ماذا تبقى من الحداثة ووعود التنوير؟

إعداد وتقديم: موسى برهومة – كاتب أردني
الذين استحضروا الميراث الحضاري الفلسفي الحديث، وراحوا يسائلونه في أعقاب الحروب والنزاعات، وآخرها العدوان الإسرائيلي على غزة، كانوا يتوخون الوصول إلى إجابات عن سؤال العنف والضحية والإبادة الجماعية، والرغبة المنفلتة من عقالها باتجاه الإجهاز على الآخر/ العدو، واستئصاله، بعد النظر إليه باعتباره مادة متاحة للقتل والتنكيل؛ لأنه كائن أقل آدمية، أو دون إنساني.
حرب في عروق اللغة
راهن كثيرون على أن الفلسفة، وبخاصة بعد مخاضات أزمنة التنوير الأوربي، قد توافرت على روافع وحيثيات نظرية إجرائية تحول دون الإيغال في تجريد الكائن المعذب من إنسانيته، تمهيدًا لتجريب سائر أشكال الموت والقتل والتعذيب والتهجير والنفي بحقه، وكانوا ينتظرون أن ينهض خطاب التنوير والحداثة، ويقول بصوته العالي الذي غير وجه أوربا: (لا) لقتل الأطفال والنساء وتدمير الحياة، ونحرها من الوريد إلى الوريد.
بيد أن الذي تكشف (للوهلة الأولى) أن أزمنة التنوير، وما حملته من وعود خُلبية بالعدالة والمساواة والحرية والإنصاف، كانت مراوِغة، وفي بعض الأحيان زائفة ومخادعة، ما طرح بقوة أسئلة ونداءات من قبيل «موت الفلسفة»، و«انتحار التنوير»، و«نهاية التاريخ»، والرغبة في «الخروج من العالم»، والبدء في قلب ظهر المِجن للحضارة الغربية التي تأسست، في بعض تمثلاتها، كما يقول الناقمون، على العنصرية وتفوق الرجل الأبيض، وفصلت ديمقراطية على مقاس مواطنيها ورعاياها والمنحدرين من دمائها «الزرقاء»، لا صلة لها بـ«الديمقراطية الملغومة» المعطاة للشعوب الأخرى، التي يحلو لبعضهم أن يصنفها بأنها «جنوب»، مع أن الجنوب ليس مقياسًا جغرافيًّا بالتأكيد.

فريدريك نيتشه
وقاد الاضطراب المفاهيمي إلى حدوث شرخ عصي على الفهم من حيث معايير الحكم على الأشياء والظواهر والأعراق والشعوب؛ إذ بدا أن هناك تراتبية «مريبة» في جعل قيم عليا كـ«الحرية» أو «العدالة» أو «الكرامة» أو «الاستقلال»، مقتصرة على شعب، أو فئة، أو جماعة دون سواها. وجرى إثقال الأخبار والتحليلات والمقاربات بعبارات من قبيل «حق الدفاع عن النفس»، وهو، للوهلة الأولى، مفهوم جذاب، سلس، لا يثير شكوكًا، فألفاظه تتماشى مع المنطق والحق الطبيعي في رد الفعل، لكن تطبيقاته على أرض الواقع، أو في ساحة الصراع، استبطنت تفسيرات انتقائية مشتقة من ترسبات عنصرية أو إثنية، أو استعلاء «مضمَر» في تصنيف الإنسان؛ بحيث يبدو هناك بشر من فئة أولى بعيون زرقاء ودماء «نقية»، وثمة آخرون هم آخرون، بما يعنيه ذلك من إقصاء، وطرد، ورغبة في الاستغناء عنهم، بوصفهم فائضًا. وهنا تندلع الحرب في عروق اللغة وشرايينها ومنعرجاتها وظلالها والتباساتها.
وجرى، في غمرة ذلك، استدعاء الثاوي في الذاكرة من مقولات وفلسفات تأسست على الفهم «الشرير» الذي ربما لم يكن يتقصده أو يتوخاه أصحابها، وهنا يقفز نيتشه إلى الواجهة، بوصفه فيلسوف «إرادة القوة» والمبشر بـ«الإنسان الأعلى»، المتفوق، أو «السوبرمان»، الذي صمم لكي يَقهر، لا أن يُقهر، على ما تستوجبه هذه المهمة «الخارقة» من تخطي كل الحواجز الأخلاقية، وتحطيم القداسات والكرامات، نزوعًا إلى تجلي «البطل العالمي» الذي يهزم الضعف، ويعلو فوق الشفقة، ويخلص البشرية من الضعفاء والمعذبين.
وبحث المنقبون عن جذور الانفصام في الفكر الغربي الذي تأسست عليه المركزيات المعاصرة، فألْفوا أن الحداثة ضمت تحت إهابها تصورات عنصرية أصابت لوثتها أفكار فلاسفة، بعضهم نظر للأخلاق وغدا نبيها، كما هي حال كانط، لكن نقاده عثروا على تقسيمات عنصرية للبشر على أساس اللون، حيث اصطفى صاحب «نقد العقل المحض» العِرق الأبيض بالذكاء والمقدرة على تشييد الحضارات، فيما جعل في المرتبة الثانية ذوي اللون الأصفر، ثم الأسود، ثم جاء الهنود الحُمر في قاع التصنيف، بوصفهم أسوأ الأجناس وأدناهم ذكاءً وابتكارية!

تأسيس وعي جديد
المتبرمون من الحداثة وأزمنة التنوير يرون أن هذه الأفكار التأسيسية ساهمت في بناء طبقات متراصفة فوق بعضها لـ«الحداثة البراقة»، بحيث تبدو طبقاتها الظاهرة للعيان مشرقة بالوعود والشعارات، لكن أعماقها السحيقة تشتعل بالتناقضات والازدواجية، وهو ما استخدم سلاحًا «فعالًا» في هجاء الحداثة، أو رثائها.
من وحي هذه الأفكار المضطربة، ورغبة في جلاء المفاهيم، وعدم الإسراف في الحماسة الهجائية لمنجز النهضة الفلسفي وخطابات الحداثة، ونزوعًا إلى تفكيك أحجية التنوير وتناقضاتها السافرة، جاء هذا الملف الذي شارك فيه أربعة مفكرين عرب، سعوا كل من جهته إلى توصيف وتفسير وتحليل وفهم ما جرى في أعقاب الحرب على غزة، التي ينسحب النظر في مقتلها على كثير من الحادثات التاريخية التي كشفت مأزق الخطاب التنويري في مواجهة أزمنة العنف والتوحش.

مارتن هايدغر
الزوايا الأربع للشهادات/ المقالات، ألقت أضواء ساطعة في ليل القهر المعرفي، من دون أن تسقط في قاع العدمية، أو في إصدار أحكام قاطعة بالدعوة إلى الاستقلال عن العالم والخروج منه، والانزواء في الجزر الذاتية المنعزلة؛ لأن طبيعة العيش المشترك تقتضي المساجلة، والمقاومة، وتطوير الأفكار، وتصفيتها من الشوائب والأتربة والأدران والأمراض، وهو ما يوحي بأن التصدع لم يأتِ على النواة الجوهرية لأفكار التضامن مع الحق والعدل وعلو كعب الإنسان ومناوأة الشر، فما زال في قنديل الخير زيت يضيء.
ولم تكن الأسئلة التي تعصف بأفكار الحداثة والتنوير بنتَ لحظة التدمير المتوحشة الراهنة، بل هجس بها الفلاسفة وأوسعوها بحثًا، بل قتلًا، حينما أكدوا أن الحداثة مسار تاريخي تصاعدي لفكرة التنوير، واقترحوا أن العبور من الحداثة إلى ما بعد الحداثة لا يكون بالتجاوز وإنما بالتعافي، بالتعبير النيتشوي الذي طوره هايدغر، (ولكل منهما سياقه) وربما يكون هذا التعافي تعافيًا من الميتافيزيقا. ومن الأفكار التي حاولت أن تقطع مع الحداثة كان «نهاية التاريخ»، بمعنى ما يتبقى بعد تهدم المعمار الأخلاقي، وسيطرة الهمجية المؤسسة (أيديولوجيا) على الغلبة العنصرية والتفوق الحضاري، والتميز الثقافي.
وعلى هدير هذا الطوفان الهادر من الأفكار المتلاطمة تُستدعَى مقولات فلاسفة من عصر التنوير عن العدمية. فهل يمكن أن نصف ما يجري بعدمية إيجابية (محتملة) تقطع الصلة بالتصورات القارّة والقديمة والمألوفة والمسكنة للعواطف، ونذهب باتجاه تأسيس وعي جديد لحداثة حقيقية قائمة على صيانة الروح الإنسانية، بغض النظر عن مرجعياتها وعرقها ولونها وتاريخها البيولوجي وإرثها الأنثروبولوجي؟ وهل تكون «الإنسانوية» هي الخلاص، من خلال منظور جديد يرنو ويعمل على تأسيس وتجذير نظام أخلاقي (نزيه) قائم على القيم الطبيعية والبشرية؟ وماذا، بل كيف يمكن النظر، بعد اليوم، إلى الفكرة السياسية المنقعة بالأيديولوجيا والمحتشدة بالميتافيزيقا والغارقة في التعاليم الدينية التي تتحدث عن «عماليق» وعن نبوءة مفادها أننا «نحن أبناء النور، بينما هم أبناء الظلام، وسينتصر النور على الظلام»؟
من الضروري، بل المحتم، أن يكون لدينا في المستقبل خط متنامٍ وصاعد يرفض الانصياع للأمر الواقع، ويجترح رؤاه المستقلة في مختلف القضايا الجوهرية المتصلة بالحرية والكرامة والعدل. ومن المهم ألا يقف الوعي البشري، الذي أصيب جله بـ«بخيبة أمل» من تهافت وعود الحداثة والتنوير، على الأطلال، ويشرع في البكاء على من رحلوا أو خذلوا أو خانوا ميثاق الأفكار المقدس. فتشاؤم العقل لا يلغي تفاؤل الإرادة، بتعبير غرامشي، وهو ما يعني الامتثال لأعمق ما في درس سيزيف: أن نظل نرفع الصخرة إلى أعلى الجبل، حتى لو قذفتها العواصف وعبث الأقدار إلى قعر الوادي.
في الحداثة وازدواجية المعايير

فهمي جدعان – مفكر أردني
بعد أحداث السابع من أكتوبر، احتلت وصمة «ازدواجية المعايير» موقعًا فريدًا في الانتكاسات النقدية التي انتصبت قبالة الانحيازات الخارقة التي انطوى عليها الدعم الغربي المادي والمعنوي للفعل الإبادي العنصري الذي أقدمت عليه قوة الاحتلال الصهيوني الغاشمة في غزة، التي تعاني القهرَ والحصارَ والاختناقَ منذ عقود. دُعِمَ الغاصب المعتدي، وشُجِبَ الضحيةُ وحُماتُها، خلافًا لما جرى في حالات أخرى مماثلة.
لم يسأل أحد هذا السؤال: لماذا يمارس الغرب هذه الازدواجية في المعايير؟ ولماذا لا يسلك الغرب طريق العدالة والمساواة -التي يتبجح بها منذ عصر الأنوار- ولا ينظر إلى أطراف الصراع، وفقًا لما يفرضه مبدأ العدل ذاته؟
جذور المشكلة وجوهرها
ثمة، بكل تأكيد من يذهب إلى أن الأمر ذو جذور ممتدة في الصراع السياسي القديم بين الإسلام والمسيحية التي باتت عند بعضهم تلحق بما ينعت بالمسيحية- اليهودية. وقد يرى آخرون أن المسألة ترتد إلى «عقدة الذنب» المتأصلة في الغرب غداة ما لحق باليهود في ألمانيا النازية. ويعلل كثيرون الأمر بمطلق «النفاق» الغربي العالق بالمصالح والغايات وبالعطب الأخلاقي.
كل هذه التعليلات ذات نصيب من المطابقة ومن الحقيقة. لكنّ ثمة أيضًا منبعًا آخرَ قمينًا بالتفسير، هو أن الحالة تضرب جذورًا قوية في فلسفة الحداثة المنحدرة من فلسفة الأنوار، وذلك ما أذهب إليه في هذا القول، من دون أن أنكر التعليلات الأخرى.
درج مؤرخو الأفكار على القول: إن القطيعة التي حدثت بين العالم الحديث وبين العالم القديم؛ عالم أفلاطون وأرسطو والرواقيين، قد نجمت مع فولتير وديدرو وهيغل. لكن الحقيقة هي أن هذه القطيعة قد حدثت مع ديكارت وهوبز ولوك. كانت نظرة القدماء إلى العالم نظرة «كُلِّيّانِيّة» أو «هولستية». أما نظرة المُحْدَثين فقد كانت نظرة ذَرّيّة، جزئية؛ أي أنها تقوم على الأجزاء، أو الأفراد، أو الأشخاص، بما هم، بالطبيعة أفراد أحرار متساوون، مستقلون، عاقلون. لحق بذلك تحول من قصدية أو غائية «الحكمة» إلى غائية أو قصدية «الفعل» والمنفعة، وانتقال من «عبودية الخطيئة» المسيحية إلى «ديمقراطية المساواة». بتعبير آخر جرى تحول من النظرة الهولستية إلى النظرة الاسمية الذرية، وخروج للحداثة من عباءة (الأنوار).
والحداثة هذه، في تشخصاتها الأولى، ذات مبادئ حصرها مؤرخو الأفكار في تسعة: الحرية الفردية، المساواة بين الأفراد، العقل في خدمة العواطف والأهواء، تقديم العمل أو الفعل على الحكمة، والشرف والنبالة -وقد يمكن أن نقول عربيًّا: المروءة- على الصلاة والرجاء، والحب على الإنجاب، والسوق -أو اقتصاد السوق- على الجماعة، والديمقراطية التمثيلية، أو أولية الأمة على الدين، وأن الدين خاصة شخصية. يستقل كل مبدأ من هذه المبادئ بقطاع من قطاعات الحياة الخاصة أو العامة الاجتماعية.
تمثل الغرب الحديث في مطالع تشخصه قيم التنوير والحداثة. وبفضل هذه القيم استطاع أن يغزو العالم ماديًّا ومعنويًّا. وبفضلها أيضًا زعم أنه يتفرد ويتميز ويرقى ويهيمن على جملة الحضارات والثقافات الأخرى. وفي تطوراته المتأخرة بلور نطاقه الشامل في مدونة من المبادئ الرئيسة: الحرية، والمساواة، والعقلانية الأداتية، والرأسمالية، والديمقراطية التمثيلية الليبرالية المعززة بالثروة والقوة وطلب الهيمنة في حدود نظام يُجري فصلًا جذريًّا بين السياسة والأخلاق، وفصلًا آخر بين السياسة والدين. وذلك ما بات نظريًّا وعمليًّا يمثل ما يقترن بالحداثة المتأخرة.
في إطار هذا النظام، النظام الغربي، تحتل قيمة المساواة مكانة مركزية؛ كانت أحد المبادئ الثلاثة التي تبجحت بها الثورة الفرنسية. بيد أنها حين انخرطت في إنفاذها لم تُجرِ أحكامها وفقًا لمبدأ العدالة الإنسانية الشاملة؛ إذ إنها أحكمت قانونها في حدود الأمة الفرنسية، وخالفته خارج هذه الحدود، أي في مستعمراتها، حيث غاضت كل ملامحها وفقدت كل المعاني الأخلاقية التي زعمتها لنفسها، وأبانت التجربة عن أن المبدأ نفسه كان مضللًا، يمكن إنفاذه في مكان ويمكن خرقه أو خيانته في مكان آخر.
في أحشاء هذا المبدأ من مبادئ الحداثة يكمن سر وصمة «ازدواجية المعايير»، وذهاب الغرب السياسي اليوم إلى الوقوع في فِخاخها، أو إلى اختيارها وإنفاذها. لكن كيف ذلك؟ وكيف تنحرف الحداثة المتأخرة وتقع في هذا العار الأخلاقي؟

ديمقراطية المساواة وديمقراطية التفاوت
في التحليل المدقق لمبدأ المساواة يجري التمييز عادة بين ضربين من المساواة: المساواة العددية أو الرياضية، والمساواة الهندسية أو الجيومترية. الأولى حسابية، تعدد الأفراد الذريين، أما الثانية، الجيومترية، فتحدد الخصائص والمزايا والملَكات التي يتمتع بها الأفراد. الأولى عددية حسابية، والثانية كمالية وخاصة. (وذلك قريب مما جرى عليه التراث الأدبي العربي في التمييز بين العامة وبين الخاصة). ثم إن هذا التمييز ذو علاقة وطيدة بمبدأ آخر رئيس من مبادئ الحداثة، هو الديمقراطية، التي كانت النظام الحاكم في أثينا الإغريقية، وفيها أيضًا يثير مبدأ المساواة جدالًا يدرك مشكلها الراهن؛ ذلك أن الديمقراطية الأثينية ترفع من الشأن للمساواة بين المواطنين وتعول على المساواة العددية أو الرياضية، وذلك ما تعلق به الرواقيون الذين لا يضعون فروقًا في الطبيعة بين الأفراد، فجميع المواطنين متساوون أمام القانون. لكن أفلاطون وأرسطو أنكرا المنظور الديمقراطي، وذهبا إلى القول: إن المساواة العددية أو الرياضية غير عادلة؛ إذ هي تجعل ما ليس متساويًا متساويًا، وعندهما أن المساواة الهندسية المتناسبة، أي التي تعترف بالتفاوت في الفضائل الأخلاقية والعقلية وبالمشاركة فيها، هي مساواة عادلة.
تجنح الحداثة إلى إقرار المساواة بين الأفراد، لكنها، مع هوبز، تفتح أبواب المنافسة في طلب القوة والمال والمزايا والخبرات النادرة، وتثير المنافسة الصراع بين الأغنياء وبين الفقراء، فيعرض هيوم فكرة التعاطف.
ذلك هو المنطق الذي يحكم مبدأ المساواة في الحداثة الكلاسيكية. إنه منطق الديمقراطية التي تساوي بين الأفراد بما هم ذرات اجتماعية متساوية أمام القانون ومتساوية في قيمتها الذاتية أيضًا؛ إذ لا أحد من المواطنين يعلو أو يرقى أو يتميز على أي مواطن آخر. لكن هذا المنطق ليس هو المنطق الذي يحكم مبدأ المساواة حين يتعلق الأمر بالأغراب الذين ينتمون إلى مجتمعات أو دول لا تنتمي إلى الجغرافيا البشرية الغربية، وحين تجري الأمور، في أحضان الحداثة المتأخرة، حداثة عصرنا المباشر والجاري، التي خضعت لتغيرات غير طفيفة، وباتت سيالة في جملة سردياتها.
حين ندقق النظر في مسالك الغرب الحداثي المعاصر وفي علاقتنا به وعلاقته بنا، يظهر بوضوح أن الذي يحكم هذه المسالك ليس هو ديمقراطية المساواة، وإنما هو ديمقراطية التفاوت، التي تجسدت في الفضاء الأثيني القديم في النظام الأرستقراطي. بكل تأكيد ليس المقصود هنا، في الغرب الحديث، هو الأرستقراطية الاجتماعية الطبقية، وإنما الأرستقراطية بما هي نظام ثقافي وديمقراطي أو علمي أو فني أو تقني يتميز بمنجزات جليلة في شتى الحقول: الأدبية والعلمية والفنية والتقنية والعسكرية.. بها يتميز ويختال ويعلو ويهيمن.
يعي الغرب السياسي وعيًا تامًّا أن احتيازه لهذه المزايا، على نحو غير عادي أو خارق، يسوغ له الاعتقاد أنْ لا أحدَ يمكن أن يكون مساويًا له. ويقترن بذلك أن تقديره للشعوب والثقافات الأخرى، الأدنى، سيلقي بظلاله على تقديره وعلى نظرته الإجرائية لمبدأ المساواة. والمحصل الغربي هنا هو أن موقف التعالي أو الاستعلاء -بل الاحتقار في حالات بعينها- هو المنطق الذي يحكم علاقته بالآخرين الذين لا يملكون ما يملك من المزايا، وأن مبدأ المساواة الجيومترية، لا مبدأ المساواة العددية أو الحسابية، هو الذي ينبغي أن يَحكم.
ويلحق بذلك أن ديمقراطية المساواة تنسحب لتحل مكانها ديمقراطية التفاوت والمزايا واللامساواة، والتضاد، بل التناقض في التقديرات وفي الأحكام. وأخطر من ذلك الاحتقار ونكران العدالة والامتهان، بحيث لا يعود الفرقاء الذين يمتازون بكثرة العدد، حسابيًّا، مساوين للفرقاء الأعظم مكانة وقوة في عالم المعرفة والعلم والعمل والمال والتجارة والإعلام والإبداع الفني والتقني. حينذاك تَحكم «ازدواجية المعايير» وتعلو الكفة لخير هؤلاء دون أولئك، ويتداعى النظام الأخلاقي. وليس ذلك إلا وجهًا من وجوه القصور والعَوار، بل الشر الذي تجريه الحداثة المتأخرة في النظام الإنساني؛ إذ تكشف عن وجهها القبيح في الانحطاط الإنساني الذي فضحته وقائع الإبادة الجماعية التي أنفذتها في غزة قوة الاغتصاب الصهيوني المدججة بالدعم المادي والمعنوي الغربي، وباختلالات الحداثة وجنوحها الأخلاقي.
في تعثر الحداثة وتداعياتها

نايلة أبي نادر – كاتبة لبنانية
بين اختراع المطبعة، وحركة لوثر الإصلاحية، واكتشاف القارة الأميركية، وانتشار نظرية غاليله، وحدوث الثورة الصناعية في أوربا، وتحول المجتمع من حال الريعية إلى حال الإنتاج، وبدء تطور النزعة الإنسانية، بين كل هذه الأحداث وغيرها، تعددت المقالات التي تؤرخ لموعد بداية الحداثة.

جان بودريار
أورد جان بودريار في مقالة له حول الحداثة في موسوعة أنيفرساليس أنه «ليس للحديث عن الحداثة أي معنى عندما يتعلق الأمر ببلد من دون تقاليد وتراث، ومن دون عصور وسطى كالولايات المتحدة الأميركية. وعلى العكس من ذلك، فإن للتحديث تأثيرًا قويًّا في بلدان العالم الثالث، التي هي بلدان ذات ثقافة تقليدية». ويشير بودريار، في المرجع نفسه، نقلًا عن كارل ماركس، إلى أن «التجريد الملازم للدولة السياسية، من حيث هي كذلك، لا ينتمي إلا للعصور الحديثة؛ لأن تجريد الحياة الخاصة لا ينتمي إلا إلى العصور الحديثة. في العصور الوسطى، كانت حياة الشعب وحياة الدولة متطابقتين: فالإنسان هو المبدأ الواقعي للدولة، إن العصور الحديثة هي الثنائية المجردة، هي التعارض المجرد المفكر فيه».
