مقالات   |   دراسات   |   قضايا   |   سيرة ذاتية   |   إعلامتحقيقات   |   ثقافات   | تراث   |   تاريخ   |   بورتريه   |   فضاءات   |   فنون   |   كاريكاتير   |   كتب   |   نصوص   |   مدن   |   رسائل

مثقفو تونس ومبدعوها الشباب من الطموح والأحلام إلى الانتكاسة والإحباط

مثقفو تونس ومبدعوها الشباب من الطموح والأحلام إلى الانتكاسة والإحباط

يمر اليوم أربعة عشر عامًا منذ اندلاع الثورة التونسية التي راهن عليها جيل الشباب من المبدعين والمثقفين لتكون فرصة للتغيير الحقيقي، وبناء واقع ثقافي مغاير، بعيدًا من التهميش والأقنعة والرؤى الأحادية التي ألغت التنوع الثقافي الذي تزخر به تونس، علاوة على عدم اكتراثها بالشباب التائق إلى التحرر والمبادرة والثورة على القديم والتأسيس للجديد. لكن ما حدث من بعد كان مغايرًا تمامًا لكل الأحلام والأفكار الكبيرة والصغيرة التي صدحت بها الحناجر الشابة مبشرة بواقع ثقافي مختلف.

ننطلق هنا من سؤال أين هم المثقفون والمبدعون الشباب الذين بشروا بالتغيير الإيجابي وصار العكس؟ ومنه تتفرع أسئلة ضرورية اليوم حول الواقع الثقافي في تونس، والحلول لتطويره وتحويله إلى قوة ناعمة. قبل كل شيء كنت شاهدًا على جزء من مسار الحلم والانتكاسة عند الأدباء الشبان في تونس، هؤلاء الذين جمعتهم هواجس وطموحات أدبية كثيرة، وآمال لتغيير الواقع المتكلس المثقل بالمحاباة والرؤى الأحادية، كما جمعهم التمرد على المجاملة وقبضة الحزب الواحد التي تتحكم بالإعلام والتظاهرات الثقافية، وتقدم بالتالي الوجوه الموالية على حساب التجارب أو الجدارة.

واقع ثقافي كان مليئًا بالأقنعة دون خوض حقيقي في العمق، وإيمان بدور الثقافة بصفتها قوة ناعمة في ترسيخ تعدد الرؤى والتعايش والسلام وبناء المعرفة وإطلاق حرية الفكر والمبادرة والإبداع. هذا الواقع خبره الشباب من قرب، وحاولوا الثورة عليه وتغييره والانتصار للهامشي والمنسي والمقصي، وبخاصة الزوايا البعيدة وغير المضاءة من الثقافة التونسية، ومواكبة التغيرات والانفتاح على التعدد وتحويل الثقافة إلى خبز يومي وشعارات كثيرة أخرى.

كل هذه الأحلام والشعارات التي وحدت جزءًا من الشباب الطموح تحولت إلى مجرد ذكرى منسية تمامًا، بل غير مرغوب فيها من جانب من طرحوها ونادوا بها؛ ليثبت أنها لم تكن سوى كلام منمق أو هي هواجس صِبَا تكسّرت على صلابة الواقع المتكلس، وصار الحالمون بدورهم جزءًا من الواقع الثقافي الذي نادوا بالثورة عليه، بل صاروا أكثر صلابة واستماتة في تكريسه كما لم يفعل من هم قبلهم.

كنت شاهدًا على لجنة الدفاع عن حقوق الأدباء الشبان مثلًا، التي اقترحت نقاطًا عديدة لتطوير الفعل الثقافي في البلاد، واقترح أعضاؤها الانخراط في العمل في وزارة الثقافة لتجسيد أفكارهم، ولكن ما حدث أنه بمجرد أن نال هؤلاء الوظائف، منهم من هجر الكتابة، ومنهم من انخرط في الجري خلف منصب موعود في الوزارة، ومنهم من يئس من التغيير ونضبت أفكاره، ومنهم من انزوى في مكتبه، فلم يبق سوى أفراد قليلين يواصلون مشروعاتهم الأدبية لكن في بيئة لا صناعة ثقافة فيها ولا ثورة تغيير وتطوير.

الأمر ينسحب على مختلف القطاعات الأخرى، السياسة نفسها، وربما المسؤولون عن هذا الواقع ليس هؤلاء الشباب فحسب، بل المنظومة كلها التي تمكنت من تدجين الوافدين الجدد، وبخاصة مع قلة الخبرة وضعف الإيمان بأفكارهم، والأفكار نفسها التي لم يقع تفكيكها وتحليلها وبناؤها على نحو عملي يسمح بتحقيقها على أرض الواقع.

