
مراثينا هن النساء اللواتي تركنَنَا، أخيرًا، غرباء بورخيس، نصوص مستعادة
نحن مع كتاب جديد لخورخي لويس بورخيس، على الأقل باللغة الفرنسية، صدر عن دار غاليمار الفرنسية الشهيرة قبيل مدة قصيرة، نوفمبر 2024م. يستعيد الكتاب نصوصًا قديمة للراحل الكبير خورخي لويس بورخيس لم يطلع عليها القارئ الفرنسي من قبل، وإن كان ثمة قراء عرب قد اطلعوا عليها، وبخاصة من يقرأ بالإسبانية، أو حظي بترجمة لها إلى لغتنا العربية الغراء. ظهر هذا الكتاب بفضل عمل دؤوب ومثابر قامت به الباحثة والمترجمة الفرنسية من أصل أرجنتيني، سيلفيا بارون سوبيرفييل، وهي، بالمناسبة من مواليد سنة 1934م، وقارئة شغوفة بنصوص وأدب مواطنها الأكبر خورخي لويس بورخيس.
والحقيقة، لا يمكن انتظار غلال كبيرة من هذا التجميع الجديد لنصوص متفاوتة الأهمية والطول والتاريخ، وإن كنا حاولنا أن نبحث فيها عن إشارات منه إلى ثقافتنا العربية. وقد ذيّلت المترجمة سوبيرفيل الكتاب بقراءة نترجم فقرات منها للقارئ العربي:
بورخيس كل اللغات والبلدان
بورخيس يكتب بلغته، الإسبانية، ولكن أيضًا بلغة أخرى، لغته الحقيقية التي يتحدث فيها بصوت منخفض عن بعض الأشياء المحبوبة، التي هي ذكريات وليست ذكريات، والتي لا يريد نسيانها. يتداخل لديه الشعر والنثر مثل تداخل الماضي والحاضر. كتب في محاضرة: «الحنين إلى اللاتينية»: اللغة الإسبانية شأنها شأن اللغة الإيطالية والبرتغالية والرومانية والفرنسية، نوع من اللهجة اللاتينية، وهذا ما يحملني بعيدًا في الزمن، إلى الأسماء الكبرى مثل لوكريس وسينيك وهوراس الشاعر.

سيلفيا بارون سوبيرفييل
حين بدأت قراءة كُتّاب ومؤلّفي بلدي وقعت على أشعار لبورخيس، كنت ما بين العاشرة والثالثة عشرة من العمر، ومنذ تلك المرحلة لم أفترق قط، ولو ليوم، عن كتبه. كنت أفضّل قصائده، التي كانت، بالنسبة لي، تحتوي على نثره. كانت تحتوي على الحياة وإيقاعاتها التي كانت تترجم طريقته في التصور والمضي إلى الأمام. وكانت تغني بوينس آيريس، بكثير من الحب، بحيث توقظ فيّ حُبّ هذه المدينة، ولكن أيضًا حب أمي، مونتيفيديو، بطريقة حميمية ودقيقة، بحيث يستولي علينا الانطباع بأننا لن نستطيع الابتعاد منها أبدًا. قصائد «حماسة بوينس آيريس»، في نظري، وهو من دواوينه الأولى، طبعت كل عمله وأيقظت شغفي نحوها.
يجسد بورخيس في نظري كل اللغات وكل البلدان. قصائده تشبه صلوات. وأنا أترجمه لدي الرغبة في أن صلاته تتواصل بالحماسة نفسها على صفحات جديدة. مثلًا قصائد التانغو والميلونغا وغاوتشو سهوب البامبا، وقصائد ماسيدونيو فيرنانديز، صديق والده، وقصائد فكتوريا أوكامبو، ملكة الأدب العالمي، التي ترجمت ونشرت في مجلة «سور»، وفي «مصير»، يكتب بورخيس: «تعرف فكتوريا أوكامبو أن تراثنا هو العالم وماضيه الذي لا ينضب».
فيما بعد، وبعيدًا من التواريخ والأمكنة، كل كتب بورخيس استقبلتني، مثل «قصة الأبدية» و«الألف»، أو قصة «الأطلال الدائرية»، التي نقرأ فيها: «بارتياح، بإهانة، برعب، أدرك أنه هو أيضًا صورة، وأنّ آخَرَ كان منهمكًا في الحلم». وكل هذه الصفحات تحولت، عبر الزمن، إلى قصائد.
كنت ألتقي بورخيس وزوجته، ماريا قدامة، حين يزوران باريس، ينزلان في فندق «ليبوزار»، حيث مات أوسكار وايلد. سقطت في حب كتاب «المتآمرون»، الذي ظهر في إسبانيا، وترجمت كل قصائده إلى اللغة الفرنسية، كان بورخيس سعيدًا باكتشاف ترجمتي الفرنسية فطلب من ناشره الفرنسي نشر ترجمتي. لولا أن المترجم والشاعر الفرنسي كلود إستيبان كان قد انتهى من ترجمته، وما كان للطبعة أن ترى النور إلا في كتاب فنان وفي سنة 1990م ولد الكتاب الأنيق وهو مزين بصور الفنانة جونفييف آس.
