
مارتن هايدغر يصحو من نومه
عيناهُ تؤلمانه حدّ الدوار من فرط التركيز على سطوح الشاشات. يترك كلَّ شيءٍ مُصغيًا إلى الموسيقا المنبعثة من شاشةٍ مُطفأَةٍ وكأنما بحر الظلمات أمامه لكن الموسيقا المتدفقة تخفف من وحشته المترامية الأطراف من غير حدود.
محدقًا في فضاء النافذة واللاشيء بعد رحلةٍ من الهواجس والارتدادات الزلزالية لبارحة الأرق والسهاد، يلحظُ قطةً مشبوحةً على إفريز النافذة ذاهبةً في أقاصي النوم كالموتى، بعد أن تسرب إليها نسيمٌ من هواء المكيفات، كما تفعل الطيور اللاجئة من جبروت الظهيرة.
يبدو أنها جريحة ومنظرها أشعثُ متداعٍ، قطة بروليتارية وبروليتارية رثّة أيضًا لا تمتُّ بِصِلةٍ إلى القطط المترفة الأليفة في البيوت… لأيام ظلت هذه القطة هكذا، حين يأتي كل صباحٍ يراها على هذه الحال… ربما تتدبر معيشها أثناء الليل وفي الفجر تأوي إلى بيت العراء في حواف النافذة ربما جرحها الغائر جرّاء عراكٍ ليليٍّ في مزابل الحي سيشفى ذات صباح وتنطلق بحياتها القصيرة في فضائها المعتاد.
* * *
إنه ميلادُ كونٍ بغاباته وبحاره، بزواحفه وجباله وحيواناته، وليس بِبَشَرِهِ؛ لأن هذه المشاهَدة التي يرويها طائرٌ مهاجرٌ حطّ للاستراحة على هذه الشرفة وكأنما خارج الزمان وقبل ميلاد البشر على هذه الأرض بقرون وسنين ضوئية، ليرى اليمامة في العش وقد فقست بيوضها وهي الآن مع صغارها، صغار الملائكة المرفرفة على حقول النعيم رغم درجات الحرارة والرطوبة المرتفعة… بعد أن كركتْ عليها في العش، منزلها المؤقت وكأنما في رحم الأبدية، ظلت تلك الفترة من الزمن تحمي البيوض مع شريكها الذكر من عاديات الزمن والحشرات السامة والطيور المفترسة مثل الغراب الآسيوي أو طائر المينا الذي يتكاثر في المكان على حساب افتراس بيوض الطيور الأخرى بما فيها الغراب الأسود السحيق، معلم البشرية، ابن البيئة وكل البيئات والأجواء والتضاريس. ها هي الآن تحمي الصغار والشريك العاشق للأم والأفراخ الذين يتقافزون على حافة العش الذي بنياه بحبٍّ وجمالٍ خارقين يفوقان توصيف الأدب، وبلاغة أدواته، ومحسنات بديع حقوله الخيالية اللامحدودةِ بقانونٍ أو سياجٍ.
* * *
وصفَ بعضُهم الانفصال الحاصل بين الطبيعة والإنسان في العودة الموسمية إذا حصلت إليها بذلك الانفصال الحاد الذي يُطوِّح بالمغترِب سنين طويلة عن مسقط رأسه أو مكان الولادة والطفولة الأولى.
أتذكرُ أنني حين عدتُ بعد عقدين إلى المكان ذاته كتبتُ حينذاك أسطرًا وشذراتٍ حول إحساس العودة، هذا الذي يشبه الصدمة على ما فيها من ارتطامٍ وعذوبةٍ غامضة تسري في الحنايا والقلوب… في هذا اليوم وأنا ذاهبٌ إليه لا أفعلُ إلا تكريس بعض الحِيَل بالمكر البريء والهروب من وقائع الحياة والموت، وتلك التفاصيل التي تجعل النوم أرَقًا متواصلًا من غير هجعة وراحة، نهرب قدر الإمكان في ثرثرة حول مواضيع وأحداث خارجية ندفن فيها رأسنا هروبًا من المواجهة بالتحديق في مرآة الزمن والصيرورة، أو استلال وقائع وشخصيات من ماضي القرية أو راهنها تميل إلى
الدعابة والمرح.

مارتن هايدغر
أما العودة إلى الطبيعة ضمن شروط الحياة الراهنة وانقطاعاتها الفظة فهي رؤية صارت شبه نمطية لكنها صالحة وموفقة في مجازها أي العودة إلى رحمِ الأمومة الرؤوم الذي فُصلنا عنه عنوةً وقسرًا وانسحاقًا أمام هيمنة الوهم والسراب.