من أسباب الانحدار الثقافي

إن الدولة التونسية التي كانت تشجع الثقافة والمعرفة في بداياتها مع الحبيب بورقيبة وجيل الرواد من المؤسسين للجمهورية، صارت اليوم بلا رؤية ثقافية. ربما كان غياب الرواد والمؤسسين من بين الأسباب التي أدارت وجه المؤسسات الحكومية عن تطوير الوضع الثقافي شأنه شأن الوضع الاقتصادي الصعب، ولكنّ أسبابًا أخرى أكثر خطرًا تعود إلى رؤية الدولة للثقافة أصلًا، التي تعدّها ترفيهًا وأمورًا ثانوية لا وسيلة تنمية مستديمة ولا قوة تغيير حقيقية، وهذا القصور تضاعف اليوم مع انتشار حالة الإحباط بين صفوف المثقفين والمبدعين، وانتشار الخطابات الشعبوية التي لا تؤسس بقدر ما تهدم.

لم تتخلص وزارة الثقافة التونسية من البيروقراطية، عدا بعض المبادرات هنا وهناك من مهرجانات وتظاهرات ومحاولات الترميم الخجولة والمتعثرة لمواقع تاريخية غاية في الأهمية (مثل متحف قرطاج وسور القيروان ومسرح الروماني بالجم وغيرها)، فإنها حافظت على وتيرة عملها نفسها، بينما ميزانيتها توجه أغلبها لأجور آلاف الموظفين، في بلاد لا صناعة ثقافية فيها.

أمر آخر غاية في الأهمية هو غياب التواصل بين الثقافة والإعلام والمؤسسات التربوية، فكثيرة هي التظاهرات الاعتباطية التي تمر في العتمة في ظل غياب إستراتيجية إعلامية ناجعة، (أحيانًا تعرض مسرحيات مدعومة من الدولة في قاعات فارغة تمامًا) علاوة على ابتعاد الأجيال الجديدة من المؤسسات الثقافية التي أصبح أغلبُها مبانيَ مهجورةً إلا من موظفيها والرطوبة والملصقات الرديئة التي تملأ الجدران.

الانحدار الثقافي يبدو عامًّا، عدا المبادرات الخاصة وبعض الإنجازات الفردية أو المنعزلة فإنه لا وجود لإستراتيجية أو نية لوضع إستراتيجية ثقافية، على غرار ما هو مطروح في دول عربية أخرى، (مثل رؤية السعودية 2030)، وبالتالي العمل المنظم وفق خطط شاملة تجعل الثقافة في جوهر البناء الحضاري، لا مجرد قطاع هامشي يتصارع أفراده على الفتات الذي تقدمه الدولة من دعم، ويتلاعب فيه وبه المتلاعبون، ومنظمو الحفلات ومقاولو البناء للترميم والموظفون، وهلم جرًّا من فوضى.

طرحنا عددًا من الأسئلة على عدد من المثقفين الشباب المطلعين على المشهد والفاعلين فيه؛ لنفهم أسباب هذا الواقع الثقافي المنحدر في سبيل إصلاحه وتحقيق واقع بديل، يكون فيه الرهان على أن تكون الثقافة قوة ناعمة لا مجرد وسيلة ترفيه أو أحداث مناسباتية.

إلغاء وزارة الثقافة

يقول الشاعر والروائي التونسي سفيان رجب: «الانتفاضة الشعبية التي حدثت في تونس تبعتها بوادر ثورة سياسية لم تكتمل لأسباب عديدة؛ لعل أهم تلك الأسباب هو غياب الثورة الفكرية والثقافية. جزء كبير ممن يسمون بالمثقفين في المشهد الثقافي التونسي هم مجرد حملة شعارات ومجتري معرفة مستهلكة. فمن أهم صفات المثقف هي الشجاعة وروح المغامرة وقوة الإرادة وسعة الخيال وامتلاك المعرفة بما يمكّن من اكتساب رؤية واضحة للعالم والوجود، وكل هذه الصفات لا توجد في كل الذين تحمسوا للانتفاضة الشعبية في تونس».

ويضيف: «في لقاءاتي الأولى مع رفاقي الشعراء اكتشفت فراغ الكثير منهم؛ لذلك لم أتفاجأ بما آلت إليه الأمور، بل إنني انتظرت تلك النتيجة، وقد عبّرتُ عنها في كتابي «الساعة الأخيرة». منذ السنة الأولى للانتفاضة أدركتُ أن المشروع الإبداعي الحقيقي هو فردي، بعيدًا من وهم الجماعات، حتى الجماعة التي كنتُ أحركها وهي جماعة «تجريب» كنتُ أحرض الشباب المنخرطين فيها على التفرد واكتساب بصماتهم الخاصة والبحث عن أصوات تميزهم عن غيرهم من المبدعين».