بمجرد ما ألج في عالم بورخيس أترجمه في صمت، وأنا أختار الفقرات التي تقودني في نوع من الفرح غير المشهود والحميمي. ليس عليّ أن أعثر على فلسفة، وإنما على مرثية ترتفع في داخلي ومن حولي. في نص «امتلاك الخريف»، يكتب: «كل قصيدة تصبح، مع الزمن، مرثية. مراثينا هن النساء اللواتي تركنَنَا، أخيرًا، غرباء، عن الانتظار الذي هو قلق، وعن دموع ورعب الأمل. لا توجد فراديس أخرى، غير الفراديس الضائعة».
مواضيع أثيرة في قلب بورخيس
ذات يوم تلقيت رسالة من بائع كتب في مكتبة في بوينس آيريس يخبرني عن صدور ثلاثة أجزاء من نصوص غير مجموعة من قبلُ لبورخيس نشرت في البداية ما بين 1919م و1986م. يتعلق الأمر بنصوص مسترَدَّة، طلبتها ومن قراءة الصفحات الأولى تعرفت إلى عناوينه.
في النصوص المستعادة أقرأ من جديد صفحات عن أخته، نورا، وعن فكتوريا وعن ماسيدونيو فيرنانديث وغوميز دي لا سيرنا، مارتن فييرو وكافكا وعن مدينة بوينس آيريس والغاوتشو والمتاهات، وأيضًا حول «لماذا أحسُّني أوربيًّا؟» وأيضًا أسئلة بروست، حيث يطرح عليه سؤال: ما الإصلاح الذي يثير إعجابك بشكل أفضل، ويرد بورخيس: «الإصلاحات التي لم تحدث بعد، الإصلاحات التي تلغي عبادة المال والشهرة».
إن جاذبية عالمه تنتشر أيضًا انطلاقًا من بلده الثاني، الأوروغواي. أحس حبه لأرض أمه، ولأهالي مونتيفيديو على شاطئ نهر ريو دي لا بلاتا ومواهبهم الفردية، فقط بوصفهم بشرًا. والدتي مثل والدته، من أصول إسبانية، وولدت في هذا البلد وتحمل الاسم نفسه، أسيفيدو. على الأرجح نحن من جد واحد أو من العائلة نفسها، ولكني لم أسْع قط للعثور على هذا الرابط. وقد توفيت أمي في بوينس آيريس وكنت حينها طفلة. الرابط ظل بين كتبه وبيني، وبشكل خاص بين قصائده التي يتوجب قراءتها على ضوء النهر.
«من بين 600 صفحة يتضمنها الكتاب، لا توجد صفحة واحدة بيضاء، ولن تقتلع منك واحدة تثاؤبًا». ص26.
أشياء عن بورخيس
نتعلم في الكتاب الجديد أشياء عن بورخيس، ولكن سرعان ما نكتشف أننا كنا نعرفها، منها أنه لا يحب رياضة الملاكمة، ولكنه حين يقارنها برياضة أخرى، كرة القدم، يتغير الأمر كثيرًا: «لم أعرف أبدًا لماذا هذا الاهتمام بالملاكمة، لا أشعر بأي نوع من الحماس نحو هذه الرياضة. بالطبع أعترف بأنها أكثر أهمية من مباراة كرة القدم. فعلى الأقل يوجد في الملاكمة رجلان يتواجهان. لكن مجموعة من الأطفال يمرحون وهم يوجهون ضربات بأقدامهم للكرة شيءٌ وجدته دائمًا غبيًّا؟» ص304.
حضرت في الكتاب كل الموضوعات الأثيرة على قلب بورخيس، وعلى رأسها دون كيخوته وكافكا، مع إشارات إلى العرب وإلى ألف ليلة وليلة. والغاوتشو رعاة البقر الأرجنتينيون… وثمة مقالة عن الحكايات التركستانية، التي لا يخفي شغفه بها، حيث يكتب: إن «جوهر الحكايات التركستانية هو الكرم، من فضائل السهول والرعاة، وليس أبدًا ممن يعذبون الأرض غير المتساوية، والذين يتسولون المطر والجفاف».
ثم نقرأ مقالة عن أثيرَين لديه، من يعدّه أستاذه، كانسينوس وكتاب ألف ليلة وليلة: يكتب بورخيس أن الصدفة، (ربما هو يقصد القدَر)، منحت العربَ مهمتين؛ إحداهما: الدعوة، وسط عالم يعبُدُ الأصنام، إلى عبادة إله واحد، أو كما يقول ريتشارد بيرتون، بأنه ما من إلهٍ إلا الله. والشيء الثاني هو أن العرب أنقذوا فكر أرسطو من الزوال لفائدة الغرب. ومهمة ثالثة، التي ربما لا تقلّ أهمية، وربما هي أكثر جاذبية، وتتمثل في أن تحلم وتحافظ من أجل أحلامنا، من خلال كتاب ألف ليلة وليلة.
