مقالات   |   دراسات   |   قضايا   |   سيرة ذاتية   |   إعلامتحقيقات   |   ثقافات   | تراث   |   تاريخ   |   بورتريه   |   فضاءات   |   فنون   |   كاريكاتير   |   كتب   |   نصوص   |   مدن   |   رسائل

حاز جائزة الملك فيصل في العلوم سوميو إيجيما: عندما تكون مستعدًّا لاحتضان المجهول، يحدث السحر الحقيقي

حاز جائزة الملك فيصل في العلوم

سوميو إيجيما: عندما تكون مستعدًّا لاحتضان المجهول، يحدث السحر الحقيقي

محض مصادفة

كان اكتشاف أنابيب الكربون في حد ذاته محض مصادفة، لكن المسار الذي أدى إليه لم يكن كذلك. كما تعرف، أجريت أبحاثًا لسنوات طويلة وسعيت لتطوير تقنيات مرتبطة بالمجهر الإلكتروني النافذ عالي الدقة، سواء على مستوى الأجهزة أو البرمجيات. في الواقع، بدأت العمل في هذا المجال منذ سبعينيات القرن الماضي حيث ركزت على تطوير تقنيات لهذه المجاهر فائقة القوة. وبحلول أوائل الثمانينيات، أصبحت هذه التكنولوجيا جاهزة للتطبيق إلى حد كبير؛ لذلك شهدت حقبة الثمانينيات استغلال هذه التكنولوجيا المتقدمة في استخدامات عملية لاكتشاف تركيبات جديدة ودقيقة للغاية في العالم المجهري. في النهاية، إن الهدف الأساسي من استخدام المجهر هو رؤية الكائنات متناهية الصغر. وبالتالي، ومع توافر التكنولوجيا اللازمة، كانت الثمانينيات مرحلة حماسية بالنسبة للعلماء، حيث سعوا لاكتشاف ظواهر وكائنات جديدة باستخدام المجاهر المتطورة. في الحقيقة، المجهر الإلكتروني النافذ عالي الدقة هو ما جعل دراسة الأجسام على مقياس النانومتر ممكنة لأول مرة.

تقنية تفريغ القوس

في الثمانينيات، أثناء دراستي لمجموعة من تجمعات الكربون، لاحظت بعض الهياكل الأسطوانية الغريبة. في البداية، اعتقدت أنها مجرد عيوب أو شوائب. لكن مع استمرار التحقيق، اتضح أنها أنابيب نانوية كربونية -صفائح من الجرافين ملتفة على شكل أسطواني. تحقق هذا الاكتشاف نتيجة لاستخدام تقنية تفريغ القوس التي استعنت بها لدراسة مركبات الكربون مثل C60.

اكتشاف ثوري

فحصت الرواسب الموجودة على الأقطاب الكهربائية -وتحت المجهر، رأيت أنابيب الكربون النانوية. لم أر شيئًا مشابهًا من قبل. هذه الأنابيب الصغيرة كانت قوية بشكل مذهل وخفيفة جدًّا في الوقت نفسه. هذا الاكتشاف فتح أمامي مجالًا جديدًا تمامًا من الاحتمالات. كنت مذهولًا بما كنت أراه؛ لأن الإمكانيات التطبيقية المحتملة لاستخدام هذه الأنابيب النانوية لا حصر لها، بدءًا من استخدامها لتطوير مواد أقوى وأخف وزنًا، وصولًا إلى استخدامها في تحسين كفاءة أنظمة الطاقة، واتضح أنني صادفت اكتشافًا ثوريًّا.

شيئًا من الإهانة

المثير للدهشة أن ردود أفعال العلماء في اليابان كانت مختلفة تمامًا عن ردود أفعال العلماء الأجانب. المشكلة كانت أن العلماء اليابانيين كانوا مترددين في قبول أهميتها، هل تصدق ذلك؟ كان السبب في ذلك أن الجميع هنا كانوا مهتمين فقط بـ C60 وتحقيق الموصلية الفائقة عند درجات الحرارة العالية؛ لذا عندما ظهر شيء يشبه الأنبوب أو الشعرة، لم يهتم به أحد تقريبًا. حدث ذلك بالفعل حتى في مجموعتي البحثية! لم يكن هناك أي اهتمام تقريبًا بالأنابيب النانوية في اليابان على الإطلاق – وكان هذا مفاجئًا لي تمامًا. شعرت بشيء من الإهانة، معتقدًا، «هذه الأنابيب النانوية مثيرة للغاية. لماذا لا يهتم بها أحد؟»