أما ما يمكن تسميته بحالة تراجع أو انحدار ثقافي فيؤيد رجب ذلك قائلًا: «طبعًا نحن نعيش حالة انحدار ثقافي مخيفة، وينعكس ذلك على القيم وعلى المعاني الإنسانية، وغياب المشروع الحضاري لأي بلاد يحولها آليًّا إلى مجرد حظيرة تُدار فيها الأمور بمنطق القطيع والراعي والأرقام الاستهلاكية. كل شيء تحول إلى سلعة، من حبة الرمل إلى الدمعة، كل شيء قابل للتسويق، أما المثقف فهو إما غائب بسبب كسله وعدم مواكبته للتحولات الفكرية العالمية، أو مُغيّب».

ويقترح الكاتب بعضًا من الإجراءات الممكنة لتجاوز هذا الواقع وتطوير الحركة الثقافية وتحويلها إلى قوة ناعمة عبر ترسيخ ما نسميه الصناعة الثقافية. يقول رجب: «ثمة حلول كثيرة، لو وُجدت إرادة سياسية وفكرية على بعث مشروع ثقافي في البلاد، ولعل أهمها حل وزارة الشؤون الثقافية التي أصبحت عبئًا على البلاد، وتوزيعها إلى مكاتب ثقافية بين كل الوزارات».

ويضيف رجب: «نحن الآن نحتاج إلى إجبارية النشاط الثقافي في كل المؤسسات التربوية، العمومية والخاصة، واعتبار الثقافة أساسًا للإصلاح في السجون والإصلاحيات. ووضع مشروع سياحي يقوم على البدائل الثقافية عوضًا عن الامتيازات الخدماتية فحسب، التي لم نعد قادرين على منافسة كثير من البلدان الإفريقية في ذلك. ونحتاج كذلك إلى الثقافة في وزارة الشؤون الاجتماعية وفي وزارة الأسرة وفي كل وزارات الاختصاص الأخرى».

أشرف القرقني

يضحك الشاعر والمترجم أشرف القرقني حين نسأله عن دور المثقفين والمبدعين الشباب. يقول: «الشباب هههه.. شطرتهم سكّينُ ما بعد الثورة بخيباتها الكثيرة. أما جلهم، فقد التحق بالنسق الذي قامت الثورة ضده ولبس قناعها مجبرًا. وانخرطوا في النظام بمعناه الواسع وصاروا دواليب سعيدةً في أعطافه وطيّاته الكثيرة، كل بمنزلة تليق بمؤهلاته وما يستطيع أن يخدم به الآلة العملاقة».

ويضيف: «أما القليل المتبقي، الذي أعيدت صياغة هامش ثقافي جديد من أجله، فأحسب أنه ظل يناضل (بالدلالة العميقة الصادقة للكلمة)؛ لكي يحافظ على أصالته وصدقه، مختنقًا بين طرفي كمّاشة. فمن جهةٍ، لم يجد لنفسه موقعًا يليق بطموحاته وآماله. ومن جهة أخرى يتلقاه سندان الحياة الاجتماعية بأشواكه الألف».

ويواصل القرقني تشريح ظاهرة غياب المثقفين الشباب قائلًا: «أعتقدُ أن الشباب الذين انخرطوا فيما وزّع عليهم من مهام داخل النظام الثقافي، أعني وزارة الثقافة بالأساس قد وجدوا أنفسهم متحالفين على نحو أو آخر مع العائدين. هؤلاء العائدون هم دواليب قديمة أكبر حجمًا. كانوا قد غطسوا إلى قاع النهر عندما تدفق تيار «الثورة» أو «الربيع» أو «الياسمين»، ثم طفوا على السطح من جديد معمّدين واستعادوا مواقعهم».

ويتابع: «هو إذن تحالفٌ نتيجته هذا الركود الثقافي واسترسال القديم بأقنعته الجديدة. نرى بعض تماسيح الماضي محاطين بدموع وابتسامات جديدةٍ كانت فيما مضى تهتف بتنحيتهم. وتنحيتهم هذه ليست في واقع الأمر سوى التخلي عن تصوراتهم للثقافة والثقافي وأنحاء تدبيره».