من أهداف الحداثة
إن ما حاولت الحداثة أن ترسخه في الأذهان، وبخاصة في عصر الأنوار، كان واضحًا من جهة أولوية العقل، واستقلاليته، وعدّه المرجع الأساس في البت في أمور الحياة والمجتمع، وفي كل ما يتعلق بالإنسان. عن سؤال: ماذا تعني الأنوار؟ يجيب الفيلسوف الألماني كانط بما يأتي: «إنها خروج الإنسان عن حالة قصوره، ذلك القصور الذي يكون الإنسان ذاته مسؤولًا عنه». كان يقصد بالقصور «عجز الإنسان عن استخدام فهمه دون توجيه الآخرين»، وذلك مرده إلى «غياب القدرة على اتخاذ الموقف والشجاعة في استخدام الفهم دون قيادة الآخرين». أكد كانط على أن جمهور الناس بإمكانهم أن يستنيروا بمفردهم شرط أن يتوافر أمامهم «مجال الحرية»(1).
انتقد فكرُ الحداثة الأيديولوجيا الضيقة وعمل على زحزحة حدودها من أجل إسقاطها. كذلك شدد على الممارسة النقدية، وإعادة النظر في الأولويات والثوابت الراسخة عبر الزمن، وتوسيع مجال استعمال العقل، وتعزيز الوثوقية فيه. نادت الحداثة بالأنسنة، وركزت على قيمة الشخص البشري في حد ذاته، بمعزل عن انتماءاته من عرقية أو دينية أو وطنية أو غيرها. نلحظ أيضًا أنه من ثمار الحداثة كان السعي إلى بناء الدولة الحديثة على أسس العدالة والمساواة وحقوق الإنسان، وأن الجميع متساوون تحت القانون. يكفي أن نقرأ بنود الشرعة الدولية لحقوق الإنسان لكي نلحظ كم كان أثر الفكر الحداثي واضحًا. كذلك مع تطور وانتشار بعض التيارات الفكرية كالأنسنة والوجودية والشخصانية وغيرها، أصبح الكلام رائجًا في الغرب في مجال احترام الإنسان وحقوقه، والعمل على إنصاف المظلومين، وحماية حقوق المستضعفين، والمساواة بين الجنسين، وإعطاء الشعوب الحق في تقرير مصيرها،… إلخ.
من البين كم أن سقف الحداثة كان عاليًا، وكم أن طموحاتها كانت واسعة الأفق. لكن هل كان من السهل أو من المتاح بلوغ الهدف؟
تساؤلات نقدية
التوقف عند تعثر الحداثة في تحقيق ما سعت إليه، وبخاصة بعد كل ما نشهده من حولنا من تدهورٍ متسارعٍ على أكثر من مستوى، هو ما نرنو إليه. نختبر اليوم حالًا من الاهتزازت والتحولات المربكة في أكثر من مكان، نتج عنها فقدان التوازن، وزيادة القلق على المصير، وما ينتظر البشرية من تهديدات، وبخاصة خلال جائحة كورونا، وما تلاها من ارتدادات سلبية على الصُّعُد النفسية، والاقتصادية، والصحية، والاجتماعية. إضافة إلى تعاظم المشكلات البيئية، وأخطار التغير المناخي، وما أدت إليه من كوارث تهاجم مختلف بقاع الأرض كالأعاصير والفيضانات والحرائق المتسعة الانتشار؛ إذ لم يعد أحد بمعزل عنها، والجميع مهدد بأخطار جمة، ومعني بالتفكير فيها والعمل على الحد من تداعياتها.
من هنا نسأل: أي نهج عقلاني يمكنه أن يفكك الأسباب التي أدت إلى كل ما يعصف بنا؟ مَن المرجعية المخولة بالقيام بالمراجعة النقدية والبحث عن مخارج تليق بالكائن البشري الذي استلم قيادة العالم المعاصر؟ هل لعقل الحداثة والأنوار بعدُ من كلمة مسموعة، وتحليل منطقي يقدمه في سبيل إيجاد مخرج لكل هذا التعثر؟
كيف لنا، أن نقبل بعدم إخفاق الديمقراطية، وبسقوط شرعة حقوق الإنسان، وبتراجع العقل النقدي المعارض بموضوعية؟ وبخاصة، بعد كل ما نشاهده من مأساة تلطخ جبين الإنسانية، وذلك منذ تاريخ السابع من أكتوبر الماضي، مع قدوم العاصفة الآتية من قطاع غزة، التي ضربت بقوة شاشات الوعي، وأمطرت عليها وابلًا من الأسئلة المقلقة، والمشاهد الموجعة، والصرخات التي تدمر السكينة الفكرية، وتقوض أسسها؟
قيمة الوجود البشري أصبحت موضع تساؤل، الكيل بمكيالين في مراكز القرار أصبح صادمًا من شدة وضوحه، وبخاصة عند ناشري فكر الحداثة وكافليه. هذا الفكر الذي يتضمن شعارات رُفعت عاليًا، وفُرِضَت بنوع من الراديكالية نظرًا إلى عدّها من مقومات المجتمعات الحديثة، ودولة القانون والمؤسسات. فالعقل العلمي عندما يريد أن يقيم أي عمل بموضوعية نجده يبدأ في مراجعة منطلقاته، وفرضياته، ثم مساره، فالنتائج التي توصل إليها.
شعارات الحداثة والتنوير والثورات التي انطلقت باسم الحرية والتحرير، والسعي إلى مقاربة الحقيقة بعيدًا من الأيديولوجيات الضيقة، كلها أصبحت اليوم على محك التساؤل النقدي. إعادة النظر باتت أمرًا ملحًّا في كل ما أُطلِقَ من شعارات كالأخوة والعدالة والمساواة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ناهيك عن الحق في تأمين المأكل والمشرب والطبابة والسكن اللائق بالكائن البشري.
لمَ بات الدفاع عن الحرية، وبخاصة حرية التعبير، أمرًا نسبيًّا يخضع لأكثر من معيار؟ كيف تتم مقاربة الوقائع اليومية من جانب وسائل الإعلام، وكيف تُتَلَقَّى هنا وهناك؟ وبالعودة إلى كانط، هل يمكن لإنسان اليوم أن يكون لديه فهم منطقي لما يحدث من حوله من دون «توجيه الآخرين» (وسائل الإعلام)، وما يُسمح لها بنشره؟
لم يكد المجتمع العربي يلملم تشظياته، ويضمد النزيف القاتل الذي عاناه منذ مطلع الألفية الثالثة، حتى استفاق على ما يمكن تسميته انقلابًا في غاية الخطورة. المقاييس تبدلت، والمعايير اختلفت. ما درسناه في الكتب لم نجد له صدى في الواقع. وما نُودِيَ به على الشاشات والمنابر لم يحظَ بترجمة له على الأرض. كيف لنا أن نستوعب ما يجري ونتعاطى معه ببرودة العالِم في مختبره؟ هل يمكننا بعدُ أن نضع نظارة الموضوعية ونفكك حقيقة ما يجري؟ كيف للوعي أن يفهم هذا الشرخ الهائل بين ما رُوِّجَ له منذ زمن حول الحداثة الفكرية، واستقلالية العقل، وضرورة مقاربة الواقع من الوجهة النقدية مهما كانت موجعة ومكلفة، وأهمية العمل على الكشف عن «المسكوت عنه» في الخطاب السائد، وإلزامية اقتحام دائرة ما هو «مستحيل التفكير فيه»، من دون أن نغفل عن كثرة المشروعات الساعية إلى زحزحة السقوف الأيديولوجية الرابضة بقوة على أنفاس العقل من أجل إسقاطها؟ هل بقيت الحداثة بالنسبة إلينا مشروعًا فكريًّا غربيًّا منسلخًا عن المجتمعات العربية وثقافة أهلها؟
قبل أن تحل الكارثة
نعم، كانت شعارات النهضة عالية النبرة، وطموحات الحداثة بعيدة الأفق، والآمال بوسع الانتظار الذي طال قرونًا. لكن، الواقع مختلف بوضوح عن الفكر، فالهوة الفاصلة بينهما راحت تزداد عمقًا مع تتالي الأيام والسنين. تجدر الإشارة هنا إلى أنه بدأت تتكشف ضخامة الانفصام بين التنظير والتطبيق، بين ما ينادي به كبار المفكرين والأدباء والشعراء في الغرب كما في الشرق، من جهة، وبين حقيقة ما يحدث في الغرف المظلمة حيث تؤخذ القرارات المبنية على القمع والسيطرة واستغلال الضعفاء والفقراء، من جهة أخرى. كذلك يبدو جليًّا الاتفاق على غض النظر عن هدر حقوق البشر في ناحية من هذا العالم، والاستماتة في الدفاع عنها في ناحية أخرى منه. هناك راديكالية تواجه راديكالية أخرى، والتطرف يمتلك لغة تزداد انتشارًا يومًا بعد يوم، هنا وهناك. يمكن أن نشير إلى أن عملية رفض نهج التفكير الذي كان سائدًا في أوربا في القرون الوسطى، تميز بالراديكالية. كذلك نجد أن رفض الحداثة ومعطياتها في مجتمعات لا تزال تقبع في التقليد، وتقدس التراث وتفضل أن تبقى مخلصة لمجمل ما ورد فيه، جاء راديكاليًّا هو الآخر.

