مقالات   |   دراسات   |   قضايا   |   سيرة ذاتية   |   إعلامتحقيقات   |   ثقافات   | تراث   |   تاريخ   |   بورتريه   |   فضاءات   |   فنون   |   كاريكاتير   |   كتب   |   نصوص   |   مدن   |   رسائل

«نافذة للصمت» لهشام أزكيض الصمتُ بصفته قيمة إنسانية في زمن الثرثرة

«نافذة للصمت» لهشام أزكيض

الصمتُ بصفته قيمة إنسانية في زمن الثرثرة

هذه المجموعة، «نافذة للصمت» للقاص هشام أزكيض (دائرة الثقافة – الشارقة)، وفية لأعراف فن القصة المألوفة، لكنَّ هناك شيئًا آخرَ في نصوص هذه المجموعة هو ما يُمكن توصيفه بـ»فلسفة الصمت»، وهي روح تَسري في قصص المضمومة كلها، وهي- ربما- الفكرة الجوهرية التي يسعى القاص إلى الانتصار لها.

تنتصر معظم النصوص للصمت بصفته قيمة إنسانية عُليا، في زمن الضجيج والثرثرة والقهر والألم. ويبرُزُ هذا المعنى عند العتبة الأولى. وإذا كانت النافذةُ من مكونات البيت أو الغرفة، مع ما ترمُزُ إليه من إمكانات التهوية والإطلالة، وكان البيت موطن السكينة المرجوة ومحل الراحة والشعور بالخصوصية وممارستها، إذا كان هذا هو ما ينطبق على البيت المادي، فإن الصمتَ هنا هو ذلك الملجأ الفسيحُ الذي يتسع للجميع في زمن اللامعنى. والقاصُّ هنا؛ وهو يهتبل الصمت، يُعيد التذكير بما استحبته مختلف الديانات والمذاهب والفلسفات؛ لذلك وشّح غالبية أبطال قصصه بهذا المعنى الخالد.

معظم عناوين «نافذة للصمت» تحيل قارئها إلى عالم الصمت الجميل/ المؤلم أحيانًا. هذا الاحتفاء الكبير بفضاء الصمت وما يُوفره من بديل أفضل لإنعاش إنسانية الإنسان التي تأذت كثيرًا في زمن الكلام العبثي، حتى لم تعُد صور أجساد الأطفال الممزقة تُثير فيها شيئًا من الفطرة، ذكرني بمقولة ألبرت أينشتاين عن الصمت. يقول: «الكون مثل غابات يسودها الصمت، وهي مدعاة للتأمل العميق (…) إن التهيؤات لا شكل لها بتأثير كثافة التشيؤات، ولكن الأمور تبدو طبيعية عندما يعلن الصمت عن تعبيره بأشكال مستنيرة، فتتوالد أشياء جديدة لم نألفها. إن اختراقات الصمت قد تأتي في حالة تصور الصمت من عدمه، لا غير، فالأصوات تكسر الصمت، ولكن التنوير يعبر عنه».

عالم منسي

نقرأ في مستهل قصة «تحت المجهر» هذا الحكْيَ الضاجَّ بالمعنى، وهو يسلط الضوءَ على عالَم المجانين المَنسي: «إنها الحادية عشرة وبعض الدقائق من الوجع.. أجلسُ وحيدًا في شرفة المنزل، وكأنني أهرب من مستشفى من نوع آخر، فالعتمة في الخارج تطاول أضلعي من الداخل، والهدوء يُشبه صمت المقابر. لا أحد في الحي مستيقظ سواي. إلا الذاكرة، كانت أكثر استيقاظًا مني». مفردات الوجع/ الجلوس وحيدًا/ الهروب/ العتمة/ الهدوء/ صمت القبور. كلها تنتمي إلى عالم الصمت الدال على الرغبة في استنطاق حقيقة الحياة، في زمن الدعاية الزائفة. ولعل الجنون واحدٌ من أبرز تجليات صمتِ العقلِ حين تحكُمُ عليه الظروف -وأغلبها من صُنع البشر- بالإعدامِ المعنوي!

