثل: السخرية، والعبارات البليغة، وحيوية السرد، ولعبة النصوص المتداخلة، والتكوين التركيبي. التعددية الفكرية والشكلية، والتداخل بين الأنواع الأدبية، واختلاف الآراء والأساليب ضمن لوحة ثقافية وروحية واحدة، هذا هو ما يمثله «الأدب النسوي» الروسي اليوم، وهو ما جعله ظاهرة بارزة في الفن الحديث.

وبذلك، يُفسر ظاهرة القسم المهم من الأدب المعاصر المعروف بـ«الأدب النسوي» من خلال الجمع الفريد بين رؤية خاصة للعالم مستندة إلى الرموز الفلكلورية، و«ذكاء» الأسلوب الذي يتضمن نفسية خاصة، وشعرية تصويرية، ودقة وصف حياتية. لقد استطاعت الكاتبات الروسيات، كما لم يفعل غيرهن، تجسيد جوهر العمليات الروحية التي تجري في العالم المعاصر في أزمته الحالية.

يمكن القول بثقة: إنه في بداية القرن الحادي والعشرين، أصبحت قضية المنزل والمأوى محورًا رئيسًا في الأدب النسوي. لكن هذه القضية لم تعد تعكس المعاني التقليدية، بل اكتسبت طابعًا جديدًا. تناولت العديد من الكاتبات هذا الموضوع، وهو ما يعكس الأيديولوجيا السائدة؛ لذا يمكن تفسير ظاهرة الأدب النسائي من خلال الجمع الفريد بين رؤية خاصة للعالم تستند إلى الفُلكلور والأنماط الكتابية، وبين «الذكاء» الأسلوبي الذي يتميز بنفسية عميقة، وشعرية، ودقة في الوصف. وقد نجحت الكاتبات الروسيات في التعبير عن جوهر العمليات الروحية التي تحدث في عالمنا الحديث المضطرب بشكل مميز.


هوامش:

(1) تولستايا، ت.ن. ليلة: قصص. ت.ن. تولستايا. موسكو: بودكوفا، 2002م. 351 صفحة.

(2) أوليتسكايا، ل. ناس ملكنا. ل. أوليتسكايا. موسكو: إكسمو، 2007م. 367 صفحة.

(3) أغيفا، ف. «خطاب النسوية في الحداثة الأوكرانية». موسكو، إيديا-برس، 2008م. ص 259.

(4) بيترشيفسكايا، ل. «ثلاث فتيات في الأزرق». كوميديا من جزأين. موسكو: إسكوزه، 1989م، ص 178.

(5) نيفاغينا، غ.ل. «الرواية الروسية في نهاية القرن العشرين»: كتاب دراسي. غ.ل. نيفاغينا. موسكو: فلينتا، 2003م. ص 17.

(6) السابق، ص 17.

(7) أوليتسكايا، ل. «ناس ملكنا». ل. أوليتسكايا. موسكو: إكسمو، 2007م. ص 127.

(8) أغينوسوف، ف.ف. «الرواية الروسية في نهاية القرن العشرين» ف.ف. أغينوسوف- موسكو: أكاديمية، 2005م، ص 101.

(9) توكارييفا، ف. كازينو، ف. توكارييفا. موسكو: فاغريوس، 2007م. ص 11.

(10) تولستايا، ت.ن. ليلة: قصص. ت.ن. تولستايا. موسكو: بودكوفا، 2002م. ص 72.

(11) بيترشيفسكايا، ل. «ثلاث فتيات في الأزرق». كوميديا من جزأين. موسكو: إسكوزه، 1989م، ص 32.

(12) السابق، ص 54.

المنشورات ذات الصلة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *