النول والمنبر
يقترح الدكتور عقيل عبد الحسين «النول والمنبر»(1) عنوانًا لكتابه الصادر عن الاتحاد العام للكتاب والأدباء العراقيين في البصرة الذي يتطلّع كما يكشف عنوانه الثانوي لقراءة «تمثيلات الذات في نماذج من القص البصري». وللنول والمنبر في كتاب عقيل حكاية وتأويل غير حكاية محمد خضير وتأويله وقد اقترحهما شعارًا سريًّا لمدينته بصرياثا. والحكاية في نقديات عقيل تسبق التأويل وتهيئ له بما يفتح مجالًا نوعيًّا لتقليب النصوص وفهمها وصولًا إلى ما هو بعيد فيها. إنه يستعين بالقص في تأسيس ركائز حقله النقدي فيتخيل البصرة، المدينة والإنسان، فضاء إنتاج النصوص، «لسبب ما، واقعي، ربما! مدينة كتّاب، سائقو سيارات الأجرة، بائعو الأسماك، عمّال البناء، المكتبيون.. وغيرهم، كلُّهم، يكتبون كتبًا طويلة مثل جدِّهم الأعلى، الجاحظ».
هكذا تعود خيالات المدينة إلى أصولها بما يستدعي مشتركها المكاني، وتعود حكاياتها إلى جذورها مجتمعة في جذر حكائي واحد، يقود إلى تأويل واحد، جذر الجاحظ وتأويله وقد أحبَّ الكلام وأفنى حياته فيه حتى غدا أحفاده البصريون صاغة لفظ وحائكي كلام، وهم أصحاب أنوال ونساجو قصص، مثلما هم على الدوام أبناء منابر، أي عندهم، بتأويل عقيل، غاية أخلاقية حاضرة في قصصهم. والغاية هنا تمثيل للهم الاجتماعي والإنساني الذي يرجعه عقيل إلى كون البصرة صاحبة مجال درس ووعظ، بما ينشدانه من إحاطة بأسرار صنعة الكلام وإعدادها على نحو أمثل لتأدية وظائف متضافرة اجتماعية، وإنسانية، وثقافية، وتعليمية.
ومن هنا كان اختيار «النول والمنبر» لا يبعد من غاية محمد خضير ولا يشذ عن الدلالة التي توخاها منهما وقد اختارهما شعارًا للمدينة، لكن الكلام في العادة يستر غاياته ويكتم تأويله، فالنول أداة حياكة النص التي تقابل المنبر، مرتقى الناقد لمحاورة النصوص وإشهار ما يتوصل إليه. إنهما يتقابلان في مهمة القراءة، النول: نص، والمنبر: آلة العملية النقدية، وبهذا يمكن أن يكون للنص أفق ناتج عن فضاءَيِ القراءةِ؛ قراءةِ المدينة لدى محمد خضير، وقراءةِ النصوص لدى عقيل، من دون أن تغيب فاعليةُ التواصل والتأثير بينهما، بين النص والمدينة بوصفهما حقلين حيويين من حقول توجيه الدلالة وإنتاج المعنى، فالمدينة نص آخر يقوله أناسها الذين يتقنون صنعة الكلام.
استخلاص الذات
من بين أشكال الذات المتعددة، يعتمد عقيل ثلاثة أشكال يتفحص من خلالها ثلاث ذوات، بناءً على ما يقترحه من نظر نقدي يتأسس على مرتكزات بنيوية في تقريب موجهات الذات وإضاءة حقول تجسّدها، وهي ذات المؤلف، بثقافة عصرها ومتغيراته الاجتماعية ومؤثراته السياسية، لتتوزع الذوات بين المتولية، والمؤدية، والدالة ثقافيًّا. ومن الغريب في هذا التوزيع اختصاص الذات (الدالة ثقافيًّا) بأنموذج منفصل عن أنموذجي الذاتيْنِ الأُولَيَيْنِ، كأنهما تحافظان على انفصالهما عن مختلف الجواذب الثقافية فلا تتأثران بها ولا تؤثران فيها، ولا تتحققان في القصص البصري على اختلاف مراحل إنتاجه بوصفهما دالين ثقافيين.
إن الذوات في أشكالها جميعًا لا تحضر داخل العمل القصصي (أو خارجه) إلا لكونها دوال ثقافية، وما تعبيراتها عن مجمل وعيها، بالسرد مرة وبالحوار أخرى، إلا تحقيق للدال الثقافي الذي تشكلت من خلاله وتجسدت فيه. هذا بالنسبة لذات الشخصية داخل العمل القصصي، أما شخصية المؤلف التي تحافظ على أهمية حضورها في دراسة عقيل، فهي لا تحضر إلا لتسحب معها ظلال عصرها، ولا تحقق تمثلاتها الذاتية إلا عبر قدرتها على إنتاج عالمها السردي، فما العالم السردي إلا فضاء دوال ثقافية تؤسسه الذات بناء على معارفها ورصيد تجاربها وخزين خبراتها الاجتماعية ونباهتها السياسية، ليتحقق بوصفه دالًّا ثقافيًّا بامتياز.
إن المتولي الذي يعمل «على تحويل الفكرة إلى عنصر مشخص، أو منتج للمعنى»، والمؤدي المتكون من «مجموعة من الأفعال الرئيسة، المنتمية إلى موضوع»، علامتان في الطريق إلى الذات الثالثة (الدالة ثقافيًّا)، أو عتبتان في الوصول إليها، ومن خلالهما تحافظ الذات على موقعها «في العالم، وفي النص»، وبوساطتهما تتمكن من إنجاز ما تصبو لتحقيقه من وظائف في تأرخة النص القصصي، فضلًا عن فهم طبيعته البنائية وحضوره الثقافي. إن فهم النص القصصي، بتصور عقيل، لا يكون إلا بإدراك طبيعة الذات في موقعها الثنائي، داخل النص وخارجه، بما يمكّن الناقد من النظر، في وقت واحد، إلى التشكل القصصي بوصفه مقولة مهمة من مقولات عصره الثقافية، وتشكل ذات المؤلف وهي تحافظ على مهمتها في التعبير عن أخلاقيتها، وتلك سمة دائمة الحضور من سمات القص البصري، بتصور عقيل، الذي يحرص على كشف المسافة الفاصلة بين الذات المؤلفة وقضايا عصرها، وهو ما سهل مهمة القراءة لتبين «ضغط القضية على الفن» كما عنون دراسته عن يوسف يعقوب حداد، أو «النظر إلى الذات في مثاليتها» كما في دراسته عن محمود عبدالوهاب، أو في استقصائه لـ«تغيّرات الرؤية» عند محمد خضير.
الذات المنسية
في دراسته قصص يوسف يعقوب حداد يثير عقيل واحدة من أعقد مشكلات النقد في العراق وأكثرها تأثيرًا، وإن لم تتوجه الدراسة لمعاينة النقد والنظر في مشكلاته، بل عملت على «الإجابة عن سؤالين متصلين، هما: لماذا أُهمل الكاتبُ نقديًّا، وما سبب تمسكه بأسلوب ينتمي إلى بدايات القصة العراقية؟». والمشكلة النقدية التي أعنيها هي (التجاهل) الذي كان له أثر سلبي في مجمل مراحل النقد القصصي في العراق، فمثلما يُغني الاهتمام النقدي المبدع ويحفزه، يدمر التجاهل روح الإبداع ويدفع الكاتب إلى الظل على الرغم من عطائه. وتلك مشكلة استوقفتني خلال مراجعتي لإبداع القاص البصري كاظم الأحمدي الذي أعدّه من أكثر كتاب القصة العراقية الذين تحملوا عنت النقد وانتقائيته، ولذلك، بلا شك، أسباب وموجبات، لكنها تصب في النهاية في خانة نفي الكاتب وطرده من فراديس الاهتمام مهما جدد أدواته وعمق رؤيته.
وإذا كانت مشكلة التجاهل النقدي بالنسبة لكاظم الأحمدي سياسية الطابع تفضيلية التوجه(2)، فهي بالنسبة ليوسف يعقوب حداد فنية في مجملها، فهو منذ بدأ الكتابة في أربعينيات القرن العشرين، اهتم بمعالجة موضوعات الفقر، أو الجهل، أو هزيمة الحب، معبرًا عن الذات المأزومة والبطل المهزوم في إهاب من رومانسية تسودها النزعة الإنشائية وتسرف في عاطفيتها. فهل يكفي ذلك لما شهدته كتابته من تجاهل وإقصاء؟
وفي معالجة السؤال يتوجه عقيل لقصص حداد متأملًا خصائصها الشكلية والمضمونية لوضعها في حقل كتابي محدد أولًا، والبحث عن جواب مقنع عن سؤال التجاهل ثانيًا، معللًا ذلك، في مفتتح دراسته، بثبات مشروع حداد القصصي في حدود «قصة العائلة» التي افترضتها بدايات التأليف في السرد العراقي. فالسرد الذي ولد مع ولادة الدولة العراقية حمّل كتّابه مسؤولية التعبير عن قضايا الإنسان المسحوق، فكانت القصّة صوته ومرآة حياته؛ لذلك اقترح عقيل في تحليل مشروع حداد والوقوف على خصائص بنيته، ثلاثة مقتربات: الخطر، والمواجهة، والحل.
يمثل كلٌّ منها مرحلة شبه ثابتة من مراحل بناء القصة لديه، وهو المخطط الذي بقي حداد أمينًا له لما يتجاوز الأربعة عقود، مثلما بقي مشبعًا بعجز الذات عن المواجهة الفاعلة بما يشير، في تصور عقيل، إلى «شعور تملّك المثقفين والكتّاب العراقيين، آنذاك، باليأس من قدرة الكتابة والقص والسرد على تغيير الواقع، والدفاع عن القضايا الكبرى في تلك المرحلة ومنها الأمة والوطن، والمعاصرة، والتحديث، والإصلاح»، لتقع الذات جراء ذلك فريسة انكسارها فتُهزم مرتين، مرةً داخل النص القصصي الذي لم يُدرك قيمة المتغير التاريخي ويعمل على فهمه ومسايرته، وأخرى داخل فضاء الثقافة الذي شهد إقصاءه الطويل عن كلِّ اهتمام نقدي وإضاءة ثقافية.

الذات في تأويلاتها
مع القاص محمود عبدالوهاب تأخذ الدراسة منحى آخر في تأمل الذات عبر انتظام تجسدها بين أنواع كتابية يقدم كلٌّ منها تفصيلًا من تفصيلات الذات أو وجهًا من وجوهها في تحقيق سرديتها، وهي تتطلّع لبلورة حضورها المثالي بما تنشده من نموذجية واكتمال محافظًا على موقعيهما في تفكير عبدالوهاب وفي رؤيته للأدب. يبدو ذلك التصوّر مفهومًا إلى حد ما إذا ما وضعنا محمودًا بين أقرانه التاريخيين، ومنهم البريكان، بما شكّله من ظاهرة خاصة في فهم الأدب وممارسته استمرت في الثقافة العراقية لما يقارب الخمسين عامًا.
إنها صورة عبدالوهاب وقد تشكّلت في حبكة الحياة والكتابة وإنتاج الموقف منهما، حيث تكون الكتابة، بتصوّر عقيل، امتدادًا للحياة وتعبيرًا مركبًا عنها، وتكون الحياة في المقابل توجيهًا للكتابة وتأويلًا لدوالّها، وبين الامتداد والتوجيه يعمل الناقد على تحبيك كتابة عبدالوهاب في مجمل حقول إبداعه على وفق تصور الكاتب لذاته في تمثلاتها بين كتابتين سردية ونقدية، وهما الحقلان اللذان اختار عبدالوهاب أن يُنجز بين قوسيهما مشروعه الكتابي، ليعمل عقيل، جريًا على عادته، على ترتيب أعمال محمود في حبكة لا تخضع للمصادفة بقدر خضوعها لمخطط الكاتب لنفسه، وقد جعل تراتبية صدور أعماله جملة دالة في سيرته الكتابية؛ لتنتج حبكة عبدالوهاب، من منظور عقيل، تصورًا خاصًّا «لمرحلة هامة من مراحل التعبير عن الذات في القصة العراقية في البصرة»، يسميها (الذات في مثاليتها) كما رآها عبدالوهاب وحلم بتحقيقها، وكما فهمها الدكتور عقيل وعمل على التقاط دلالاتها.

وهنا نصل إلى تأويل آخر لعنوان الكتاب «النول والمنبر». إن سؤال المصير، أو مشكلة الوعي في الزمن، يحضر بقوة في حالة محمود عبدالوهاب، كما يحضر في دراسة عقيل في سعيهما لتشكيل صورة عبدالوهاب على وفق ما اقترحه هو من تراتبية صدور أعماله، وفهمها وإعادة إنتاجها من خلال سردية الدراسة التي تتأسس على التحبيك وصولًا لتأويل مختلف، لكنه يُسقط تأثير الجماعة الثقافية، المباشر وغير المباشر، ويغيّب ظلال التاريخ الثقافي ودور كلٍّ منهما في بناء وعي عبدالوهاب وإنتاج مواقفه وتأسيس تصوراته -أرى مصطلح (الجماعة الثقافية) هنا أدق من مصطلح الجيل المغرق في عموميته والتباسه- فالجماعة التي تفتّح وعي محمود عبدالوهاب الشاب في كنفها تركت تأثيرها في تصوراته عن الأدب، وقد سعى أكثر من عضو من أعضاء هذه الجماعة للتعاطي مع الأدب بوصفه قضية عليا، تتعدّى في حالة البريكان تحديدًا حدود المؤثر السياسي أو الاجتماعي لتعالج قضايا الوجود وإشكالياته معالجةً شعريةً خاصةً، لينطلق محمود عبدالوهاب في فهمه للأدب وممارسته، وفي تعاطيه مع الحياة، من تصور مثالي جعله دائم النظر بعين شكاكة قلقة لما يكتب، وهو الأمر الذي جعل من العسير البحث عن «عبدالوهاب الحقيقي في الكتاب».
والكتاب المعني هو «سيرة بحجم الكف» (2016م)، رواية عبدالوهاب القصيرة التي لم تستوقف عقيلًا؛ لكونها توسعةً لنص قصصي سابق نشر في عام 1993م، مكتفيًا بتأمل الصورة، الرواية القصيرة، عن النظر في الأصل، القصة القصيرة، على الرغم من نشرها ضمن مجموعته القصصية الوحيدة «رائحة الشتاء» (1997م).
تمارس الكتابة الخديعة أحيانًا، والخديعة في رواية محمود عبدالوهاب قائمة على التخفي، كتابة تتخفى خلف كتابة، وهاجس بالموت يتخفى خلف صورة الراحلين. قصة قصيرة تتخفى خلف رواية، ورواية تتخفى خلف سيرة، وحياة تتخفى خلف صورة، ليُخفي محمود عبدالوهاب، في النهاية، موته خلف موت الآخرين. لم تكن «سيرة بحجم الكف» استعادةً لسيرة بقدر ما كانت رثاءَ ذات تستشعر قرب غيابها. إن محمودًا، الساخر الطلق، الذي يعتمد نظرًا ثاقبًا بحثًا عن شعرية العمر، يعيد حياكة موضوعه على النول ذاته، فالرواية كتابة جديدة لـ(سيرة) قصته التي يعدّها محمد خضير «واحدة من أتقن قصصه قاطبة»(3)، لكنه إتقان يأخذ الكاتب نحو إعادة الكتابة. وبناءً على ذلك، أكاد أقول: إن محمودًا شُغل في جلِّ حياته بإعادة الكتابة أكثر مما شغلته الكتابة نفسها، تحت ضغط تصوّر مثالي مهيمن، وهو ما جعله يكتفي بعدد محدود من المؤلفات لا يتناسب مع عمره في الكتابة وفي الحياة.