وفي قصة «قلوب في المزاد»، نطالِعُ هذا المقتطف من حوار مليء بالسخرية من الواقع وأعرافِهِ:

«- ولماذا تزوجت بآخرَ ما دامت تُحبك؟

ظل صامتًا للحظات، ثم قال بصوت حسبته آتيًا من بعيد:

– ومَن قال: إننا نحظى بالزواج بمن نحب يا صفاء؟ في أوطاننا لا يحظى المرء بمن يميل إليه قلبُه». ظل بطل القصة صامتًا للحظات؛ لأن الصمتَ هو الملاذُ الآمِن، تمامًا كما صمتت محبوبته -كُرهًا- عن جريمة تزويجها برجل آخر غيره.

هشام أزكيض

وفي قصة «نافذة للصمت»، نقرأ هذه المرةَ ملامحَ من سيرة الأسير الفلسطيني المحرر منصور الشحاتيت، لكن بنفَسٍ ضاج بالأسئلة الحارقة. يصفُ الكاتبُ بعضًا من مظاهر جبروت الأسير الفلسطيني، وهو ينهض من رماد معاناته كطائر الفينيق: «لكنه بعد كل شيء -وبعد أن سرقوا خلايا من جسده، ووضعوا مكانها أقراص صمت، تصرخ فقط في الداخل- خرج وما زالت خلايا الوطن تتجدد في أحباله الصوتية، ليقول لهم: لستُ نادمًا! إن الوطن يستحق أن نهديه أعمارنا!». في موقع آخر من القصة ذاتها، يُوغِلُ الكاتبُ في السرد الصامتِ الناطق مع بطل القصة:

« – إلى متى ستظل على حالك قابعًا في ذلك الركن المُظلم؟»

«سأل الحارس منصورًا سؤاله المعتاد الذي يعلم مسبقًا أنه سيبقى عالِقًا دون جواب. وكالعادة، لم يُزح منصور نظره عن سقف الزنزانة، وكأنه تحرر من حواسه الخمس، وبنى له من خياله عالَمًا خاصًّا به». مدلول عبارة «دون جواب» هو الرصاصة الصامتة التي يُطلقها الأسير منصور على سجّانه كل يوم، وهي أشدُّ إيلامًا من أي جواب آخر لو تكلّم.

هذا الصمتُ الناطق يكاد يكون العمود الفقري لكل نصوص «نافذة للصمت»، وهو بهذا الحضور القوي رسالةٌ مفتوحة إلى القارئ لتطهير ذاته من درَن الثرثرة.

لغةٌ تنبض شعرًا

أختم هذه الاقتباسات بهذا المقتطف من قصة «الهاتف الأخير»، وهي قطعة سردية تُعبر بقوة عن فلسفة الصمت لدى القاص: «أغلقت النوافذ والأبواب.. قطعت كل أسلاك الهاتف. أسكتت التلفاز والمذياع، وأطفأت الأضواء كلها، وكانت تريد أن تنفصل عن كوكب رجوعه. جلست في سريرها، واحتضنت الوسادة، وأغلقت عينيها بصمت، ثم مرت لحظات من غير أن يعبرها طيفه الدافئ، فشعرت بالانتصار، وأنها أخيرًا استطاعت أن تهزمه، فقد كانت قادرة على الموت من دونه».

هكذا كان الصمتُ سيدَ الموقف، وعلامةَ الانتصار والقوة. في حضرة الصمتِ المقدس تلوذ الذاتُ بجوهرها، فلا تنطق إلا عن حق وبحق.

أدهشني أن أجد في نصوص «نافذة للصمت» صورًا جميلة هي من روح الشعر. ولو أضيف إليها الإيقاع العروضي، وخضعت في إنشائها لضوابط الخليل، لكانت شعرًا خالصًا، بقوة الصور والرؤى. اقرأ معي هذه الومضات من قصة «ذاكرة غيمة صيفية»، وهو عنوان شعري بامتياز: «وحيدةٌ أنا بعد أن اغتالت الأيامُ خطوات أبنائي. لم يعدْ للبابِ صوت، والجرس معطل منذ آخر فقدان». وقد يلحظ من له حس شعري أن عبارة «لم يعُدْ للبابِ صوت» تُشكل شطرًا شعريًّا موزونًا (فاعلاتنُ فاعلاتُ)، لكن الأكثر إشراقًا من موسيقا الشعر هو هذه الصورة المركبة، وما تختزنه من جمال وخيال.