ثم يتأسف بورخيس لأن إسبانيا التي كانت، ذات يوم، مركزًا شهيرًا للثقافة العربية لا تمتلك، حتى الآن طبعة مباشرة وحرفية، لهذا الكتاب، الذي يقول عنه: إنه أساسيٌّ في العالم الإسلامي، ووجدت نفسَها مُرغمة على ترجمة الترجمات الناقصة لغالاند أو غوستاف فييل، أو صياغة تزيينية لا تخلو من نوع من الفجور للدكتور مردروس، ثم يأتي رفائيل كانسينوس أسونس، أخيًرا؛ ليمنحنا الكتابَ المنتظر.
يناقش بورخيس إهداء كانسينوس ترجمته لألف ليلة وليلة، فيكتب: «إن إهداءه وبعيدًا من كل المصادر الأجنبية المحتملة التي يمكن التخمين بها، يمنح كل الشرف للعرب، يستحق اهتمامًا خاصًّا»، معلقًا على ما كتبه كانسينوس: «إلى الشعب العربي النبيل، الذي منح ألف ليلة وليلة ما يمنح أبٌ أبناءَه، الدّمَ والاسمَ واللغةَ. سلام».
نظرته للعرب واليهود
لا شك أن ثقافة بورخيس موسوعية، ولهذا يسمح لنفسه بأن يقارن بين مضمون نص صيني شهير «الترحال إلى الغرب»، يتحدث فيه مؤلفه سون ووكونغ عن الترحال من أجل البحث عن المعرفة، ونص البراق، الذي يهمنا، نحن كعرب مسلمين: يمتلك هذا الكتاب سمة متفردة، وهي فكرة أن زمن البشر وزمن الله لا يُقاسان… ويعلق بورخيس بأن زمنَ الله في المحكيّ الإسلامي أكثرُ ثراء من زمن البشر. بينما هو في المحكي الصيني أكثر فقرًا وأكثر رخوًا.
بورخيس لا يخفي تصهينه في هذا الكتاب وفي غيره، وأحيانًا يبدو وكأن في الأمر تكلفًا، ولكنه مع ذلك سعيد بمثل هذه التصريحات، التي عبر عن كثير عنها في أثناء دعوته من جمعيات يهودية أرجنتينية، ففي مقالته «الحنين إلى اللاتينية»، وبعد أن يُذكّر بأن جوهر دمه، إسبانيٌّ: «إسبانيا، بلد بسيط، ولكننا في الوقت نفسه، نأخذ في الحسبان أن إسبانيا مكونة من الإيبيريين والفينيقيين والسلتيين والرومانيين والقوط الغربيين، ومن وندال شمال الأندلس، ثم العرب، واليهود، من دون شك. يكتب: «إن التقاليد الغربية هي، قبل كل شيء، حوارُ أُمتَّين، حوار اليونانيين وإسرائيل». وفي مقال آخر، وإذ يُعبر عن تحسره لعدم تعلمه العبرية، يسمح لنفسه بأن يكتب: «المكانة التي تشغلها إسرائيل، لا يمكن لأحد نفيَها. لا أحد يمكنه نفي المكان الواسع والدائم الحضور الذي تشغله إسرائيل».
ثم يعود من جديد ليمتدح الشعر وبوينس آيريس والأرجنتينيين، فلا يجد أفضل من مقارنتهم بالعرب: «يحتفل الشعراء العرب في الصحراء بكرم الضيافة والشجاعة. هذه الفضائل النبيلة التي كانت أحيانًا من مزايا الروح الأرجنتينية، هي القادرة، إن لم أبالغ، على تعريف فكتوريا أوكامبو».
صيد ثمين لمن يحب كتابات بورخيس وأيضًا استعادة كثير من الثيمات الأثيرة على قلب هذا الموسوعي، الذي يدهش قراءه بتواضعه الماكر، والذي أصرّ على أنه يفضل أن يموت بشكل فجائي، «في هذه اللحظة»، يقول لسائله، في إجابته عن أسئلة بروست، التي نشرت في بوينس آيريس في مايو سنة 1979م. وتقول لنا المترجمة: إنها تأسف لانتهاء الأسئلة، فأضاف: «للأسف، اللعبة، لعبة الأسئلة، انتهت، ولكن إذا ما رافقتني إلى بيتي، يمكننا أن نثرثر، وأضاف من فوره: «أنا قلق بسبب مرضي»، أي مرض؟ يسأله السائل. يجيب بورخيس: «إنه عمري، انظر وسترى أن الشيخوخة شكل من أشكال المرض». ثم أضاف: «والآن، لن أوقع أبدًا باسم خورخي لويس بورخيس، رنتها ليست جيدة. خورخي وبورخيس فيهما نشاز. سأوقع، من الآن فصاعدًا، باسم لويس أسيفيدو أو لويس بورخيس. اسمي له أيضًا شيءٌ من المعنى، إنه من أصل برتغالي، ويتعلق الأمر بتحوير لـ«بورجوازي»، رجل المدينة. يوجد في اسمي نوع من رهان مزدوج، بل ويذكّرني بآل بورجيا.، في إشارة إلى الأسرة الأوربية العريقة.