قاعة فسيحة باذخة المظهر، غمرها ضوء ساحب كأنه يستعجل الليل، تناثر في مداها «نقّاد» عرب جمعتهم ندوة عن المنفى، تقدموا باجتهادات مختلفة، لساعات أربع، واستحقوا الاستراحة. طالعني الصديق الدكتور كمال أبو ديب ضاحكًا بسؤال مشروع: توقّعنا منك توصيفًا للمنفى الفلسطيني، وخرجت...
سيرة ذاتية
الطريق الطويل إلى فعل: كتَب
قال لي بنبرة مغتبطة ناصحة: إن الكتابة فن رفيع يحتاج إلى موهبة، وكبت ابتسامة تعد بكلام لاحق: يلزمك ويلزمنا جميعًا تفجير اللغة، ابتكار لغة خالصة متحررة من القواميس. كان شاعرًا بلا قصائد، وناقدًا أدبيًّا بلا نصوص، كوني الثقافة، ولا يعرف إلا لغة عربية منقوصة. وختم كلامه...
جمال الغيطاني الروائي المفتون بدلالات الأهرام
كان في هيئته شيء من الغموض، وجه مصريّ السمرة لا يحيل على المدينة، تسكنه كآبة وابتسامة دافئة، ومظهر متقشّف تقوده مشية متباطئة وقلب كثير الأسرار. وكانت رواياته مرآة لهذا الغموض المجتهد الباحث عن لغة مريحة. أفصحت عن روحه روايته الشهيرة «الزيني بركات»، التي وصفت أقفاصًا...
عز الدين المناصرة.. لا يحسن الانصياع وقصيدته خضراء
كان للشاعر، في صبانا، هالة توطّدها الصحف، وللصحف هالتها أيضًا، تتسع إن كانت قاهرية صادرة عن «وادي النيل». وهالة الشاعر عندنا، نحن الشباب آنذاك، تزداد إن كان فلسطينيًّا ينظم «مآسينا» شعرًا، ورائدًا لا يكذب أهله. وكان عز الدين المناصرة شاعرًا «منّا» اعترف به المصريون،...
محمد ملص.. أحلام الفنان الشامل
تعرّفتُ إلى المخرج السينمائي السوري محمد ملص قبل خمسين عامًا، وما يزيد بقليل. ستينيات القرن الماضي، كما يقال، في أواخرها، في العام الذاهب من 1967م إلى ما بعده، وما تلاه من سنوات لاحقة، لا تزال تتنفس إلى اليوم، مع لهاث لا بدّ منه، فالعمر المتراكم يصاحب التعب. تبدو هذه...
أصوات أطياف قريبة قضايا وشهادات بكتاب
صدف سعيدة هي تلك التي تعطي الإنسان أصدقاء يعلمونه بسلوكهم، يحاورهم في الوقت المتاح، يقتربون ويبتعدون ويستقرون، بعد رحيلهم، في الذاكرة. جاءت صدفتي من لقاء طويل مع الروائي عبدالرحمن منيف والمسرحي سعد الله ونوس. أنجب اللقاء صداقة ممتدة، وطدها تعاون ثقافي عنوانه: «قضايا...
إحسان عباس: إنسان من معرفة وبصيرة ومحبة
ارتبطت صور الراحل د. إحسان عبّاس بذاكرتي بمناسبات ثلاث: زيارتي الأولى منزله، القريب من حديقة الصنايع في بيروت عام 1978م. كان الجو ربيعًا. وحضوره الأنيس في لجنة تحكيم جائزة القاهرة للرواية العربية عام 2002م. كان الجو خريفًا والراحل رئيسًا. وصورته في شرفة منزله في عمّان...
الفيلسوف الغريب: بريق الشهرة وسخرية الأقدار
الشاب اللبناني الريفي، المنتمي إلى طلاب باريس الثائرين -1968م- شخصية تحتفي بها الذاكرة بترحاب كبير. كان يعد أطروحة دكتوراه عن «ثورة جبل عامل في لبنان القرن التاسع عشر»، يمتدج الثورات في جميع الأزمنة، وينظر إلى المتحلّقين حوله شاعرًا بالرضى. يأتي مساء إلى مقهى «المدينة...
سجالات متقادمة كأنها ذكريات
تنتمي السجالات التالية إلى عقود أخيرة من القرن الماضي، انطوت على سلب مثابر أغلق المستقبل. لحق التغيير بالزمن والمكان والمستقبل قبل وصوله. فلم تبق ملامح دمشق على ما كانت عليه، وشكل بيروت انزاح عمّا كان. تبدو تلك السجالات أطيافًا راحلة، تشبه قبورًا جرفها سيل عنيد....
حين كنا نطوف في باريس قبل أن نصل إليها
كيف نمت فينا أسطورة مدينة درس فيها أساتذتنا الجامعيون، وعاش في إحدى كنائسها إنسان شائه الخلق وصفه فيكتور هوغو في روايته «أحدب نوتردام»؟ كيف تجوّلنا في شوارعها قبل أن نزورها، وأنصتنا إلى محاضرات جامعتها الشهيرة ونحن طلاب في جامعة صغيرة بعيدة؟ أجاءت أخيلتنا من شهرة...
أرواح فلسطينية في مهب الريح
ما تاريخ الفقراء إلّا حكايات تسرد معيشهم، وما معيشهم إلا انتظار يخالطه الأمل. بيد أن للاجئ الفلسطيني المحاصر في مخيم حكاية أخرى، تشير إلى نقص وغربة. يبلغ الفرق ذروته حين يفاجأ المخيم بمجزرة تحسم وجوده، حال مخيم تل الزعتر، الذي حوصر ستة أشهر، ودافع عن نفسه إلى أن سقط...
حلم عابر ومثقفون عابرون
«مدينة أقرب إلى الحلم، لا سلطة تراقب الناس، ولا مخبرون يحفرون في قلوب البشر، ضيقة واسعة، ومحاصرة مفتوحة». كلمات قالها الروائي غالب هلسا، ونحن نمشي في زقاق، قطعت عنه الكهرباء، في مدينة بيروت. كانت الحرب التي عطّلت السلطة لا تزال قائمة، وغالب قادمًا من بغداد التي رُحِّل...