كنت في الثالثة عشرة من عمري عندما بُتِرَت ساق جدي، من فوق الركبة. عدوى كما قالوا. شيء ما مقرف ينتشر في أنحاء جسده. سافرت أنا وأمي تسع ساعات إلى كارولينا الجنوبية لنتأكد أن شجرة البلوط العتيقة يمكنها أن تظل صامدة بعد فقدانها أحد فروعها.
لا أتذكر الطريق إلى المستشفى، أو المستشفى ذاتها، لكن أتذكره وهو نائم، مستلق على ظهره بعد الجراحة وأمي تتحدث إلى الطبيب (أو ربما كانت الممرضة) حول تضميد الجرح. كومة من الشاش كما لو كان قاعدة ما تبقى من ساقه. أصبح الآن خاملًا بلا قدم، مُصمم من كومة من القطن. تحول جدي إلى شخص آخر، شخص ما لن أعرفه أبدًا؛ لأنه لن يغادر المستشفى مرة أخرى.
كنت في الثالثة عشرة من عمري عندما بترت ساق جدي، أعلى الركبة. وفي الثالثة عشرة عندما مات. موته لم يمثل انتهاء حياته ولا حتى أحاسيس أمي حول والديها فقط -ماتت جدتي قبل ذلك بثلاث سنوات- لكن رحلتنا التي كنا نقوم بها مرتين كل عام إلى الجنوب قد تأثرت.
كان من المعتاد عند أمي كل جمعة، بعد خروجها من العمل مع أخي الأكبر ألين وأنا، أن أجهز الأمتعة التي تشمل حقائب قطيفة ومبردًا به عدد قليل من شطائر الديك الرومي المغطاة بورق ألمنيوم. ثم تعطي ألين قائمة من التعليمات حول ما يجب ألّا يُفعَل عندما نكون في الخارج، على الرغم من أنها كانت تعلم أنه لن يلتزم بكلمة واحدة مما قيل، لكنني أفترض أنها اكتشفت أن تمرده إبان غيابها كان أفضل بكثير من تذمره في حضورها الذي شمل أصواتًا غير مهذبة على كل كلمة تقريبًا وإلقاء اللوم علي في كل مشكلات حياته.
ألين يمر بمرحلة البلوغ، تلك مساحة كبيرة جدًّا لتقدر عليها أمي بمفردها. ناهيك أنه في هذه المرحلة انفصل والدي وكان عليها أن تفعل كل هذا وحدها.
في السيارة استمعنا إلى المذياع، أغانٍ قديمة، وانتظرت أمي لتسألنا السؤال نفسه الذي تسأله كل رحلة: «كيف عرفت هذه الكلمات؟ لم تكن قد ولدت عندما صدرت هذه الكلمات». أو «يا فتى.. ماذا تعرف عن الإغراءات؟ أو مارفن غاي(1) أو أريثافرانكلين»(2). كلماتها تلتصق بسقف فمي، تشاركني وقت فراغي، تنمو داخلي، تعبر أجيال ليصلني صداها ورنينها.
نتنقل بين استراحات حيث أحصل على الفول السوداني (M&Ms) أو محطات الوقود حيث نحمل ست علب من بسكويت زبدة الفول السوداني. تشير إليهم أمي قائلة: «مملوءة بالفول السوداني» ملائمين للأكل مع شطائر الديك الرومي بالطبع. في بعض الأحيان كانت تختار ورقة يانصيب؛ لأنها تعتقد أنها ستكون أكثر حظًّا خارج المدينة. وكلما حل عليها التعب وبدا أن الهدوء سيجعلها تنام، تفتح النافذة وتتحدث. كانت تعظ حول أهمية الأحلام والبحث عن الهدف والتأمل والطاقة.
تقول أشياء حول رغبتها في عيش حياة قائمة على أسس، حياة منظمة ومرحة في الوقت نفسه. هذه المحادثات شعرت أن عليها أن تقولها لي: طفلها، طفل لأن العائلة بأكملها رأت كيف أنها تشذ بأفكارها عن آرائهم المحافظة حول الله.