ثقافة حرة للجميع

بعد 14 عامًا من «الثورة التونسية» أين هم المثقفون والمبدعون، وبخاصة الشباب الذين بشروا بالتغيير الإيجابي وصار العكس؟ هذا السؤال يبدو للمخرج المسرحي عماد المي سؤالًا صعبًا ومعقدًا، فالتغيير، في رأيه، لا يمكن أن يحدث بسهولة، أو هو مسألة تبشير أو حلم. ويقول: «التحولات الكبرى التي تحدث بعد الثورات وبخاصة التغيرات الثقافية، لا بد لها أن تكون مقترنة بثورة تعليمية تربوية وجامعية قوامها المعرفة والعلم والبحث العلمي التقني والفكر والجمال، وفقًا لمشروع وطني يندرج ضمن سياق ونسق فلسفي واضح ودقيق، يؤمن بالحرية والتعدد والاختلاف مع الحفاظ على ما هو قيمي وهووي والانفتاح على الإنسان العالمي والكوني».

ويرى المي أن المشروع الثقافي لا بد له من وعي مجتمعي «يعتبر الثقافة ضرورة حياتية وعنصرًا أساسيًّا في حياته اليومية وضمانة لرقيه وإثبات لوجوده في العالم؛ لأن الشعوب تقاس بثقافتها، وما تبدعه من فن وفكر وعلم وما تبدعه الشعوب يدفعها للتقدم والتطور، فمن دون ثقافة حقيقية وجدية وجادة تحترم عقل الإنسان ووجدانه ومشاعره ووعيه لا يمكن أن يصلح الحال».

ويقر المخرج التونسي بأن المشروع الثقافي يستوجب إرادة وعملًا وقدرة على الابتكار والإبداع وهذا يتطلب تحويل الشأن الثقافي إلى شأن وطني ومشروع إستراتيجي يهم كل المجالات الحيوية، فالبيئة تتطلب ثقافة بيئية صديقة للطبيعة وتحسن استغلالها من دون أن تؤذيها. والتربية والتعليم يتطلبان ثقافة قائمة على الحوار والتفكير وبناء عقل جدلي للفنون فيه، كالمسرح والموسيقا والسينما والفن التشكيلي والبراعات اليدوية والابتكارات الفكرية العلمية، والرياضة مكانة مهمة في بناء عقل يفكر بعيدًا من منطق التلقين وجسد حي وسليم.

ويضيف «باختصار كل المؤسسات لا بد أن تنخرط في المشروع الثقافي بما في ذلك الإعلام بكل مكوناته؛ لأنه حلقة أساسية بين مبدعي الثقافة والفنون والمتلقي. فالمشروع الثقافي ما زال في مرحلة مخاض وتشكل، وهذا يتطلب ثورة ثقافية تسبقها ثورة على مستوى التربية والتعليم والبحث العلمي، أي ثورة فكرية وبناء وعي يرى الثقافة ضرورة كالماء والهواء والغذاء». ويختم عماد المي: «نحن محكومون بالأمل في أن يكون القطاع الثقافي قوة حقيقية تساهم في التغير والتبدل والتجدد».

تفعيل الضمائر النائمة

واكبت الدكتورة فوزية ضيف الله الحراك الثقافي سواء في اشتغالها الأكاديمي في الجامعة مع طلبتها، أو في متابعاتها الصحفية ومؤلفاتها النقدية ومشاركاتها في مختلف التظاهرات الثقافية التونسية، وهي ترى أنه بعد أربعة عشر عامًا من الثورة، ما زلنا ننتظر أن تعطى الكلمة للشباب. تقول ضيف الله: «الشباب موجودون ومبدعون في مجالات عدة، لكن الملل أصابهم أمام سيطرة الشيوخ على المناصب المهمة وعلى مواقع القرار. كثيرون منهم اختاروا الهجرة، ومن بقي في تونس يعانون لأجل إبداعهم، يقودهم أمل خفي وحب جارف للبلاد برغم كل شيء، أو أنهم لم يجدوا السبيل للسفر والبحث عن ملاذات تؤمن القوت وتضمن حرية الفكر والإبداع».

وتضيف الكاتبة والباحثة في فلسفة الجمال: «شرارة الثورة الثقافية لم تنطفئ، وأعتقد أن الشباب سوف يواصلون ثورتهم بطرق مختلفة، بأساليب موسيقية وفنية مغايرة، حتى الشعر والأدب تغير خطابه وكذلك فنون الشارع. ولكن يجب ألّا ننسى أولئك الذين صاروا قوتًا للشوارع والإدمان والسجون. أعتقد أن المرحلة تحتاج تحديقًا عميقًا ومراجعة شاملة أمام الأزمة الاقتصادية والبطالة وانسداد أفق التشغيل، وبخاصة قمع حريات التعبير والتفكير بالنسبة إلى المبدعين».