وحسب (ماركيز) «لن تجد دجاجات نيئة إلا في الريف» أما خارجه فكل شيء مشوي ومطبوخ ومقلي، البشر والطيور والحيوانات، خارج (تلك الهمجية الجميلة والحزينة) وفق ماركيز نفسه، هذا لا يعني تغيُّرَ نسق القِيَم التي اكتسحتها العولمةُ في نسختها العربية الأكثر زيفًا بقدر ما يعني حضور الطبيعة وجمالية المكان وإغواء الذاكرة. ورغم الخوف من شراسة هجوم الماضي وتصرّم الأيام الذي يؤدي إلى حتمية القدر الصارمة (إلى حيث سار الأوّلون نسيرُ) حسب أبي مسلم البهلاني.
لكن كيف نمضغ شظايا حطام السنين ونستمتع أو نتظاهر بالمتعة؟
عليك أن تسكن الوهمَ وصفرة المغيب وتذوب معهما؛ كي تستطيع الاستمرار فيما تبقى.
سلامًا في (سرور) على ذلك البلبل الذي كنا نسميه (البابو) وهو يؤنس نهارنا بين أشجارِ النخيل والأفلاج بالنغم والنداء الأخّاذ، مُبَشِّرًا بمقدم ضيفٍ أو رسالة دعوةٍ وغزلٍ إلى أنثاه.
* * *
أطلُّ على شرفة البحر واليمام والغابة. (رغم انعدامِ عشبةٍ أو احتمال شجرةٍ في المدى المقفر المرئي)، بعد أيامٍ من الغياب عنها بسبب انشغالات لا أتذكرها، أرى اليمامة تتنزه مع فرخها وقد كبر سريعًا، يتنزهان في شرفة النجوم بالغبطة الفائضة على الكون والفرح المنتشي بأُنسِ الحياة الجديدة والأمل وإن كان قصيرًا وعابرًا. وفكرتُ في شريك الحياة والمصير، أنه ذاهبٌ مع الفرخ الثاني ليجلب ما توفر من نِعَم العيش المتاحة والرزق إلى العائلة وقد التأم شملها وتجاوزت قلقَ الأجنَّة، الولادةِ والنموِّ البدئي لتبدأ دورةَ حياةٍ جديدةٍ في عمر السلالة البعيد.
* * *
ليس مثل العصافير مَن يؤنسكِ يا عزلة الأعالي والحروب، ليس مثل اليمام والقطا والمياه، فهذه الأرواح السامية منذ القدم لا تحوم في الفضاء بانتظار الجثث التي جندلها الاقتتال والأزمات وتحولت إلى جيفٍ، مأدبةٍ شهيةٍ لسباع الحيوانات والبشر.
تلك أرواحٌ مرهفةٌ تبكي مثلما تبكي عائلات البشر في فقدها الأحبابَ الذين غيّبتهم أقدارٌ لا مَرَدَّ لأعاصيرها العاتية.
* * *
الصديقُ العريق في الذاكرة والوجدان، مع زوجته ومن ثم الأولاد أي العائلة، هذا الصديق الذي ينتمي للبدايات ضمن تلك الوجوه التي لا ينضب نورُها وكرمُها والتي عبث المنون بالكثير منها، صحبنا بعضنا منذ مطلع العقد الثامن من القرن المنصرم حيث كنا ننشر كتاباتنا شعرًا ونثرًا في الصحف والمجلات ومن ثم ضمن كتب مفردة. كانت الأحلام الغزيرة على صُعُدٍ شتى وحيوية المشاركة الجماعية في الندوات والنقاشات في أكثر من بلدٍ ومكان. كانت الجياد جامحة في براري المخيلة واللغة وأوهام التغيير السعيدة أو أحلامه.
هذا الصديق الذي يقيم في بلاد الاغتراب وفق التعبير المتداول صار كلما يُدعى راهنًا إلى ندوة شعرية يرفض ويكتفي بالمشاركة أحيانًا قليلة جدًّا في ندوات نقاشية جدلية إن لم أقل نقدية حول الشعر والثقافة عامةً، إزاءَ ذلك الجموح المِنبري صار يحمل جفاءً وما يشبه المقتَ في اعتلاء منصة أو منبر لإلقاء شعره أو ما يشبه (الفوبيا) هو الأكثر ثقةً بنفسه فيما مضى، حين تجبره ظروفٌ ما على هذه المنبرية كأنما يقاد إلى المقصلة. رغم أنه يتحدر من أصلٍ فلسطيني والمنبر لصيق شعر القضية النبيلة التصاقًا عضويًّا منذ بداياتها. لكن الزمان وحده من يتكفل بتغيير أمزجة الأفراد وسلوكياتهم. بطبيعة الحال نفوره من الحشد هذا لم يجعله يتخلى عن خياراته الشعرية الثقافية والجمالية بل زاده عمقًا في الارتباط والتوحد بالأدب والمعرفة ككينونةٍ روحيةٍ وملاذٍ أخير على نسبيته، من وحشية العالم وفظاعته.