تقول: «هناك أشياء يجب أن تكون سرًّا بيننا».
تخبرني أمي بقصص عن نشأتها في مدينة بلا إشارات مرور مقامة على مئتي فدان، كانت مملوكة لجد.. جد.. جدها، الذي كان رجلًا حرًّا. كيف اختار اسم (يناير) لنفسه بعد التحرر، وأن لا أحد يعرف كيف حصل على تلك الأرض لكن صدقه الجميع بأنه ورثها عن العائلة التي كانت تمتلكه في السابق. بنى المنزل على هذه الأرض، غير أنه لم يعرف سوى نوعين من المنازل فقط: منازل العبيد(3) والبيت الكبير.
بناء مساكن للعبيد أمر غير معقول بالطبع؛ لذا بنى منزلًا يشبه منزل العائلة التي كانت تعتبره من أملاكها. يحرث التربة ويزرع الخضروات وأشجار الفاكهة. لديه خنازير ودجاج. تزوج وربى أطفالًا. واحد من هؤلاء الأطفال كان جون ويسلي الذي سيرث عن الجد مهاراته في الزراعة وهو الأمر الذي سيجعله مالكًا لتلك الأرض.
عندما كبر جون ويسلي تصادف أنه تبنى حفيده بشكل غير رسمي -الذي هو جدي- وتخلّت عنه أمه من أجل الحياة في الشمال. ربى جون ويسلي جدي كما لو كان ابنه، علمه كيف يحصد ويزرع، علمه قيمة العمل الجاد وقيمة العائلة.
حينما مات جون ويسلي ترك الأرض والمنزل في رعاية جدي، ذلك هو المكان الذي ولدت فيه أمي وكانت تعيش حتى بلغت العاشرة من عمرها. إنه المكان الذي تعلمت فيه قطف البازلاء والقطن ونتف ريش الدجاج. هذا هو المكان الذي تعلمت فيه -كطفلة وسطى- كيف تعتني بأخواتها الأكبر والأصغر سنًّا، الاستقلالية وتحمل المسؤولية، كانت بوصلتها حينما تتمرد الإخوة.
وهو المكان الذي تعلمت فيه أيضًا كيف تكون أسرة. تلك الأرض هي الأرض نفسها التي سوف نتوقف عندها أنا وأمي في منتصف الليل في ظلام كارولينا، تلك المدينة الريفية تغشى العين والبيت لم يعد هو نفسه. لقد احترق بعدما حزمت أمي وعماتي وأجدادي أمتعتهم وانتقلوا إلى واشنطن العاصمة للحصول على مزيد من الفرص في عام 1955م. جفت المزرعة بينما كانت عاصمة الأمة -مدينة الشوكولاتة- تشيد مترو أنفاق جديدًا وتحتاج إلى أيادٍ؛ لذا تغيرت الحياة ومن أجل النجاة كان علينا أن نعيش في مسكن بغرفة نوم واحدة من مساكن المشروعات. وبمجرد أن كبرت أمي وأخواتها وأنجبوا أطفالًا، عاد أجدادي إلى كارولينا الجنوبية -إلى الوطن- إلى أرضهم.
بنى جدي منزلًا جديدًا صغيرًا بيديه واستخدم اليدين نفسيهما ليوقظ التربة، فنبت الكرنب، الخردل، اللفت والملفوف ونبت البطيخ، الكانتلوب، الطماطم والفول. قبل أن يكبر ألين بما يكفي ليبقى في المنزل بمفرده -وقبل الطلاق- كنا نأتي كل صيف كعائلة. يأخذ أبي العجلة وأنا وألين في المقعد الخلفي نتبادل الضربات بالمرفق. لقد خضنا أولى جولاتنا والغبار في كل مكان، أول مرة نتذوق فيها سنجاب برصاصة في لحمه.