وتشدد ضيف الله على أنه على الرغم من كل ما يحدث، فلا يمكن أن نقول عنه انحدارًا ثقافيًّا: «لقد بين التاريخ أن الثقافة والإبداع يزدهران في الأزمات وهذا ما حصل. فبرغم الهزات القيمية والاقتصادية، وعلى رغم الهزات العالمية فإن الثقافة تصعد دون أن نركز فيها وننتبه إليها؛ لأننا لا نشجع بعضنا، ولا نرى وفق منظورية واسعة. لقد أعلت هذه الأزمات منسوب الإبداع والنشر، لكن ربما يحتاج هذا التراكم زمنًا ليجد مقامه حتى يتم ترتيبه على النحو السليم».

عيد الشباب

«الوضع الثقافي سيئ للغاية» هذا رأي الشاعر والمترجم التونسي أيمن حسن، ويعكس هذا الوضع أزمة كبيرة تعيشها البلاد منذ تاريخ 14 يناير 2011م، عيد الثورة الذي وقع تغييبه بطريقة غريبة باعتبار تاريخ 17 ديسمبر (2010م) في الوقت نفسه عيد الثورة والشباب. يقول حسن: «هذا التداخل يكشف عن غياب المثقفين والمبدعين الذين لا يؤدون أي دور في البلاد. هم فعلًا مهمّشون فلا الساسة يعتنون بهم، ولا المجتمع يطرح عليهم الأسئلة، ولا هم بصدد القيام بمقترحات أو إجابات أو تساؤلات من شأنها الدفع نحو الأمام».

ويضيف حسن: «لست أدري إن كان ما نعيشه انحدارًا ثقافيًّا، لكن الواقع صريح وجليّ: الثقافة الحقيقية غائبة وربما مغيبة، بما أن الكتاب يكاد يكون غير موجود، والمشهد الثقافي ينحصر في ثقافة الاستهلاك الفني السطحي أي الموسيقا المسوّقة. لا كتاب، لا أدب، لا فنون جميلة، لا متاحف، لا سينما، لا شيء. مشهد متصحر في أغلب المدن والمحافظات».

على الرغم مما يبدو من استياء حسن من الوضع الثقافي في تونس وهو الذي عايش الأحلام الكبيرة التي طرحها المثقفون الشباب وهو منهم، وكيف عمَّها الفشلُ، فإنه يرى أن الحل ممكن طبعًا. يقول: «الحلول موجودة ومتوافرة لأنّ البلاد تعجّ بالطاقات. المشكلة في آخذي القرارات». ويشدد على مشكلة الإدارة الاقتصادية وطرق التمويل المعقدة سواء للمؤسسات الثقافية أو الجامعات، وهو ما يمكن معالجته. ويرى أنه «يجب تشريك المثقّفين والشروع في حوار وطني شامل يخص الثقافة التي من خلالها سيقع إنقاذ البلاد فكريًّا وثقافيًّا، ماديًّا واقتصاديًّا».

«آخر البحر» مسرحية جديدة فاضل الجعايبي يواصل مساءلة المجتمع وكشف الخفايا النفسية

«آخر البحر» مسرحية جديدة

فاضل الجعايبي يواصل مساءلة المجتمع وكشف الخفايا النفسية

تواصل مسرحية «آخر البحر» للمخرج التونسي فاضل الجعايبي سلسلة عروضها في قاعة الفن الرابع بتونس العاصمة، وتواصل إثارة الأقلام من حولها، لما تمثله من عمل إشكالي سواء في تجربة المخرج، أو حتى في النص المقتبس عن «ميديا» للشاعر والكاتب الإغريقي يوربيدس الذي أخذها بدوره عن إحدى أساطير اليونان.

التزم الجعايبي جزئيًّا بخيوط حكاية مسرحية «ميديا»، فكانت البطلة عاتقة امرأة أجنبية مثل ميديا، وارتكبت الجرم نفسه بأن قتلت خطيبة طليقها وأباها، والأفظع من كل ذلك إقدامها على قتل أبنائها، وإن كانوا في حالة ميديا ثلاثة ففي «آخر البحر» هما ولدان. كما نجد الخطوط العريضة نفسها للحكاية؛ فكما قتلت ميديا أخاها لتهرب مع الرجل الذي أحبته قتلت عاتقة أخاها أيضًا بمعية حبيبها التونسي حمادي. لكن رغم الالتزام بخيوط الأسطورة فإن «آخر البحر» ذهبت بميديا أبعد في مناخ تونسي وعربي مليء بالمسكوت عنه؛ لتفجر أسئلة أكثر حدة كما سنرى.