هذا الصديق أمدّ الله في عمره هو من تبقى من تلك الصداقات التي هي بمنزلة هِبات ربانية يمنّ بها سخاءُ الصدفة في مراحل ومفارق من هذا العمر الآخذ في النفاد. صار كلما يُدعى إلى ندوة يتصل بالقلة القليلة من أصدقائه أنا واحدٌ منهم، ويخضعنا فيما يشبه التحقيق البوليسي لكن بدل العنف تحل الطرافة والحميمية: من قبيل من راح يذهب إلى هذه الندوة أو المعرض والمهرجان؟ ومن هي الأسماء، ومن أي البلاد، كونه لم يطّلع على برنامج أو بيان حول تفاصيل المشاركة. وحين أعاتبه قائلًا: إنك تضيع وقتًا وجهدًا يا صديقي فلتذهب لتغيير الجو والمكان الواحد الملبد بالصقيع أو الحرارة القاسية. يجيبني، لا لم نعد مثل زمان نتحمل الثقلاء والمجاملات وذلك التفاصح الجاهل، طاقتنا العصبية استنزفتْها السنون والأحداث فصار الاختيار والانتقاء ضرورة وليس ترفًا، واستطرد في الشرح والقول بالتفصيل غير المملّ كون الحديث مع صديق قديم فرصة ذهبية، متذكرًا بيتَ شعرٍ قديم فيه من الطرافة عن الثقلاء في الحياة والتاريخ. واستطرد من أكثر ثقلًا من أولئك الأدعياء الطفيليين على الأدب، أو أولئك المهووسين بذواتهم العبقرية ويتصورونها مركز الأدب والإبداعات في التاريخ ومركز الكون حتى قبل أن يولدوا كانت طلائع المعجزة التي سيكونونها موجودة قبلًا؟
* * *
يسرد الطفل على مسامع الأب منذ الصباح الباكر حكايةً ويكرر ويعيد، هي أو تنويعاتها حيث يُظهر الأب الموافقةَ محركًا رأسه باللامبالاة، وحين يستمر الطفل في لَهْوهِ السردي يمتلئُ الأب أو أي شخص آخر، لكن الأب والأم هما الأكثر تماسًّا مأساويًّا مع هذه الواقعة يمتلئ غيظًا مكتومًا حتى ينفجر آمرًا الطفل أو الولد بالتوقف والصمت… وفي الزمان الذي كنا فيه كانت فيه طيور حقيقية نوارس وعصافير يتكرر مشهد التنكيل لنوارس مهيضة الجناح قذفها الموج عن تعبٍ وإعياءٍ إلى الحافة والساحل حيث يحصل الصِّبْيَةُ القادمون من المدرسة المجاورة على وليمتهم المثالية من الضحية التي يأخذون في تعذيبها رواحًا ومجيئًا، بالأيدي والعصيّ والأقلام وسط صراخ الفرح والغبطة الجنونية العالية. يسيل لعابهم وهم يمارسون هواية الجَلد والتفنن بالتعذيب لكائنات جريحة لا تستطيع الدفاع ولا الهروب، وكذلك يفعلون بعصافير الدوري في بساتين البلدة والطيور الأخرى المهاجرة على الأغلب حين تخذلها المسافة والجسد المثخن، وتسقط على حافة الوادي أو في ضواحي النخيل المزهر. كيف تتحول البراءة وأصحابها الموصوفون إلى جلادي سجونٍ وجَلَاوِزة
إيلامٍ وتنكيل؟!
* * *
يمامة البراري التي ما زالت حرة، أختلس النظر إليها من بين الستائر التي بلون ريشها المبارك تبني العش مع شريكها الذي يُحلِّق في الجوار ليعود كل هنيهةٍ بشوق ينحلّ عطرًا عشبيًّا في الفضاء المحتقن، إلى جنة العش التي تلخص كونًا من الحنان والسلام الروحي، من الكفاح الضاري الذي يخوضه قرينا الحب والعزلة الضارب في تاريخ الأسلاف الممتد في الزمان إلى طوفان نوح، يواصلان إرادة السلالة في التناسل والعيش بعيدًا عن أعين الصِّبية الأشقياء والقناصين. في هذه الشرفة المعفَّرة بغبار الصيف الحارق حتى يحين موعد الولادة، النشوءِ والطيران. أي سخاءٍ للصدفة منحني هذه الأبدية العابرة وسط دكنة غيمِ الرطوبة وهدير المكيفات؟!
* * *
(مارتن هايدغر) يصحو من نومه في الصباح الباكر بالغابة السوداء، متأملًا فضاءات الإرادة والرغبة والمقدرة كما يتأمل الغيوم التي أمطرت ليلًا وجذور الأشجار الملتفة حول مراكزها الغامضة، والتّرّهات أو الدروب الملتوية في مجاهل الغابة والكون والتي لا تفضي إلى شيء، نقطة، مَعْلم أو هدف.
(عدم) الوجود في أقصى سطوعه الأرضي والسمائي المتعالي.