كنا نتعرف إلى أبناء عمومتنا، دربنا آذاننا على فك رموزها، والأهم من ذلك أننا عرفنا جانبًا من شخصية جدي لم نكن نعرفه قط. عرفنا فقط رجل المدينة، لكن أسفل في الجنوب عرفناه فلاحًا. العملاق الذي يمشي بين الصفوف، يرش البذور ويقود الجرار. الرجل الذي يكسر البطيخ على الأرض وينتزع قلبها ويمرره لأخي وأنا كعشاء مقدس.
تجرفنا عاطفتنا إليه، عاطفة مختلفة لكن الحنان كله واحد. لم يكن الشخص الذي يحب الأحضان والقبلات غير أنه حريص دائمًا على شكر أطفاله وأحفاده لمجيئهم لرؤيته. كان دائمًا يقول: «أعلم أنكم مشغولون بحياتكم الخاصة ولستم مضطرين للتفكير في وفي حياة أمكم هنا».

تجيب أمي: «أنت أبي وقد ربيتنا على أن نضع العائلة في المقام الأول». ثم يسحب من محفظته خمسة دولارات ويضعها في يدي كما لو كانوا سبيكة ذهب ويقول: «اقتسم هذا مع أخيك». وعندما أتذمر من مدى سخافة هذا لأنني سأدفع نصف نصيبي على (M&Ms) بالفول السوداني في عودتي للمنزل، كان يقول: «لا يهم، أنتم إخوة وعائلة واحدة».
كنت في السابعة عشرة من عمري عندما شُخِّصَت والدتي بالإصابة بالسرطان في المثانة. اكتشفنا ذلك مبكرًا بعض الشيء كما قالوا. أخذت عينة منها قبل أن تخبرني بذلك، لكن عندما فعلت ذلك -وهي تجلس على طاولة المطبخ- استطعت أن أرى علامات الخياطة. استطعت كذلك أن أرى الخوف في عينيها.
قالت: «لا تقلق، سأقوم بذلك لأنني أريد أن أراكم وأنتم تتقدمون في حياتكم، أنا لن أذهب إلى أي مكان قبل أن أطمئن إلى ذلك»؛ لذا دخلت مرحلة البلوغ بغشم، بدون تسامح أو رحمة. أكافح للعمل إضافة لمحاضرات الكلية، كان عملًا مملًّا لكنه مدفوع الأجر، ثم أذهب إلى المستشفى للاطمئنان على والدتي التي كانت بين الجراحة والعلاج الكيميائي والإشعاعي.
لا أتذكر الرحلة اليومية إلى المستشفى وبصراحة لا أتذكر المستشفى أيضًا، لكنني أتذكر رأسها مرفوعًا فوق أفق من الملاءات البيضاء، جلدها شاحب ومتشقق، أنابيب، تصفير وبقعة رطوبة دائمًا في زوايا عينيها. كانت تضغط على يدي وتومئ برأسها لتجعلني أعرف أنها تعلم أنني بجوارها.
عندما أغادر المستشفى أعود إلى جحري الساخن في المسكن حيث أكتب لساعات. تلك الكلمات التي تربيت على سماعها، مغنو الراب والمغنون العاطفيون تحولوا بمعجزة ما إلى محبة الشعر؛ لذا كل لحظة لا أكون فيها في الصف أو العمل أو المستشفى، أكتب بحسن نية بعض الخرابيش المليئة بالتفوق الأخلاقي لتكون مقروءة بصوت عال عبر مذياع مفتوح. أضحت تلك الخرابيش شغفًا وعلاجًا في آن. من ناحية توسع الثقب الذي أرى منه العالم، ومن ناحية أخرى هي مرهم لجروحي.