استعادة ميديا

يستعيد المخرج التونسي شخصية ميديا الأسطورية المفجعة، عبر بطلة مسرحيته عاتقة المرأة اليمنية التي افتتنت بحب حمادي، أو هي رأت فيه المخلّص من عائلتها وسجنها بحثًا عن وطن أفضل. وحمادي هو واحد من أعوان رجل نافذ، ذهب إلى اليمن بتكليف منه لسرقة مخطوط نادر لا يقدر بثمن، وهناك التقى عاتقة؛ حيث كان المخطوط في مكتبة أبيها، وبتقاربهما يسرقان المخطوط ويفران عبر البحر، بينما يلحق بهما أخ عاتقة فيقتلانه. هذا ما نكتشفه باسترجاع الأحداث، فالاسترجاع هو ما ينشط الحدث الدرامي في المسرحية.

تنطلق المسرحية من مشهد افتتاحي لحمادي يطلب من عاتقة مغادرة تونس وترك ابنيها معه، لم يفلح توسلها في منعه، وهذا ما أطلق أفظع عمليات الانتقام وأكثرها فجائعيّة؛ إذ ترسل معه هدية إلى خطيبته وتكون عبارة عن طرد مفخخ، ما إنْ تفتحه الخطيبة حتى ينفجر ويودي بحياتها هي وأبيها، الذي يدير أعمالًا مشبوهة ويشغّل معه حمادي.

لم يتوقف الانتقام هناك، بل تقدم عاتقة على قتل طفليها، لندخل بعد ذلك في سلسلة تحقيقات وعلاج نفسي، وسيلة استعملها الجعايبي للدخول إلى عتمات النفس البشرية وفضح البنى الاجتماعية الذكورية والقوانين والأعراف والتقاليد. ويبقى من أقوى المشاهد في المسرحية المونولوج الذي تقدمه عاتقة، في صرخة أنثى تقول الحقيقة التي لا أحد يريد سماعها، الحقيقة التي نخافها أو نحن نحجبها خوفًا منها.

لقد سبق وأن قُدمت ميديا في أثواب عديدة في المسرح، نستذكر هنا عمل المخرج سليمان البسام «أي ميديا»، وفي السينما مع المخرج الإيطالي الشهير بيير باولو بازوليني في فِلْم بالعنوان نفسه. وفي كلا العملين كانت شخصية ميديا إشكالية بامتياز، تمنح من يؤديها مساحة لعب شاسعة. ولعل السؤال الذي يطرح هنا: ما هو الجديد في ميديا الجعايبي؟

لقد استغلت التيارات النسوية مسرحية ميديا للتعبير عن أطروحاتها، على اعتبار أن ميديا رمز للمرأة المتمردة على عالم الذكورة، التي تنتصر لجانب المرأة فيها قبل الأم. في المسار نفسه يذهب الجعايبي ليحفر أعمق في البنية النفسية للمرأة، محررًا صوتها وصورتها من حدود الأم والجنس إلى كونها إنسانًا قبل كل شيء، إنسانًا له الحق مثله مثل الرجل في التفكير والمشاركة والحب والعمل وتقرير المصير والحرية والكرامة والحياة، إلخ.

المرأة التي حجبتها المجتمعات على امتداد قرون وما زالت تحجبها، تتركها كإنسان ناقص، تتحكم في حياتها من لباسها إلى جسدها وصوتها ومستقبلها إلى مصيرها حتى نظرتها، كل جزء فيها مكان ينصب فيه الرجال أعلام سلطتهم. ليس ذلك فحسب بل يعاملونها معاملة الشيء الذي ما إنْ تنتهي الغاية منه يُلقى، وهذا ما رفضته عاتقة التي استغلها حمادي، ومن ثم ألقى بها كأي شيء منتهي الصلاحية؛ لذا انفجرت ضده. الجميع كان ضدها من المجتمع حتى السجينات الأخريات والقانون والمجتمع الذي يطالب بالقصاص منها كلهم يطالبون بدمها جزاء جرمها، لكن ببراعة تأخذنا المسرحية إلى الانتصار لها رغم ما اقترفته.

صرخة أنثى

تتحرك الأحداث عبر جلسات التحقيق، حيث المحققة تستنطق عاتقة وزوجها السابق، في محاولة للوقوف على حقيقة الجريمة البشعة، كيف لأم أن تقتل أبناءها؟ تتكرر الجلسات عن طريقة القتل، ونكتشف مع كل رواية طريقة أبشع من السابقة، حتى يتم العثور على جثتي الطفلين بعد أن لفظهما البحر مشوهتين. السؤال عن طريقة القتل المتعمد لفضح العنف القاتل الكامن في الذات البشرية، عنف قد لا يضاهيه فيه أي كائن آخر، ويكفي قادح ما لخروج الوحش من تحت الملابس والأعراف.