قسطنطين زريق
يلفتنا في هذا السياق توقف قسطنطين زريق في نهاية القرن الماضي، من خلال دراسة له في مجلة «المستقبل العربي» بعنوان: «النهج العصري» عند سلبيات الحداثة وأخطارها، فيذكر في البداية الحروب المرتقبة والناشئة التي تجابه الإنسانية خطر اندلاعها، وبخاصة بعد تطور نظام تصنيع الأسلحة البيولوجية والكيميائية والنووية. ومن ثم يشير إلى «آثار التسلح والتسليح» على الاقتصاد والمجتمع في آنٍ؛ لأن حجم الدمار أصبح كبيرًا، والمخاوف والأهوال متعاظمة، مثل: «امتصاص نسبة كبيرة من ثورة الشعوب، المادية والبشرية وتحويلها عن المطالب الملحّة في التنمية والإعمار في مكافحة الفقر والجوع والمرض والجهل وشتى وجوه التحرير الإنساني». هذا الوضع، في رأيه، سينعكس سلبًا على الدول النامية فيزيد من غرقها في التخلف والحرمان. كذلك يلحظ زريق أنه من سلبيات الحداثة «اتساع الفوارق بين الشعوب القادرة والشعوب الضعيفة»، وهو الأمر الذي سيضاعف الاستغلال ويزيد حجم «الفجوة» بين الأقوياء والضعفاء؛ إذ بعد انحسار الانتداب التقليدي حل محله استعمار جديد ابتدع أساليب خاصة للاستغلال. ويتابع قسطنطين زريق تحليل انعكاسات الحداثة السلبية، فيذكر «اختلال النظام الاقتصادي العالمي» انطلاقًا من انخفاض معدلات النمو، والركود والانكماش والبطالة والتضخم، وارتفاع مديونية الدول النامية، وازدياد تبعيتها للدول الصناعية.(2)
ليس المجال متسعًا هنا لذكر مجمل المفكرين الذين توقفوا عند درس الحداثة وإبراز سلبياتها كما إيجابياتها، إنْ في الفكر الغربي، أم في الفكر العربي، إنما الهدف يكمن في الإضاءة على أزمة فعلية تواجه العقل اليوم، وتجبره على أن يتفحص بدقة إخفاقاته كما انتصاراته، ارتقاءاته النظرية كما خيباته العملية. العقل مطالب في هذه المرحلة من التاريخ المعاصر، وقبل أن ينتقم التراث لنفسه، وتستعيد ذهنية القرون الوسطى نفوذها، بتعرية ذاته، وتشذيب أدواته، وتصويب مساراته، بعيدًا من الراديكالية، وعن التقوقع ضمن أيديولوجية محدودة الأفق والأهداف. ألم تأتِ الساعة بعدُ للانخراط في مهمة وجد العقل لأدائها؟
اغتراب المشروع الحداثي
حسن حماد – كاتب مصري
بداية لا بد من الاعتراف بأنّ الحداثة بمدلولها الحضاري الشامل مسألة تنتمي بجذورها وروافدها إلى عصرَيِ النهضة والتنوير. وقد اتخذت تلك الحداثة من العقل سلاحًا وقاعدة صلبة أقامت عليها انتصاراتها، وهو الأمر الذي سمح للحداثة الأوربية بالفوز في كل المعارك التي خاضتها العقلانية الأوربية، وبخاصة في معاركها مع رجال الدين والإقطاعية الرجعية، وضد التحالف غير المقدس الذي كان قائمًا آنذاك بين السلطة الدينية وبين السلطة السياسية.
وعلى هذا، فالحداثة تشير هنا خاصةً، أولًا إلى سيادة العقل، الذي أدى بدوره إلى انتصار ما هو إنساني على ما هو لاهوتي، وأدى في النهاية إلى بلورة التيار العلماني الذي سعى بكل قوة إلى فصل الدين عن السياسة، وتحرير العلم والفلسفة والفكر والثقافة والفن من قبضة رجال الدين.
تقدم مادي وتراجع أخلاقي
وعلى الرغم من الوجه المشرق للمشروع الحداثي، والتفاؤل المسرف بمستقبل البشرية التي ستحكمها سلطة العقل والعلم، فإنّ الصورة الواقعية والفعلية لم تكن بهذا النقاء الفكري، فالمظهر البرّاق الجذاب لعصرَيِ النهضة والتنوير لم يكن دائمًا كذلك، والجنة التي تَطَلَّعُ إليها الناس كي تتحقق على ظهر الأرض بعد قيام الثورة الفرنسية لم تكن سوى وهم. ويكفي للتدليل على صحة ما نقول أنّ رجال الثورة، بعد أن حطموا النظام القديم للملكية، وبعد أن تولوا مقاليد الأمور، توقفوا عن المناداة بالمساواة الكاملة للجميع، وبدؤوا يغيّرون مبادئهم، فتخلوا عن مساندتهم للفقراء والعمال والزرّاع والمهمشين، وتركوهم في تعاستهم، وتوجه كل جهدهم من أجل إسعاد طبقتهم؛ طبقة البورجوازيين الكبار والصغار، ولم يستطيعوا أن يتحرروا في تفكيرهم ومسلكهم من الانحياز للطبقة الرأسمالية. ثم لم تلبث الثورة الفرنسية أن أصبحت معبرة عن طموحات وتطلعات أغنياء البورجوازية الذين أظهروا جشعًا فاق جشع طبقة النبلاء القدماء.

هربرت ماركيوز
ويبدو أنّ السبب وراء تعثر المشروع الحداثي يعود إلى أنّ التقدم المادي لم يرافقه بصورة مكافئة تقدم معنوي وإنساني. ومن هنا جاء هذا التباين الشاسع بين التقدم بمعناه المادي والسياسي والعسكري، والتقدم بمعناه الإنساني والأخلاقي والمعنوي. وللتدليل على ذلك نذكر أنّ الضمير الأخلاقي الغربي لم يستنكر إبادة أهل أميركا الأصليين (الهنود الحمر)؛ إذ اشتركت كل الشعوب الأوربية المهاجرة إلى العالم الجديد في هذه الجريمة البشعة. هذا الفكر الغربي المثالي نفسه القائم على أفكار التقدميين لم يستنكر قط الاستعمار، وأباح إذلال الشعوب الأخرى ونهب أموالها وإهدار كرامة شعوبها؛ لأنّ مفهوم حقوق الإنسان قد اقتصر فقط على الإنسان الغربي، فهو وحده الإنسان، أما سواه فأي شيء آخر غير إنسان. وعندما أسقط الأميركيون قنابلهم الذرية على هيروشيما وناغازاكي لم يتحرك أحد من أهل الغرب؛ لماذا؟ لأنّ الضحايا في هذه الحالة كانوا يابانيين وغير أوربيين.