أنظر إلى الماضي الآن وأتساءل: إلى أي مدى كانت لتلك الكتابة علاقة بالتعقيدات العائلية، وإلى أي مدى كانت معاناة أخي -آفة المراهقة- المحفز الطبيعي للنمو، ناهيك على أن تنمو كشخص أسود؟ في كل الحالات وإذا كان صحيحًا أن جوهرك الحقيقي هو ما تفعله طوال الوقت؛ لذا مع مرور الوقت تبلورت مسألة الكتابة وبدأت تترسخ. وكما فعلت الكتابة فعل السرطان مع أمي، وبدأت الحياة تنساب من بين يدي شيئًا فشيئًا.
أتذكر أن الطبيب شرح لي الطبقات التي تغطي جرح أمي. هناك أشياء استأصلت منها، أجزاء فيها لم تعد موجودة. لقد تحولت إلى شخص آخر، لكنها نجحت وهذا ما أعطاني إذنًا بالمغادرة.
تخرجت. وحزمت ملابسي في كيس قمامة وقفزت إلى (يوهول)(4) مع جاسون رفيقي في الكلية، وتوجهت إلى نيويورك لأطارد حلمي في أن أكون كاتبًا، كما يتوهم كل القادمين إلى العاصمة. سأخبرك بتفاصيل المرتبة التي على الأرض والأربعين كأسًا من البيرة للعشاء. القول الأكثر أهمية: إنني خلال ستة أشهر في بروكلين حصلت على وكيل أدبي، وهو الأمر الذي شعرت معه كما لو كنت حذرت الأرقام الصحيحة وكسبت الرهان. مثلما تقول أمي دائمًا: إن اليانصيب خارج المدينة أكثر حظًّا.
الكلام عن الحظ.. كنت في الثانية والعشرين.
كنت في الثانية والعشرين من عمري عندما دخلت أمي المستشفى مرة أخرى. وهذه المرة بسبب القيء وآلام في البطن؛ بسبب العمليات الجراحية السابقة التي كانت ضرورية لإزالة السرطان والقطع المستمر في بطنها، تشكلت كمية هائلة من الندبات الناتجة عن أنسجة ميتة ولُفت بطريقة ما حول أمعائها الدقيقة، فكانت تشكها وتمنع مرور كل شيء عبرها. لتصحيح ذلك يعني المخاطرة بحياتها. عملية جراحية مدتها 12 ساعة حيث أي خطأ ممكن أن يثقب الأمعاء ويؤدي تسمم الدم إلى حدوث عدوى. هي، وفقًا للأطباء، لن تنجو. صعدتُ إلى جريهاند في سلطة الميناء واستقللت رحلة لمدة أربع ساعات ونصف من مدينة نيويورك إلى العاصمة لضمان أن شجرة بلوط العائلة يمكن أن تتحمل بعد فقدان أجزاء من لحائها.
لم تشبه هذه الرحلة رحلاتنا إلى الجنوب حينما كنت أصغر. ليست هناك شطائر الديك الرومي ولا (M&Ms) ولا تسالٍ، حلت سماعات الرأس مكان سماعات السيارة، يخرج منها أغاني سام كوك(5). وكان هناك رجل يجلس بجواري يشغل حيزًا أكبر من المفترض له بكثير، مساحة أكبر حتى من المساحة التي يشغلها ألين، إضافة إلى رضيع يبكي. أيضًا كان الحمام يحتوي على موسوعة من الفضلات متناثرة عبر أسطحه. شخص ما كان مريضًا. لم تكن هناك قصص تُروى، فحكيتها لنفسي. قلت لنفسي حكايات حول رغبتي في الوصول إلى تلك المكانة. كيف أنني حفيت من مدينة لأخرى، من مسرح لآخر، من شاعر متجول مرتبك يمشي في طريق شائك، والآن بدأ المشوار يؤتي ثماره.
انظر.. بينما كنت مع أمي في اليوم السابق للجراحة، لم أكن أخطط للبقاء أبدًا. كانت الرحلة متقلبة. تحول سريع؛ لأن يوم الجراحة كان اليوم نفسه الذي وقعت فيه أول عقد للنشر. اليوم الذي كان فيه حلمي يتحقق.