الذات والسُّلّم
تنطوي الذات في قصص محمد خضير على نفسها، تكتمها وتتكتم عليها من قصة إلى قصة، حتى كأن القصص صناديق مقفلة، ولا يعدُّ صندوق بيت العمّة في قصّة «المملكة السوداء» إلا واحدًا منها، وهو واحدها الأساس، الصندوق المولّد، حافظ أسرار القصص، الغائر في ظلام الصمت والنسيان. يدخل الصبي بيت العمّة، يصعد السُّلّم نحو الغرفة العليا، تحيطه عبارات التكتم والصمت والارتياب ورسوماتها، «كانت الرسوم تملأ ساحة الدار أيضًا بخيول ذات أرجل دقيقة عديدة كأرجل العناكب، وفتيات ذات [كذا] شعور طويلة، وجرار منبعجة ناقصة العرى»(4)، حيث تحتشد الكائنات الميثولوجية ساحبة المشهد إلى أعماق زمنية سحيقة تأخذ العمّة، كما رأى غالب هلسا، «إلى يأس تام وشامل، فتستلقي على سريرها منتظرةً قدوم الموت وهي محاطة بجحيم أسود يطالعها من كلِّ اتجاه، ويذكّرها بالنعيم الذي حُرمت منه»(5). وفي خضم هذا المشهد الذي لا ضوء فيه يبحث عقيل عن الذات وتمثلاتها، مقترحًا (السُّلّم) أداة للصعود إلى عوالم محمد خضير في مجاميعه الأربع، من «المملكة السوداء» (1972م) إلى «المحجر» (2021م).
إنها الأداة المتناسخة، كثيرة التشكل، المتطلعة لصورها الأخرى: المنارة، والبرج، والجسر، متوسلًا الموضوع لكشف لغزية الذات وتكتمها، فمن خلال السُّلّم وبوساطته يرتقي الناقد منبره للوصول إلى صناديق القصص التي لا تغدو مع الفعل النقدي منسيةً مقفلة، الفعل النقدي تذكّر واستحضار وفتح، يحركه طموح الإمساك بما أقصته القصة وإنارة ما أبقته في الظل. إن الوصول إلى «تغيرات الرؤية» لمقاربة «الذات في رؤيتها» يتحقق في اقتراح عقيل من خلال الموضوع بوصفه «خطاطةً تنظيميّةً محسوسةً، ومركزًا حيويًّا لعالم تخيلي، ومحور ترابط العمل في كتلة دالة، وعلامة، أو علامات قابلة للفهم والتأويل»(6).
يرتكز فهم عقيل للموضوع، مركز دراسته، على محدّدات الدكتور سعيد علوش في كتابه «النقد الموضوعاتي» الذي يقدّم الموضوع على أنه نظام لترتيب معارفنا حول موضوع ظاهرة ما، في العالم(7)، وهو فهم سيميائي تأويلي يقدّمه علوش في إطار موضوعاتي ويعتمده عقيل أساسًا لدراسة تُعنى بالموضوع القصصي الذي يتطوّر في حقل ليغدو فاعلًا، وفكرةً مهمةً، وخيطًا مركزيًّا، وليصبح، في النهاية، أنموذجًا للواقع يمكن معه استقصاء الذات والوقوف على صورها لمراجعة موقعها في تاريخية الكتابة القصصية في العراق.
