يصف الفوتوغرافي فادي قدسي علاقته بالكاميرا قائلًا: إنها صديقته المقربة التي اعتادت على الشعور بنبضات قلبه، والإنصات لرؤيته، فهما يخوضان معًا دروب الزمن وحالات الضوء، وهي شريكته التي يكتب اسمها على العمل بجانبه، حيث اسمه على الصورة، واسمها على الإعدادات. يقول: «أجمل أوقات السعادة عندي هي رحلة الفوتوغرافيا، وأجمل لحظاتها حين أضيء الأستوديو، وحين أقف أمام المبتدئين لتدريبهم على أساسيات التصوير، وبعض اللقطات تجعلني أنتشي وأقول لنفسي هذه اللقطة أسعدتني، وبالتأكيد أنتشى أكثر عندما يتوج عملي بجائزة أو يفوز بمشاركة في أحد المعارض المهمة».
لا يعرف فادي ما الذي دفعه للتخصص في مجال التصوير المعماري، لكنه يرى أن المبنى هو الذي يستفزه ليستخرج منه تفاصيل لا تخطر على البال، فالتصوير المعماري في تصوره هو «حالة خاصة بالمصور، حيث يمكنه أن يعيد صياغة العالم حسب رؤيته هو، فيقدم تصوره لهذا العالم من خلال علاقة النور والظل، أو إبراز تفاصيل غير ملحوظة، وكل ذلك يتوقف على المصور وما يتمتع به من ثقافة بصرية، سواء على المستوى العام أو الخاص؛ لذا لا بد أن يثقف المصور نفسه في شتى المجالات، ويمزج كل ذلك في عمله بحرفية، فالصورة هي اللحظة التي تُقتَنَص من الزمن لتخليد الوجود، وهي لا تلبث أن تصبح تاريخًا؛ لأن كل لقطة لها تاريخها الخاص، وكل زمن يختلف عن غيره، وبالتالي فلا توجد صورة شبيهة بأخرى، لأنك لا تنزل البحر مرتين».

حين يفكر في اختيار لقطة ما فإنه يقوم باستكشاف موضوع اللقطة، سواء كان معمارًا أو بورتريهًا أو عملًا تجريديًّا، باحثًا أولًا عن رُوحه، متخيلًا ما سيكون عليه المشهد في أثناء تصويره، سائلًا نفسه عن النتيجة، ومن ثم يضع لها الإعدادات المناسبة على الكاميرا. شارحًا أن التصوير الفوتوغرافي به كثير من التخصصات التي تختلف باختلاف العصر وإبداعاته، لكنّ هناك خطوطًا عريضة تتفرع منها مثل: البورتريه والمعماري والتصوير التجريدي والطبيعة الصامتة وغيرها، وعلى الرغم من أنه متخصص في العمارة التجريدية فإنه يمارس التصوير في الفروع الأخرى.
حصل فادي على جوائز عدة من بينها جائزة المركز الأول في معرض الفن الإسلامي عن صورة «القبة الضريحية للسلطان قلاوون»، وكرمته المسابقة الدولية APA عن صورة «دير الأنبا سمعان بالمقطم»، وحصل على المركز الأول بمسابقة ساقية الصاوي عام 2020م عن صورة «رقصة بحارة».
ما قبل الصورة وبعدها
سألته: لو أنك في محاضرة الآن، فما أبرز العناوين والمحطات التي ستتوقف أمامها؟ يبتسم فادي وكأنه فوجئ بالسؤال، ويشرد بذهنه قليلًا قبل أن يعود قائلًا: «بالتأكيد سأبدأ بالحديث عن تاريخ التصوير وتطوره، وأستعرض صورًا لمختلف أنواع التصوير، وأشرح كيف تطورت هذه الأنواع، فتلك محطة مهمة لا بد أن يعرفها أي مصور، وسأسعى لربط الماضي بالحاضر؛ لأن ذلك هو الأساس الذي سيشكل عليه المصور رؤيته الحالية والمستقبلية للصورة، التي سيعمل على تطويرها دائمًا فيما بعد».