أهمية المصادفة

المصطلح الوحيد المناسب هو «المصادفة». عندما أفكر في هذا الأمر أجد أن العديد من الاكتشافات الكبرى في مجال العلوم حدثت بالمصادفة. كأن الكون لديه طريقة لإظهار الحقيقة عندما لا تتوقعها. في رأيي، تحدث الاكتشافات العظيمة غالبًا عن طريق المصادفة. وما يجعل هذا الأمر مثيرًا للغاية هو عنصر المفاجأة وعدم القدرة على التنبؤ بنتائج الأبحاث العلمية. لا يتعلق الأمر فقط باتباع المنهج العلمي، لكنه يعني أن تكون منفتحًا على ما هو غير متوقع وأن تمتلك الفضول لاستكشاف ما يبدو غير مهم. هكذا تحدث الاكتشافات الحقيقية. عندما تكون مستعدًّا لاحتضان المجهول، يحدث السحر الحقيقي.

مجرد حلم بعيد

عندما أفكر في الأمر، لا أستطيع أن أقول: إنني ساهمت كثيرًا في مفهوم الموصلية الفائقة. بصراحة، شعرت بخيبة أمل كبيرة لعدم تقديم أي مساهمة كبيرة. بدا الأمر وكأنه مجرد حلم بعيد ولم يكن أكثر من ذلك. كنت آمل أن أكتشف يومًا ما جزيئًا صغيرًا جدًّا يكون أساسيًّا للموصلية الفائقة، لكن هذا لم يحدث. وكما تعلم، عندما لا تعرف ما الذي تبحث عنه، يمكنك أن تهدر الكثير من الوقت والطاقة… ثم تنظر إلى الوراء وتقول: «ماذا حققت في كل تلك السنوات»؟

كيف يمكن تطوير عين لما هو مهم؟

الأمر الأهم من كل ما سبق هو الحَفْز والحماس. طالما أن الباحث متحفز للغاية، يجب تشجيعه أو تشجيعها على الاستمرار في البحث. أما الباحثون الصغار، فيجب أولًا مراعاة إمكانياتهم، وبخاصة في المجال التجريبي. غالبًا ما يواجهون صعوبة؛ لأنهم يرون أشياء كثيرة. الكثير من الأشياء، أشياء كثيرة جدًّا… ليس كل ما يلمع ذهبًا! يحتاج الباحثون الصغار إلى تعلم التمييز بين ما هو مهم وما ليس كذلك. وكيف يمكن تطوير عين لما هو مهم؟ إحدى الطرائق هي تطوير القدرة على ملاحظة الأشياء من حولنا في الطبيعة، ودراسة ما هو موجود هناك… لتعلم متعة الاكتشاف.

الخيال أهم من المعرفة

هناك كنز في كل مكان، سواء كان بعيدًا منك أو بجانبك أو حتى أمامك مباشرة. السؤال الرئيسي هو في أي اتجاه يجب أن تنظر. هل هذا حدس؟ حسنًا، لا يمكنك ببساطة الانحناء ومحاولة النظر في كل مكان. قال باستور، على ما أعتقد: «للعثور على شيء مهم، يجب أن يكون لديك قلب مستعد لرعاية هذا الاكتشاف». وقال أينشتاين: «الخيال أهم من المعرفة». أعتقد أن هذه أقوال تستحق التفكير. الإبداع والخيال عنصران مهمان للغاية في العلوم. يعتمد مستقبل العلوم والتكنولوجيا في اليابان على مدى حرصنا على تنمية هذه الصفات.»

*

المصادفة ليست مجرد حظ، إنها مكافأة لأولئك الذين يعملون بجد ويحافظون على عيونهم مفتوحة للفرص غير المتوقعة.

*

كان أستاذي يقول لي دائمًا: إن التصرف بعدوانية والتحفز في البحث ليس بالضرورة شيئًا جيدًا، نحن العلماء ندرس العلم المادي لكن يجب أن نقترب من الظواهر الطبيعية بتواضع، على أمل أن نحظى بلمحة صغيرة من حقيقة عالمنا المادي؛ لأن موضوع دراستنا هو الطبيعة الأم نفسها.

*

إن تعلم التمييز بين الأمور يشبه الرجل في متجر التحف، الذي يمكنه الحكم على ما إذا كانت القطعة الفنية حقيقية أو مزيفة.