وبالقياس نفسه استباحت الولايات المتحدة الأميركية، في بداية القرن الحالي، احتلال أفغانستان، ومن بعده احتلت العراق في حرب ظالمة وغير متكافئة راح ضحيتها مئات الآلاف من الأبرياء، ولم يتحرك الضمير الأوربي، ولم يتأثر أحد بصور المجازر الجماعية ومشاهد التعذيب والتشويه والإذلال التي مارسها جنود المحتل الأميركي ضد أطفال وشيوخ ونساء وأبناء الشعب العراقي في حرب لا مسوّغ لها سوى الرغبة المجنونة في التوسع واحتقار الشعوب غير الأوربية واستغلالها.
والآن يتكرر السيناريو ذاته، ويشهد العالم كله، من أقصاه إلى أدناه، حربًا قذرة تشنها إسرائيل بمساندة ومباركة أميركية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل. إنها حرب إبادة حقيقية لشعب مناضل، كل جريمته أنه يدافع عن قضيته العادلة، وعن أرضه وحقوقه المستلبة. بِمَ يمكن أن نصف هذا؟ أليس هذا نوعًا من الوحشية والهمجية وأحط أنواع القرصنة التي يشهدها التاريخ المعاصر؟ فباسم الحرية تُرتكب الآن أبشع الجرائم في التاريخ، وباسم حقوق الإنسان يجري إذلال الشعوب وقتلها وتشريدها وإبادتها وسحق كرامتها.
نقد العقل المتوحش
إننا نشهد في أيامنا الراهنة أكبر عملية تشويه متعمد ومقصود للقيم والمبادئ والأفكار، ونشهد انقلابًا لكل المعايير وانقلابًا لأسوأ وأردأ نوازع الشر والعنف والعدوانية لدى الإنسان. تُرى بِمَ تفسر هذه الازدواجية التي يحياها العقل الغربي بين أهدافه التحررية المنشودة والمعلنة، وبين ممارساته القمعية الفعلية والفجة؟
إن الإجابة في كلمة واحدة هي «الاغتراب»، والمقصود بالاغتراب هنا «خلل العقل» أو فقدان السيطرة. وضلال العقل في هذا السياق ظاهرة ترتبط بتوحش الرأسمالية؛ الرأسمالية الفاشستية (إن جاز التعبير)، فهذه الرأسمالية الجديدة العابرة للقارات تفتش دائمًا عن أساليب جديدة وخبيثة تسعى من خلالها إلى الهيمنة على ثروات العالم، واضطهاد وسحق الشعوب الفقيرة، وإعادة تشكيل خريطة العالم بما يتفق وأهدافها التوسعية البغيضة والقذرة. إننا نواجه نوعًا جديدًا من الداروينية الاجتماعية التي لا تتورع عن استدعاء سائر المكبوتات العنصرية والعرقية واللاهوتية الكامنة تحت قشرة الحداثة الزائفة!
إنّ ثورة العقل الحديث التي قامت ضد الغباوة والقهر والخوف من المجهول وضد القسوة والرعب وإرهاب الإنسان، هذه الثورة تتحول إلى نوع من الثورة المضادة التي تحاول أن تغتال كل منجزات عصرَيِ النهضة والتنوير، وتعود بالإنسان إلى حالة الهمجية الأولى.
إنّ العقل الإنساني الراقي الذي يستطيع القيام بوظائف: النقد، التخيل، الإبداع، التأمل، التفكير.. هذا العقل نفسه مهدد بخطر التحول إلى اللاعقل: التبرير، الامتثال، الخضوع إلى المهادنة؛ فيصبح موظفًا في مؤسسات القمع والإرهاب.
وتعبيرًا عن هذه الازدواجية التي يمكن أن يعانيها العقل يقول «هربرت ماركيوز» في كتابه «العقل والثورية»: «إنّ فكرة العقل تستوعب كل شيء وتغفر كل شيء.. ربما يكون لنا الحق منطقيًّا وتاريخيًّا أن نعرف العقل على النحو الذي يجعله يتضمن العبودية، محاكم التفتيش، تشغيل الأطفال، معسكرات التعذيب، غرف الغاز، الاستعداد النووي. إنّ هذه المظاهر يمكن أن تشكل عناصر مكملة للعقلانية التي حكمت التاريخ المدون للنوع البشري».
ويبقى السؤال الحائر: ما العمل؟ هل نسلم بهزيمة العقل، ونُقِرّ بخيبة أمل الحلم البروميثيوسي، ونعلن يأسنا من العلم، ومن كل الحلول الإنسانية؟
بالتأكيد، إننا لا نريد أن نصل إلى هذه النتيجة السوداوية. فلا يعني نقد العقل رفضنا الجذري له على طريقة إما- أو. ولهذا فإنّ نقد العقل في هذا السياق ليس استبعادًا للعقل؛ إذ إنّ البديل في هذه الحالة معروف، إنه العودة إلى أحضان الجهل والخرافة، والتسليم بالعجز المطلق للعقل. وهذا البديل مرفوض من جانبنا تمامًا. إنّ النقد هنا معناه تصحيح العقل من داخل العقل وعبر قوانينه ومبادئه. وهذا هو الأمل الحقيقي من وجهة نظري، أعني أنّ التفتيش عن وسيلة لإنقاذ العقل من أزمته لا يكون خارج نطاق العقل، وإنما من داخل العقل نفسه، فاليد التي أحدثت الجرح هي التي تداويه في نهاية الأمر.
دفاعًا عن الحداثة

محمد المصباحي – كاتب مغربي
كانت علاقتنا بالحداثة منذ احتكاكها بنا علاقة متوترة تتخذ في كل مرة شكل أزمة حادة، إلا أن الأزمة الأخيرة التي نقاسيها منذ «طوفان الأقصى» أزمة فريدة في نوعها؛ إذ وضعتنا وجهًا لوجه أمام ما تواترت وسائل التواصل الاجتماعي على تسميته «إفلاس قيم الحداثة والتنوير»؛ بسبب الانحياز الجائر لبعض مفكري الحداثة الألمان لفعل الإبادة الشامل الذي تقوم به إسرائيل للشعب الفلسطيني، من دون أي اعتبار للشعور الأخلاقي وللقيم الإنسانية النبيلة.
اندفع هذا الرهط من الفلاسفة الناطقين باسم الحداثة للدفاع عن «حق» المحتل الإسرائيلي في الدفاع عن نفسه، متجاهلين حق الفلسطينيين المطرودين من بيوتهم ووطنهم في الدفاع عن أنفسهم. الأزمة الآن، إذًا، ليست أزمة صراع بين الحداثة وبين التراث؛ بين ثقافة التقليد وبين ثقافة التجديد والتغيير الجذري، وإنما هي صراع بين الحق وما شُبِّه لهم أنه حق، ما يعني أنه صراع بين الفلسفة وما يشبه الفلسفة، وهي السفسطة.
فصل الحداثة عن الغرب
سمحت لنا محنة غزة أيضًا أن نكتشف قدرة ذاتنا على إيقاظ الذات الغربية من سباتها بشأن فكرة الحق الذي هو من مقومات التنوير. نعم، يمكن فهم ممارسة يورغن هابرماس الكذبَ على أنه كان يدافع عن مصالح بلاده الواقعة تحت أسر الولايات المتحدة الأميركية. لكن هل دفاعه عن خرافة الحق الإسرائيلي مفيد فعلًا لوطنه كوجود ومصير؟ لا أعتقد.