كنت في الثانية والعشرين عندما وجدت نفسي.
لا أتذكر الكثير عن الليلة السابقة، حول النزول من الحافلة أو من صحبني من المحطة. لا أتذكر حتى كيف وصلت إلى المستشفى في صباح اليوم التالي. ربما ركبت معها. ربما كانت والدتي هناك بالفعل وركبت مع عمتي. ما أتذكره هو بعدما أعد الأطباء والدتي للجراحة، بالضبط قبل أن يأخذوها إلى أسفل لغرفة العمليات. تمكنت من الوقوف بجانب سريرها. وجهها عارٍ من الأقراط الذهبية التي كانت ترتديها كل يوم وكذلك أحمر الشفاه. «أمي.. أريد أن أكون هنا، لكن اليوم هو اليوم الذي سأوقع فيه أول عقد لي. هذا ما عملت لأجله. الأولاد السود لا يحصلون على هذا النوع من العروض في كثير من الأحيان. هذا هو ما أردته.. حلمي»، هذا ما قلته وأنا أروج لفكرة نجاحي.
أومأت برأسها وأخبرتني أن أقوم بما عليّ فعله. قَبلتها على جبينها وذهبت. في الثانية والعشرين من عمري تركت والدتي في عملية جراحية قاتلة لأتمكن من فعل ما عليّ فعله بعد يوم أو أسبوع أو حتى بعد شهر. لكنني فكرت في كيف أنني لم أر قط الكتاب السود يكبرون، لم يحدث ذلك كثيرًا، وإذا لم أستغل هذه الفرصة الآن ستضيع مني، ولن أتمكن أبدًا من رؤية كيف سأكون أو كيف سأصبح. بدلًا مما عرفته بالفعل.
أنا الآن في السادسة والثلاثين.
لم نتحدث أنا وأمي عن تعقيدات تلك الجراحة، وكلما سألت عنها تتهرب من التحدث عن ذلك، لكنني أعرف ماذا حدث. أعرف أن الأمور غير مستقرة وكانت هناك لحظات حياتها على المحك، لكنها تجاوزتها مرة أخرى. واليوم وأنا أكتب ذلك، تبلغ هي الخامسة والسبعين من العمر.
هذا الصباح قبل جلوسي على جهاز الكمبيوتر الخاص بي، ناديت عليها. تحدثنا عن مدى فخرنا ببعضنا ببعض، وكيف أن حياتنا معًا لم تكن أقلّ من كونها معجزة. أخبرتها أنني كنت أعمل على هذا المقال، وحول العار الذي حملته لأكثر من عقد. كان ثقيلًا عليّ كحجر في بطني، أجره خلفي كما لو كان ذيل طويل، عدوى، شيء مقرف ينتشر في جميع أنحاء جسدي. قالت:
– كان هذا قبل زمن طويل.
– أعلم لكن في بعض الأحيان ما زلت أشعر بذلك.
– يا طفلي، عليك أن تسامح نفسك.
واستطردت بأنها ربتني لأحصل على ما أريد؛ لأكون ما أرادت أن أكون. لنعيش معًا حياة مستقرة ذات معنى ونستمتع بها. وأردفت:
– لكن قبل كل شيء، علمتك مثلما علمني والدي، الأسرة أولًا.
– صحيح وهذا هو سبب…
– وقد فعلت ذلك كل يوم منذ ذلك الحين. لماذا تخجل مما كفرت عنه؟
مرة أخرى، كانت البوصلة المستقلة التي يمكن الاعتماد عليها لمعرفة الأمام الحقيقي. وفي تلك اللحظة. في هذه اللحظة؛ أدركت أنني قد خمشت هذا الغلاف الرقيق للشعور بالعار والأنانية، ولكن إذا كانت أمي مُحِقّة، الحكة لم تعد ناتجة عن عدوى، إنها قادمة من حقيقة أنني لم أزل الضمادة من على الجرح قط. سألت:
– هل فهمت ما قلته لك يا ابني؟
– أعتقد ذلك.