المصدر: مقتطفات من مقابلة مع سوميو إيجيما منشورة في JSAP الدولية.

https://www.jsap.or.jp/jsapi/Pdf/Number03/Interview.pdf

حاز‭ ‬جائزة‭ ‬الملك‭ ‬فيصل‭ ‬في‭ ‬الطب ميشيل‭ ‬سادلين‭: ‬البحث‭ ‬العلمي وسيلة‭ ‬لاستكشاف أماكن لم يصل إليها أحد من قبل

حاز‭ ‬جائزة‭ ‬الملك‭ ‬فيصل‭ ‬في‭ ‬الطب

ميشيل‭ ‬سادلين‭: ‬البحث‭ ‬العلمي وسيلة‭ ‬لاستكشاف أماكن لم يصل إليها أحد من قبل

شغف مبكر

في المدرسة الثانوية، أحببت كل شيء، سواء كانت اللغات أو التاريخ أو الفلسفة أو العلوم – عشقتها جميعًا. لكنني ذهبت إلى مدرسة في فرنسا حيث كان يتعين على الطلاب اختيار تخصصات في الصفوف العاشر والحادي عشر والثاني عشر. أما الآن، أعتقد أن التخصص أصبح مقتصرًا على الصفين الحادي عشر والثاني عشر؛ لأن المدارس أدركت أن التخصص المبكر ليس عدلًا؛ فمعظم الطلاب لا يعرفون ما يريدون القيام به في حياتهم بعد. ولكن في زمني، كان عليك أن تختار؛ لذا اخترت قسم الرياضيات. ربما كنت سأكون في قسم العلوم في مدرسة برونكس. كان هناك قسم آخر مخصص لعلم الأحياء، لكنني كنت أحب استكشاف كل شيء ولم أرغب في التقيد بموضوع واحد. كانت الفلسفة واحدة من المجالات التي أحببتها أكثر، ليس فقط لأنك تدرس الكُتَّاب الكلاسيكيين، بل لأنك تستخدم المنطق أيضًا.

عندما أنهيت المدرسة الثانوية، أردت أن أتعرف أكثر إلى كيفية عمل عقولنا. وبهذه الطريقة الغريبة وغير المتعمدة بدأت أهتم بالطب. اعتقدت أنه سيكون مهنة رائعة لأنه من المفترض أن تساعد الناس وتفعل الخير؛ لذا التحقت بكلية الطب. في البداية، اعتقدت أنني سأتخصص في علم الأعصاب، ولكن بعد ذلك، حدثت أمور أخرى، أصبحت مهتمًّا بشيء لم أكن أعرف أنه موجود في المدرسة الثانوية، وهو علم المناعة. أعتقد أن ما جذبني إليه هو تعقيده. بالطبع، كل مجالات علم الأحياء معقدة، لكن علم المناعة بدا لي مجالًا مليئًا بالمفاهيم المثيرة والجامحة. وهكذا، تحولت خطتي من استكشاف العقل البشري إلى الجسم البشري، وانتهت بي إلى علم المناعة.

ابتكار طب الغد

إنه قرار صعب للغاية وسؤال يؤرق الكثير من الأشخاص الحاصلين على درجات طبية. بالنسبة للبعض، يكون الأمر بسيطًا. هناك اعتقاد شائع خاطئ بأنك إذا حصلت على شهادة طبية، فهذا يعني أنك ستعمل مع المرضى. ولكن في بعض الأحيان، ينحرف الأطباء مثلي عن المسار التقليدي ليقوموا بشيء مختلف. أنا أحب العمل مع المرضى، لكن الطب نفسه هو الذي أصبح شغفي الحقيقي. بالنسبة لي، الطبيب يقدم طب اليوم، أما وظيفتي فهي ابتكار طب الغد.

أماكن لم يصل إليها أحد من قبل

مكافحة الأمراض تهدف إلى تحسين صحة البشرية، وبالنسبة لي، لا يوجد شيء أكثر إلهامًا من ذلك. أما البحث العلمي، فهو وسيلة لاستكشاف أماكن لم يصل إليها أحد من قبل. سواء كان ذلك نيل آرمسترونغ الذي استكشف القمر أو كريستوفر كولومبوس الذي أبحر إلى أميركا الشمالية، فكلها مغامرات اكتشاف. أعتقد أن البحث العلمي واحد من أكثر الأمور إثارة. فكرت أنه يمكن لشخص ما أن يطبق مبادئ وتقنيات جديدة لعلاج مرض لم يكن من الممكن علاجه من قبل، وفكرت أن هذا الشخص يمكن أن أكون أنا.