ما نخشاه من هذه الفضيحة الفلسفية أن تجد الغالبية العظمى من أهلنا فيها ذريعة لهجاء الأنوار والتخلي عن مُثُلها النبيلة؛ كالمساواة والحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية والعلمانية والإنسية وحق الاختلاف،… إلخ؛ فتندفع ضدًّا على هؤلاء المعطلة من فلاسفة الغرب لمبادئ التنوير، للسقوط في أحضان عدمية محبطة تروج لانعدام المعنى، والعقلانية، وعدم جدوى الفلسفة والفلاسفة. لا شك أن من غايات مخططي الإبادة الشاملة للشعب الفلسطيني باسم «حق» إسرائيل في الدفاع عن نفسها، هي دفع قوى ثقافية أصولية واستبدادية في مجتمعاتنا للإجهاز على الجزء الضئيل من مكتسباتنا من الحداثة الفلسفية التي نَعُدّها فعلًا لاستكمال النقص الروحي لماهية وجودنا التاريخي.
نعم، لا ننكر مشروعية التطلع للتحرر من الانبهار بالحداثة والانعتاق من التبعية لممثليها، لكننا نعتقد مع ذلك أنه ليس من حقنا ولا من مصلحتنا أن نتخلى عن الحداثة، وبخاصة الحداثة الفلسفية، بمجرد إعلان رهط من منظريها عن ضربهم بعرض الحائط لمبادئها. إننا نرى في المقابل أن الأجدر بنا أن نقوم بفصل الحداثة عن الغرب، والتشبث بالحداثة بما هي حداثة، لا بما هي حداثة غربية، اعتقادًا منا أن الحداثة، وبخاصة الفلسفية، ليست مطلبًا عرضيًّا عابرًا لشعوبنا العربية، بل هي مطلب جوهري لوجودها التاريخي؛ كيلا تلتهمه نار الأصولية والتفاهة والثورة الرقمية.
بعبارة أخرى، المشكل الذي علينا أن نتصدى له اليوم هو كيف نحقق الحداثة من دون حمولتها الغربية، ومن دون الوصاية أو الإملاء الغربي. إذًا، لم يعد المشكل هو كيف نوفق بين زمانين: زمن التراث وزمن الحداثة، وبين فعلين متقابلين؛ المحافظة على الهوية التراثية والانقلاب عليها، وإنما صار المشكل هو كيف نحول الحداثة إلى «مكان محايد»، لا شرقي ولا غربي.
والحقيقة أنَّ تَنَكُّرَ بعض أساطين الفكر الحداثي للقيم الإنسانية الأساسية، وانسياقهم وراء مساندة الإبادة العرقية للشعب الفلسطيني، وإنكار حقه في مقاومة الاحتلال؛ هو دليل على تخليهم عن الحداثة بما تقتضيه من عقلانية وموضوعية ونقد ونقد ذاتي، وبهذا التَّنَكُّر يكونون قد انتقلوا فعلًا من مرتبة الفلاسفة إلى مرتبة السفسطائيين والعوام. وما يميز العوام أو الجمهور هو خضوعهم للنظرة الأحادية ذات الطبيعة الوثوقية التي تحركها نزعة وطنية ضيقة أمسى فيها الظلم عينَ الحق. بهذا السلوك اللاحداثي يكون الغرب قد أكد فقدان ريادته الفكرية والحضارية، إلا أننا لا نتفق مع ما قاله الفيلسوف الإيطالي جياني فاتيمو من أن نهاية الحداثة مقرونة بنهاية سيطرة أوربا، فالحداثة باقية بقيادات أخرى أكثر حصافة وحكمة.
الحداثة بمعيار الحق
إن إخلال بعض المفكرين الغربيين، كهابرماس، بمبدأ المساواة بين الأمم، وتحويلهم الحق إلى باطل، جعلهم مفكرين ما قبل حداثيين يخفون تعلقهم بأيديولوجية غربية ذات منحى عِرقيّ بالمعنى الألماني للكلمة. فالدفاع عن دولة اغتصبت أرض غيرها وسلبت سكانها حقهم في الحياة في وطنهم، هو فعل أصولي وعرقي بامتياز. مع ذلك لا ينبغي أن يؤدي موقفهم إلى إعطاء ظهرنا للحداثة والعودة إلى فكر القرون الوسطى. إضافة إلى ذلك، علينا أن نَعُدّ موقف المساندين للعدوان والطغيان الغربي- الإسرائيلي نقطة ضعف، واستثماره لتعديل خط الحداثة الفلسفية وإرجاعها إلى صوابها.
الذين يُلقون باللائمة على الحداثة والأنوار عليهم أن يدركوا أن الحداثة ليست مرادفة للحق، ولا كمُل الحق عند دعاتها؛ لذلك علينا ألا نطالب هؤلاء المارقين عن الحداثة والأنوار أن يكونوا فاضلين، صائبين ومنصفين دائمًا في أحكامهم ومواقفهم إزاءنا. ونقول هذا لأنه بالرغم من أن الحداثة «زمان مشترك» قائم على وحدة الإنسانية، فإن تطورها فرض وجود «أزمنة خاصة»، طالما أن الزمان المنسجم والمتطابق مع نفسه لم يعد ممكنًا. من هنا حقَّ لنا أن نعدّ الحداثة الغربية «زمنًا محليًّا» وليس من حقها أن تُملي علينا ما هو حق وما ليس حقًّا، ما هو خير وما ليس بخير.
نعم، أعترف بأنني كنت أعدّ الغرب جزءًا منا؛ لأنني كنت أرى أن العلاقة بيننا وبين الغرب ليست علاقة ضدية وإنما هي علاقة إضافية، أي أننا موجودون داخله بفضل علومنا وفلسفاتنا وتصوفنا، وهو موجود داخلنا. من هنا جاءت مناداتي باستبدال شعار «محبة الحكمة» (اليونانية) إلى شعار «محبة الحداثة الفلسفية»؛ إذ هي الضامنة لاستمرار تحديث ثقافتنا وتطويرها. كما كنت أتصور الحداثة كلًّا: إما أن نأخذها كلها أو نتركها كلها. لكنني بعد محنة غزة صرت أميز بين حداثة وحداثة على أساس معيار جديد هو الحق. وبهذا يمكننا نحن العرب لأول مرة أن نأخذ المبادرة في الأزمنة الحديثة لإيقاظ الضمير الغربي.
من هنا بوسعي أن أقول: إن ما يميز بعض الفلاسفة الغربيين ليس نسيان الوجود، كما قال هايدغر، وإنما نسيان الحق، أقصد نسيان الحق البشري، وهو ما يفسر اندفاعهم لممارسة شتى أبشع أنواع الظلم على شعوب الأرض: كالاستعمار، والميز العنصري، وإبادة الشعوب والثقافات وهدم المدارس والجامعات والمساجد والكنائس والمكتبات والمستشفيات.
أعتقد أنه ما زال اليوم من الحكمة الدفاع عن الأنوار لأنها بلغة ابن خلدون، «خلقٌ جديدٌ» يعيد النظر يوميًّا في كل شيء: في الكون، وفي الإنسان، وفي العقل، وفي الخيال، وفي الفعل والانفعال، في العلم والفن والأدب، وفي الدولة والعمران، في الحياة الاجتماعية والسياسية،… إلخ. لكن لكي تبقى جذوة الأنوار والحداثة متقدة في خلقها الجديد، علينا أن نفتح لها ورشات جديدة على ضوء ما أصابها من خلل من جانب بعض الفلاسفة الغربيين.