وتتواصل جلسات التحقيق مع حمادي، ومنه نسمع روايات أخرى مخالفة تمامًا لما ترويه عاتقة، ونغوص أكثر مع شخصية المحققة المرأة العاقر الوحيدة، التي تثير بدورها قضية أخرى تواجهها النساء العازبات وغير القادرات على الإنجاب، وكأن المرأة التي لا يمكنها الإنجاب هي جسد فاسد يستعمل لمجرد اللذة العابرة.

المحرك الثاني للدراما، التي تقوم على مشاهد مكتملة من بداية المسرحية إلى ذروتها، هو الطبيب النفسي، وهو رجل مثلي، لكنه يخفي ذلك عن المجتمع. يحاول الطبيب مرافقة عاتقة إلى أعماق أفكارها، لفهم سبب جريمتها، وهناك نطالع مشاهد من ماضي المرأة الفتاة، ونفهم طريقة نشأتها، وهي مماثلة لأغلب الفتيات العربيات تقريبًا، ما يجعلهن ضعيفات في مجتمع الذكور الذي يصنع مفهوم المرأة على مقاسه.

يمكننا عَدّ مسرحية «آخر البحر» صرخة أنثى ضد السلطة الذكورية وضد الزيف الذي بُني عليه تاريخ كامل من المجتمعات البشرية، حتى إن من يقول الحقيقة يُعزل وقد يقتل. عاتقة اليمنية الوحيدة، قاتلة ابنيها الوحيدين بطريقة بشعة، ليست مجرد مجرمة حرَّكها الانتقام، إنها امرأة جُرحت في وجودها. وكما نطالع في مرافعات محاميتها النسوية، إنها وإن كانت مخطئة فهي امرأة وإنسان قبل كل وصم آخر. ولعل الجريمة هنا ما هي إلا مساحة لفتح ما هو أعمق من عوالم مكبوتة ومخفية في عتمة الداخل.

عاتقة/ ميديا الجعايبي تحملت بمفردها كل الألم والبشاعة لتفضح زيف المنظومات البشرية، ولا يمكن أن نحكم عليها رغم جرمها المفزع، إننا في النهاية نتعاطف معها، بل نساندها وهي تقف ضد السلطة. والسلطة المقصودة هنا بمفهوم ميشال فوكو الذي يرى أن «العلاقات السلطوية داخل المجتمع خارج العلاقات السياسية والاقتصادية والمعرفية والجنسية، إنما تكون محايثة لها وناتجة منها»، وهو ما نراه جليا عبر العلاقة السلطوية التي تظهر بين حمادي وعاتقة، أو بين حمادي ورئيسه في العمل وهو نفسه والد خطيبته الذي قتل، أو حتى بين عاتقة وابنيها، أو سلطة المحققة على المحقَّق معهم.

سلط مختلفة كلها تظهر جوانب من العجينة السلطوية الكامنة في نفوس البشر، التي تنشأ معهم وتكبر وقد تظهر وقد تختفي، فالمجتمع في النهاية مجموعة من السُّلَط المتقاطعة التي تشكل عبر نسيجها منظومات اجتماعية كابحة للذوات، لكنها قد لا تنفذ إلى أعماق النفوس التي تبقى مليئة بصراخ الكائن المتحرر.

العمل بوعي ودقة

كانت السينوغرافيا المعتمدة متقشفة: طاولة وبضعة كراسي، وخَيمة، وفي الخلفية شاشة كبيرة يعرض عليها مشهد البحر في أوقات وحالات مختلفة، بين الصفاء والهيجان، وبين الصبح والمساء.

علاقة التونسيين بالبحر علاقة مختلفة كليًّا عن غيرهم، البحر يمثل الضفة الأخرى الشمالية، وما وراءه تكمن أحلام حياة أفضل كما يتخيل الحالمون بالهجرة، البحر هو سور مائي بين التونسيين وأحلامهم وطموحاتهم. هكذا يراه الكثيرون منهم، بينما هو أيضًا مقبرة مفتوحة، عليها تطفو جثث الغرقى الحالمين، جثث قد يلفظها إلى الشاطئ، مجهولة ومشوهة، وما اختيار الجعايبي «آخر البحر» عنوانًا إلا استجلاء لذاك المكان الذي تدور قبالته جل أحداث العمل، المكان الحلم الذي يتحول إلى كابوس في لحظة؛ فما وراءه ليست أرض الأحلام.