جلد سميك وعقل قوي

تحتاج إلى جلد سميك وعقل قوي لتكون باحثًا. البحث العلمي يتعلق بالمحاولة والفشل، إن كان الأمر سهلًا، فهذا يعني أن هناك شخصًا آخرَ فعله من قبل. إذا كنت تتعامل مع المجهول، فستجرب أشياء وستفشل. قد يكون عدم تحقيق النتائج المرجوة أمرًا غير متوقع، ولكن إذا تعلمت شيئًا جديدًا، فهل يُعد ذلك حقًّا فشلًا؟ لتجري بحثًا ستحتاج إلى الطريقة الصحيحة، والمنهج الصحيح، والموقف الصحيح. لم يقم أحد من قبل بتعديل وهندسة الخلايا التائية. كان لدي زملاء يقولون لي: «إنها فكرة ذكية، ولكنك تضيع وقتك». كان عليّ أن أفكر مرتين ربما يكونون على حق، ربما كان تعديل الخلايا التائية هو المسار الخطأ للمضي فيه. إنه أمر صعب عندما يقول لك أذكى الناس من حولك: إن فكرتك معقدة للغاية ولن تنجح أبدًا. من الصعب تجنيد الناس لبناء فريق، ومن الصعب العثور على المال. ولكن بطريقة أو بأخرى، يجب عليك إقناع الناس بأن تجربتك تستحق أموالهم – يجب عليك التغلب على العوائق والشكوك. التحديات تأتي بأشكال متعددة.

ولكن ما يميزني كباحث هو إيماني بفكرتي. وبلا شك، أثبت نجاحها.

موضوعان مذهلان للعمل عليهما طوال الحياة

إن علمي الأحياء والطب موضوعان مذهلان للعمل عليهما طوال الحياة. يبدأ كل شيء بالتعليم؛ لأن الأساسيات هي المفتاح. علم الأحياء يشبه تعلم لغة جديدة. إذا درست اليابانية، ستجد الكثير من الحروف التي عليك حفظها في البداية، ومن ثم ستحتاج لتركيب الأجزاء معًا. ومع مرور الوقت، يصبح الأمر أكثر تشويقًا؛ لذا لا ينبغي أن يفقد أحد حماسه. علم الأحياء والبحث العلمي ليسا مجرد مصطلحات وإحصائيات، بل هناك الكثير من التفكير الإبداعي والتحديات في الطريق. الأدوات أيضًا تتحسن باستمرار وتصبح أكثر تطورًا. سواء كانت مجاهر أو ذكاء اصطناعي، هناك الكثير من الأمور المدهشة وغير المتوقعة ستصبح ممكنة في السنوات القادمة. إنه اتجاه مثير، ولكنك في حاجة إلى تلك الأساسيات. بمجرد أن تبني قاعدة معرفية، يمكنك الإجابة عن الأسئلة التي لم يتمكن أحد من الإجابة عنها من قبل. ويجب ألا تخاف من المخاطرة. سواء كنت تعمل في مجال الطب أو صناعة الأدوية أو البحث العلمي أو حتى استكشاف مجالات أخرى، يجب أن تتذكر دائمًا الغاية التي تعمل من أجلها. كجزء من حصولي على جائزة كندا الدولية غايردنر، قدمت محاضرات لطلاب المدارس الثانوية في جميع أنحاء كندا. سأذهب حتى إلى الصين اليوم لمواصلة هذه المحاضرات. حقًّا، التحدث إلى الشباب عن القضايا المهمة هو أمر مجزٍ للغاية. إنه وقت مشوق جدًّا للعمل في هذا المجال.

شراكات بين شركات وأكاديميين

تسعى شركات الأدوية والتكنولوجيا الحيوية إلى إقامة شراكات مع الأكاديميين، وهو ما قد يمهد الطريق أمام فرص للعلماء الشباب في بداية مسيرتهم المهنية. فعلى سبيل المثال، تعاون الباحث جون مع شركة نوفارتيس قبل بضع سنوات بعد نجاحه في اختبار علاج مناعي يعتمد على تعديل الخلايا التائية وراثيًّا باستخدام مستقبلات المستضدات الكيميرية (CARs)، ومنذ ذلك الحين، أسست نوفارتيس وجامعة بنسلفانيا مركزًا مشتركًا على الحرم الجامعي يُعرف بمركز العلاجات الخلوية المتقدمة لتطوير تقنيات CAR بشكل أكبر، كما بدأت نوفارتيس في توظيف باحثين متخصصين في العلاج المناعي للسرطان.


المصدر:

مجلة The Science Survey، يناير 2025.

مجلة NATURE للبحث العلمي، 02 April 2014.