يؤكد فادي في عمله أن التكوين الثقافي للمصور هو الذي يشكل رؤيته المسبقة للقطة، وبالتالي يأتي الناتج النهائي، فثقافة المصور هي كل ما يُعبّر عنه من خلال الصورة، فهي التي تجعله يفكر في الزاوية والرؤية والتفاصيل، وفيما سيستبعده من اللقطة وما سيركز عليه، وما الذي سيمزجه بغيره، وما العدسة التي سيستخدمها لأجله، ومن وجهة نظره أن المتلقي ليس ملزمًا بأن يكون على الوعي الثقافي نفسه للمصور، وفي أوقات كثيرة تكون الثقافة المغايرة مفيدة في إعادة التخيل وتشكيل الرؤية، وهو ما يعد مؤشرًا إيجابيًّا على أن العمل الفني قد وجد تفاعلًا حقيقيًّا مع المتلقي وثقافته وأفكاره المختلفة، فبعض يذهب لمشاهدة العمل الفني وينتج تفسيرات مختلفة للصور، من دون أن يعرف شيئًا عن التكنيك الخاص باتخاذ الصورة، ومن ثم فثقافة المتلقي تفيد المصور عند الاستماع إلى رأيه، وربما تفتح له أبوابًا جديدة لإبداع لقطات لم تكن في حسبانه، يقول: «إن الكاتب يكتب وينتهي دوره حسبما يقول الناقد الأدبي رولان بارت، ثم يبدأ دور المتلقي في إعادة التفسير وإنتاج الرؤى المختلفة، وذلك باختلاف المتلقي وتعدد خلفياته الثقافية».

احترف فادي التصوير في عام 2010م، ثم ما لبث أن أقام ورشًا لتعليم المصورين الجدد عام 2013م، حين سألته عن ذلك؛ قال: إن مسيرته مع التصوير بدأت مع بداية الألفية، وإنه درس وتابع خلال عشر سنوات كل ما يجري في عالم التصوير، وذلك قبل أن يقرر الاحتراف، حتى إنه عمل في أستوديو لتصوير ألبومات الأفراح، فتعلم فيه فن البورتريه، حيث رأى من خلاله تفاصيل آلاف الوجوه التي مرت عليه، وقدم لمساته المختلفة التي أسعدت كثيرين، فقد كان بعضهم يكره الكاميرا، وبعضهم كان يكره التصوير من الأساس، لكنه وضع لمساته التي أدهشتهم، حتى إنه صوّر طفلًا وهو يضحك، فأعجبت الصورة والده، فطلب تكبيرها ووضعها في برواز، هذه الصورة طبعها ووضعها في برواز أكثر من عشر مرات، فما من أحد في العائلة رآها إلا وطلب نسخة منها لوضعها في بيته.
يقول فادي: «ما لفت انتباهي للفوتوغرافيا عام 2002م كان صورتين لرالف جيبسون، كانتا بالأبيض والأسود، وكانت هذه هي البداية، وربما يعود ميلي للأبيض والأسود إلى رسمي بالقلم الرصاص في صغري، فقد قمت بتقليد بعض صور البورتريه بالرصاص، لكن في العموم طبيعة الموضوع هي التي تفرض علَيّ أن تكون بالأبيض والأسود أم بالألوان»، وعن مفهومه للفن التجريدي، يقول: «بالنسبة لي هو رؤية مغايرة وغير مألوفة للعين، وربما تكون مستخلصة من شيء أو موضوع قائم بالفعل، وربما أقوم بتخليقه أو صنعه بنفسي لتجسيد الفكرة».
معمار الضوء
عمل فادي قدسي على مشروعات عدة منذ أن وقع في غرام التصوير الفوتوغرافي، كان أهمها من وجهة نظره معرضه الخاص الأول في أكتوبر 2020م Archi light، وقامت فكرته على علاقة الضوء بالمعمار وتفاصيله، وكيف يمكن للضوء أن يعيد صياغة رؤية الشكل باختلاف زوايا سقوطه، ومؤخرًا عمل على مشروع قصير أسماه «أنماط مكسورة»، وهو عن رمال الصحراء والخطوط التي تصنعها الرياح على وجهها، وكيف تُكسَر الأنماط بمرور الأقدام عليها، وهناك مشروع آخر يُنشَر على وسم بعنوان: #they_are_coming، وهو عبارة عن رؤية جديدة لتماثيل ومنحوتات المتحف المصري بميدان التحرير.
0 تعليق