من ناحية أخرى كان أداء الممثلين مبهرًا؛ محمد شعبان في دور حمادي، وصالحة النصراوي في دور عاتقة، وبخاصة الحركة والصوت والإيقاع التي تحكما فيها بشكل حِرفي، وهو ما جعل الشخصيتين تملآن الخشبة بطاقتهما القوية، وقلّ ما نجد ممثلين بهذا المستوى من الوعي والقدرة على اللعب. وأدى الأدوار في هذا العمل، الذي دام عرضه ما يقارب ثلاث الساعات، إضافة إلى نصراوي وشعبان، كل من ريم عياد (المحققة)، وسهام عقيل (المحامية)، وحمادي البجاوي (الطبيب النفسي).

يبقى أن نشير إلى أن الجعايبي كان دقيقًا للغاية في كل تفصيل من عمله، ورغم المدة الزمنية الطويلة للمسرحية وخلوها من البهرج أو الديكورات أو الحركة الاستعراضية، فإنها تمكنت من شد الجمهور والدخول به إلى أعماق نفسية قد تكون مخيفة، لكنها تثير السؤال؛ إذ لا يخرج من دخل ليشاهد العمل وهو الشخص نفسه بالمسلمات نفسها، عرض يزعزع القناعات ويدفعنا إلى التفكير بعمق، من نحن؟

مساءلة إنسانية

عبر مسرحيته «آخر البحر» يواصل المسرحي التونسي فاضل الجعايبي مشروعه الذي بدأه منذ سبعينيات القرن الماضي مع فرقة المسرح الجديد، في مساءلة المجتمع وكشف الخفايا النفسية والاشتباك مع السلطة لا السياسية فحسب بل الاجتماعية والدينية وغيرها من سُلط تتكاثر في المجتمعات العربية.

فاضل الجعايبي

تجربة الجعايبي طويلة ومتشعبة، ولكنها أخذت منعطفًا أكثر تركيزًا على ما هو نفسي واستثارة الفكر والنقد وكشف البشاعة دون مواربة مع ثلاثيته المسرحية: «العنف» (التي تجمع مرتكبي جرائم بشعة في مصحة نفسية)، و«خوف» (حيث يعلق مجموعة في عاصفة وتبدأ من هناك سلسلة من الجرائم والصدامات)، و«مارتير» (التي تفضح التشدد الديني عبر تفكيك ما يحدث داخل مدرسة مسيحية). ثلاثة أعمال مختلفة، لكنها اشتركت فيما بينها بأنها تستعمل بشاعة الجريمة للدخول إلى ما يحرك النفوس من غايات وهواجس وأحلام مكبوتة وأصوات مختنقة.

لا يخشى المسرحي من دخول تلك المناطق المعتمة، حيث نعيد اكتشاف أنفسنا من جديد وخاصة دون زيف أو كذب. ولعل «آخر البحر» تندرج في المسار نفسه، إلى الحد الذي يمكننا إلحاقها إلى المسرحيات التي سبق ذكرها لتكون رباعية، يعمل فيها المخرج التونسي بأسلوبه نفسه المستقى من التوليف بين ملحمية بريشت ولا معقول بيكيت، لخلق فلسفة خاصة ترى في المسرح أداة سياسية بامتياز.

المخرج التونسي الذي أثر في أجيال من المسرحيين التونسيين، تمكن من ترسيخ تجربة مسرحية فريدة تقحم المسرح في مهام صدامية ضد كل سلطة وكل ثبات، فالمسرح ليس فن تهريج ولا هو فن تسلية سطحية، إنه فن تطهير أولًا، وفن اشتباك فلسفي مع الوجود البشري بالأساس. وأعمال الجعايبي ليست موجهة للمجتمع التونسي فحسب، بل هي مفتوحة على كل المجتمعات البشرية التي لا يتوانى في نقدها بوعي وجرأة.

ولعل أفضل وصف لأعمال الجعايبي ما قدمته الناقدة والممثلة سهام عقيل التي تعتبر مسرحه بمنزلة «الصفعات الجمالية الصارخة والمتفجرة لليقين والثوابت ليهتز عرش المتفرج ضد خموله ونرجسيته التائهة». المسرح كما نراه مع فاضل الجعايبي ليس مجرد ديكورات وأزياء ودراما لشخصيات ما، إنه تكثيف شعري لأسئلة الإنسان الوجودية، إنه وجود حي لتحريك كل ما يركد داخل الذوات.