لا نريد في عالمنا العربي أن تلبس الحداثة لباس «ما قبل الحداثة» كما يفعل الإرهاب الإسرائيلي في غزة والضفة الغربية منذ عقود، حيث يستندون إلى أساطيرهم التوراتية لتبرير اغتصابهم لأرض الشعب الفلسطيني وإبادة سكانها باسم الحداثة الديمقراطية. هذا الخلط لا يمكن أن يحارب بخلط مضاد له، بل بالرجوع إلى مكتسبات الحداثة بما هي حداثة لإثبات أن تمادي الغرب في نرجسيته المتغطرسة لن يكون مآله سوى الانتحار التاريخي. وهذا الانتحار التاريخي هو الذي أعماهم عن إدراك الفرق الجذري بين الإنسان الفلسطيني و«الإنسان» الإسرائيلي.
أخيرًا، فرق كبير بين التنوير الذي أوجب على إميل زولا أن يحتج على الظلم الذي لفق بالضابط الفرنسي ذي الديانة اليهودية، دريفوس، وبين «الحداثة» التي أوعزت لرهط من الفلاسفة الألمان تأييد إبادة يهود إسرائيل للفلسطينيين ككل.
عقول كونية لا إقليمية

عبدالله الهميلي – كاتب سعودي
كل حضارة وفق مقياس ريخترها الخاص لها عمر افتراضي، من الممكن أن يتمدد إذا استمر العقل في اكتشاف قابلياته ومهاراته وإمكانياته. عصر التنوير الأوربي له استحقاقاته التاريخية، منها ميلاد مفهوم الدولة الحديثة هوبز/ مونتسكيو/ جان جاك رسو/ جون لوك وغيرهم من الفلاسفة، الذين وضعوا تقعيدات للفكر الإنساني وقواعد من الممكن أن ينطلق منها. فميلاد فلسفة الدولة نجم عن حقبة التنوير، امتدادًا لهيغل وفيخته وشيلنغ وفلاسفة القانون في تلك الحقبة.
الذي ولد كلمة التنوير في الفاهمة الأوربية فهو الثورة الفرنسية القانونية والثورة الاقتصادية في إنجلترا والثورة الأميركية، ومن خلالها وُجِدَت حقول ونَمَت فلسفات. المقعدون النظريون لفكر الأنوار هم ديكارت وزملاؤه من بيكون وهيوم وغاليليو وكوبرنيك ونيوتن. لكن لا ننسى أن المعمار الفكري الذي عول عليه فلاسفة الأنوار هو معمار إمبراطوري بحت، فديكارت وهو رجل عسكري في الدولة الفرنسية، إضافة إلى كونه عالمًا وفيلسوفًا، عبر عن منظاره الأنواري بمنظار أداتي بحت. وكذلك بيكون وغاليليو باعتبار الإنسان هو الذي يستثمر ممكنات الطبيعة ويستحوذ عليها ويطرد الميثولوجيات والأساطير من عقله.
الإرث الأنواري قدم كنوزًا فلسفية ثمينة جدًّا أرشدت الإنسان الأوربي والغربي إلى ما أصبح عليه في عصر الحداثة وازدهار الفنون والآداب، وابتكار علوم جديدة وإبستمولوجيا تختلف جذريًّا عن عصر النهضة وبداياته وإرهاصاته. إذن عصر الأنوار علينا أن نموضعه ضمن سياقه الزماني وملابسات ذلك السياق، فليس يعني إنتاج نصوص فلسفية وعلمية أن تتحول نصوص الأنوار إلى نصوص دينية مقدسة لا يأتيها الباطل. وقد أوصلها فلاسفة الحداثة إلى ذروتها من أمثال كانط وهيغل. وقد كان ما يدور في خَلَدِ ذلك الجيل الفلسفي، أنه أوصل الفلسفة إلى مقام العلم وأتى بما لم يأتِ به الأوائل، وظن أنه وصل لنقطة النهاية الفلسفية وبذلك أجهز على الفلسفة التي يصعب الإمساك بها.
هذا الوهم والحلم الرومانسي الذي كان يراود فلاسفة الأنوار وفلاسفة الحداثة انتهى بموتهم. ماتوا هؤلاء الفلاسفة، رحمهم الله، ولم تمت الفلسفة أطال الله في عمرها. في حقبة العصر الحديث، أعني نهايات القرن التاسع عشر، ولدت علوم جديدة وحقول جديدة، ونمت إشكاليات أوسع من الإشكاليات التي كان يعالجها العقل الأنواري، الذي كانت الإبستمولوجيا المعتمدة لديه قائمة على عطاءات نيوتن والفيزياء وفلك كوبرنيكوس وغاليليو.
العصر الأنواري هو عصر الإمبراطوريات والتفكير المنبثق من خلاله، وتقديس العقل المطلق. لكن هذا العقل الأداتي الذي يميل إلى تَشْيِيءِ الإنسانِ وجعله أداة من أدوات الطبيعة ووسيلة من وسائل الاستغلال والإنتاج، قد خرج عن التغطية مع أفول عصر الإمبراطوريات، ووصول العقل الأداتي إلى ذروة الانغلاق في بدايات القرن العشرين وولادة الحربين الكونيتين الأولى والثانية، وما خلفه هذا العقل الأداتي، الذي هو نتيجة لانغلاق العقل الأنواري، من كوارث ومآسٍ كافية لأن يراجع هذا العقل، الذي يدعي فهمه كل شيء، قناعاته.
وبذلك تولد الفلسفة المعاصرة التي ترفض هذه المركزيات، التي بس فيها العقل نفسه، لتولد حقول جديدة وأنماط فلسفية أخرى، قائمة على الوعي والإدراك والعلوم العصبية واللغة وتداخل العلوم والحقول وتضافر بعضها مع بعض؛ لمراجعة تلك الأطروحة الحداثية للفلسفة في سبيل نهضة الإنسان الجديد وخروجه من هيمنة العقل الأداتي باتجاه العقل المنفتح والتواصلي والظاهراتي الذي يستفيد من عطاءات المعرفة في شتى الحقول، وينجب فلاسفة من صميم تلك الحقول النظرية والعملية.
وتغدو مجالات الفلسفة أوسع من أن تضيق على العقل وحده، وبذلك تتطور الفلسفة الأخلاقية والقانونية والقيمية عند الإنسان. الميثاق الأخلاقي الذي أنتجته الفلسفة الكانطية لم يعد كافيًا من دون الفلسفة التجريبية، ومن دون ميلاد مجتمع دولي وشخصيات دولية وقوانين تلتزم بها الأمم المتعاقدة، ومن دون توازن القوى بين جميع الدول في العالم ضد الظلم الاجتماعي والحروب وتشجيع التنافس الشريف بين الدول، في سبيل نهضة الإنسان وسعادته. وإنتاج التقنيات وتبادل الخبرات والعقول لتخليص العالم من مآزقه، كالاحتباس الحراري وانهيار النظم البيئية والقضاء على الفقر وسيادة الدول وتفعيل القانون الدولي الإنساني.
لم يعد المشهد العالمي وكذلك الفلسفي فردانيًّا يقوده الغرب لوحده، بل هناك عقل كوني موزع بين جميع القوى والعقول وبين الشعوب لأجل خير البشرية وسعادتها.
هوامش:
(1) لمزيد من التفصيل، انظر: إيمانويل كانط، «فلسفة التاريخ»، باريس، منشورات غونتيي، 1965م، ص46-53. النص ورد في العربية ضمن كتاب «الفلسفة الحديثة» (نصوص مختارة)، ترجمة محمد سبيلا وعبدالسلام بنعبدالعالي، المغرب، دار إفريقيا الشرق، ط2، 2010م، ص287.
(2) للمزيد من التفصيل، انظر: قسطنطين زريق، «سلبيات الحداثة وأخطاؤها»، نص منشور في كتاب الحداثة وانتقاداتها، إعداد محمد سبيلا وعبدالسلام بنعبدالعالي، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، ط1، 2006م، ص44-46.
0 تعليق