إن تراتبية يوسف يعقوب حداد، ومحمود عبدالوهاب، ومحمد خضير، وضعت كلًّا منهم في حيز ضمن نظام شكّله فهم الذات وتأويل موقعها في الكتابة، ليحدد حضور الذات انتظامها في رؤية تساهم إلى حدٍّ بعيد في إنتاج موقف الكاتب من ذاته ومن العالم، الذات الفردية في كتابة يوسف يعقوب حداد، والذات الطامحة إلى المشاركة والتغيير في كتابة محمود عبدالوهاب، والذات المتوجهة بعيدًا من «أوهام القضية الكبرى»(8) في كتابة محمد خضير، ويوجز ذلك، في حالة خضير، بأداة مفتاحية هي السُّلّم الذي يتشكّل علاميًّا من خلال تمفصله في نظام غايته البحث عن العلاقة بين الشخصية وذاتها، وبين الشخصية والآخرين، وهي علامة لا تخلو من ارتياب أُفسّره بالتكتم والصمت اللذين يكتنفان مجمل القصص. فهل أعان السُّلّم الناقد على التخفف من أثقال القصص والانفلات من ألغازها وتكتمها وشبحية الذات فيها؟
تتخذ إجابة عقيل عن هذا السؤال صيغة بنائية، والبنائية التي يقصدها تُعنى ببناء القصة الذي ينهض على «كلمة مركزية» مثل اللبنة في (مقتل سنمار)، ومن أجل توضيح الوظيفة البنائية لموضوع السُّلّم، يأخذ عقيل قصة «المملكة السوداء» مثلًا، وهي في هذا المقام من الدراسة، أكثر من مثل يُتخذ عفو الخاطر. إنها لبنة المجموعة بعناصرها الإنسانية الحاضرة منها والغائبة، وتأثيث عالمها، البيت ولوازمه، وهندسة التوزيع الضوئي فيها التي حافظت على تكتّم المشهد ورسوخ عناصره بين الظل والضوء، ومسافة ثالثة تنزل العناصر إلى قاعها.
إنها نصف الضوء ونصف العتمة، حيث تحيا الكائنات في ميثولوجيتها الخاصة، غارقة في أبدية يسعى عقيل لإدراك كنهها عبر ارتقائه سُلَّم القصة الذي يحافظ على موقعه في مروية الصبي وعمته، الصبي الذي يصعد إلى الطابق الأعلى، ويلج ظلام غرفة العمة، ويفتح الصندوق ليغور في أسراره، ولا يغلقه، ولا ينفلت من الظلام، ولا ينزل السُّلّم متخلصًا من تشبث أطراف الكائنات المرسومة على الجدار، بل يُعيد خطى العمة وقد صعدت يومًا ولم يُقدّر لها أن تنزل. مملكةٌ كلُّ صعود فيها غياب، وكلُّ سُلّم من سلالمها أداة تقود للتيه والغياب كما غاب الأب، وكما ستغيب العمّة. دائرة قديمة مقفلة من نهش الأنياب شعارها «أيها الداخل للحوش اقرأ السلام». لكن عقيلًا، في خلاصة أخيرة يقرأ وقوع الذات على ذاتها، في انغلاق الدائرة، وإخلاصها لها في تحقيق رؤيتها.
الهوامش:
(1) «النول والمنبر، تمثلات الذات في نماذج من القص البصري»، عقيل عبدالحسين، اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين في البصرة، 2024م.
(2) ينظر: «الممرات الجنوبية، مختارات كاظم الأحمدي القصصية»، دراسة واختيار لؤي حمزة عبّاس، دار الشؤون الثقافية، بغداد 2022م: 13 ـ 51.
(3) «الرجل والفسيل»، محمد خضير، شركة بلورة الجنوب، البصرة 2012م: 34.
(4) «المملكة السوداء»، محمد خضير دار الحرية للطباعة، بغداد 1972م: 87.
(5) «فصول في النقد»، غالب هلسا، دار الحداثة، بيروت 1984م: 201.
(6) «النول والمنبر»، م. س: 41.
(7) ينظر: الدكتور سعيد علوش، «النقد الموضوعاتي»، شركة بابل، الرباط 1989م، 6 ـ 10.
(8) «النول والمنبر»، م. س: 54.
0 تعليق