– حسنًا، دعني أوضح لك. من المفترض أن تبقى بعض الأشياء بيننا، لكن هذه ليست واحدة منهم.
تحدثنا لبضع دقائق أخرى بين البكاء والضحك حتى اضطررت للذهاب أخيرًا.
– عيد ميلاد سعيد يا أمي.
– شكرًا يا طفلي وشكرًا على مناداتي، أعرف أنك مشغول بحياتك ولست مضطرًا للتفكير بشأني؛ لذا أنا ممتنة دائمًا حينما تفعل.
– بالطبع.
وابتسمت.
– فأنتِ أمي.
المصدر: كتاب «you are your best thing» وهو عبارة عن 20 مقالة لكتاب سود مختلفين، كُرست لفهم وتفكيك مفهوم الضعف والعار والمرونة. ويستكشفون تجربة السود مع الشعور بالعار والمرونة التي عليهم التحلي بها والضعف المصاحب. إنهم يؤطرون القضايا من خلال مجموعة متنوعة من العدسات، بما في ذلك المرض العقلي، والذكورة، والدين، والإعاقة، والإدمان، والهوية الشاذة، والأوساط الأكاديمية، والحزن. والكتاب من تقديم وتجميع تارانا بورك ناشطة أميركية، وبرينيه براون، محاضرة ومؤلفة وناشطة.
هوامش:
(*) جيسون رينولدز (من مواليد 6 ديسمبر 1983) شاعر وروائي أمريكي، فاز بميدالية كارنجي. واختير رينولدز كسفير وطني لمكتبة الكونغرس لأدب الشباب في يناير 2020، وحصد العديد من الجوائز المقدرة.
(1) مارفين غاي: هو مغنٍّ أميركي وكاتب أغانٍ وموسيقي من أصول أفريقية، وقد سيطر لأكثر من عقدين على ساحة الغناء الأفريقي في أميركا.
(2) أريثا لويز فرانكلين: مغنية وكاتبة أغانٍ وممثلة وعازفة بيانو وناشطة حقوقية أميركية. بدأت فرانكلين حياتها المهنية عندما كانت طفلة بغناء الترانيم الإنجيلية في كنسية نيو بيثيل المعمدانية في ديترويت، ميتشيغان حيث عمل والدها س. إل. فرانكلين قسيسًا.
(3) في النص الأصلي slave quarters كبائن مطلية بالطين لمنع تيارات الهواء والأمطار وغالبًا ما تحتوي على مداخن خشبية خارجية مصنوعة من أعواد مغطاة بالطين، حجمان من الكبائن المستخدمة للرقيق، صغيرة مكونة من غرفة واحدة و «نوع مزدوج» أكبر لعائلتين، كانت معظم أماكن المعيشة سيئة البناء، ووصفها أحد المراقبين الذي زار ماونت فيرنون عام 1797 بأنها «بائسة». وأوضح الزائر: «دخلنا أحد أكواخ السود.. ينام الزوج والزوجة على منصة نقالة، والأطفال على الأرض؛ مدفأة سيئة للغاية، وبعض أدوات الطهي، ولكن في وسط هذا بعض الكؤوس وإبريق الشاي» تم هدم هذه الأحياء في نهاية المطاف في تسعينيات القرن التاسع عشر.
(4) U-Haul: هي شركة أميركية لتأجير الشاحنات والمقطورات والمخازن، ومقرها فينيكس، أريزونا.
(5) صامويل كوك، ويشتهر بالاسم الفني سام كوك هو مطرب أميركي تخصص في موسيقا الغوسبل وريذم أند بلوز والسول والبوب الشهيرة، وقد عمل شاعرًا غنائيًّا ومقاولاً. ويعتبر من رواد موسيقا السول ومؤسسيها.
0 تعليق