مقالات   |   دراسات   |   قضايا   |   سيرة ذاتية   |   إعلامتحقيقات   |   ثقافات   | تراث   |   تاريخ   |   بورتريه   |   فضاءات   |   فنون   |   كاريكاتير   |   كتب   |   نصوص   |   مدن   |   رسائل

«في تأويل نفي ما» للشاعرة البحرينية سوسن دهنيم المُخيِّلة المُحِبَّة في سيرة الهجرة إلى الحب

«في تأويل نفي ما» للشاعرة البحرينية سوسن دهنيم

المُخيِّلة المُحِبَّة في سيرة الهجرة إلى الحب

تكتُبُ سوسن دهنيم، في عملها الشعري «في تأويل نفي ما»، سيرةَ هِجرة الحُبِّ إلى الحُب. تَكتُبُها من مكان «تأويل» شِعريٍّ تنتصِرُ فيه الكتابة لِتجربة الحُب ولِأفقها الإنساني، عبر إعادة تحبيكٍ مجازي لِشذراتٍ مُتفرِّقة ومكثفة من قِصَّته اللاهبة والمأساوية. كتابة تنتَصِرُ للشعري في هذه التجربة، فتجعلُ لِلبوح والِاعتراف والمُسارَّة مكانًا في نسيجِ الكتاب، الذي يجنحُ للتركيب من خلال توزُّعه إلى أربعة أبوابٍ وثلاثة مَحافِل: صوت، الغريب، سمراء. إنَّ انقسامَ الذات الشاعرة على هذه الشاكلة، يَتَّجِهُ إلى لَحْمِ سيرة هِجرة الحُب بصيغة مأساوية، تَنبثِقُ مِن أصوات ومَنظورات شعرية مُتعدِّدة، قادرة على لَملمة جِراح هذه الهجرة وكتابتها، وفق إيقاعات وصيغ مختلِفة أيضًا.

سيرَة الهِجْرَةِ إلى الحُب

تَكشِفُ الذاتُ الكاتِبة عنْ ذاتِها ومَشروعِها الشِّعري في «أوانِ الحكاية»، البابِ الأول لِلكِتاب. كَشفٌ يَستند إلى اكتمال «فُصول المَحبة» بِقلبِها. إنَّ فصولَ المَحبَّة هي ذاتُها فُصولُ الحكايَة «المُحِبَّة»، التي لا تتكفَّل الذاتُ بِكتابَتِها إلا بِوصفِها إحدى فيوضات القلب في فَصل اكتمالِه. فَصلُ يقع خارجَ الفصول لأنه يَرْهَنُ الوقتَ والعاشِقَ والشاعِرَ بِزَمَنية العِشق المُحوِّلة. ما تنفُثُه الذاتُ الشاعرةُ مِن لَهبِ المُخيِّلَة المُحِبَّة لِكتابة سيرةِ هجرة الحُب يُضيء «حُزنَ الملائكة المَهزومين» في مُحيّا العاشِقين. مُحيَّا الملاكِ المصعوقِ بالأنوار التي تَشدُّه إلى مُستحيلِه المُتعالي: «عتبات الرب».

لا تُقيمُ الذاتُ الكاتبةُ تمامًا في هذا المكان «المُتعالي» (الصوفي)، ولكنَّها تَستدرِجُ بَعضَ شُذورِه بِغنائية مَأساوية مُتوهِّجة، تَضيءُ حُزنَ العاشِق في هِجرتِه إلى الحُبِّ الإنساني هَرَبًا مِنْ تصلُّبِ القيم الجماعية القاهِرة: «جورُ القبيلة». إنها هِجْرَةٌ إلى الحُبِّ بِوَصفِه وَعدًا باللقاء المُتجدِّدِ، الذي يُخصب القلبَ ومُخيِّلَتَه المُحبَّة: «نَهَضَ المحارُ في يَديها/ وازرقَّ في كفَّيْكَ الماءُ بَحْرًا وسماءً/ يَخضَرُّ اللقاء/ تُزهِرُ أنوارُ المدينةِ التي خرِسَتْ منذُ افتَرَقْتُما». ولا يَنفصِلُ هذا الوَعدُ باللقاء عَنْ فيوضاتِه الشعرية، التي تجعل العِشقَ مضاعَفًا: فهو عشقُ للقاء بِجسَد الحبيب وبالقصيدةِ التي تنجُمُ عن تلك التجربة وَتُؤبِّدُها: «تَحتَضِنُها فَتُحيلُ جَسَدَها مِحبرة/ وقارورَة حنين/ تَترُكُ عِطرَها على ضلوعِكَ يُناغي قصائدَكَ في غيابِها». إن ما يَفرضُه الحُبُّ/ العِطرُ مِن تَجربةِ التَّلاشي، بالرغم من إيروسيتِها الواضحة (جَسَد/ مِحبرة/ قارورة)، تُثبِّتُه القصيدةُ في مكانِه الشعري الأثير، غير القابل لِلنِّسيان أو المَحو.

لِمُقاوَمَةِ هذا النِّسيان، يَتدخَّل الشِّعْرُ وتَكونُ حَيوية الكِتابة. تُنسَجُ خُيوطُ هذا التأويل داخل الكتابة نَفسِها، فالشاعِرةُ تجعلُ من العاشِق شاعِرًا، قادِرًا، بالرغم من هشاشتِه أو بِفضلِها، على تثبيت المُقاوَمة/ الصَّبر في «كِتاب الألف مُستقيمًا». وَرُبَّما ليس عَملُ الشاعرة سوسن دهنيم، في النهاية، إلا «تأويلًا» شعريًّا مُضاعَفًا لِما وَرَدَ في هذا الكِتاب: «هُنا رسائلُكَ لها/ هُنا كلماتُها إليكَ». إنَّ رجفة «الأحرف» المُحِبَّة في تجربة هذا الكتاب، تُحاوِل الصمودَ أمام رياح الجماعة القاهِرة، كما أن التأويلَ الشعريَّ، الذي تقترحُه الشاعرة يَجعلُها خالدة في أعين «الناظرين لِنور حُبِّكُما».

تَكتُبُ الذاتُ في «قُبيل الرحيل» (الباب الثاني) وَحدةَ العاشِقِ وَوحشَتَه، بعد أن «تثاقَلَتْ ضَحكاتُ الصباح عَن زِيارَةِ ذاكِرَتِه». تثاقُل يَكشِفُ عن ضَغط قُوَّة الجماعَة القاهرة، التي لَم تَعُد تُحيلُ بين لِقاء الأُلَّافِ فَحسب، بَل تَنصبُ حَواجِزَ بين العاشِق وذاكِرتِه. إنه امتهانٌ للجَسَدِ المُحِبِّ ولِمُخيِّلَتِه المُحِبَّة أيضًا. هذا ما يَكشِفُ عنه الـ»صوت» في هذا الباب، وهو في كتاب دهنيم أقرب إلى صَوتِ «الراوي» العليمِ، أو صوتِ الضميرِ الشعري الذي تختفي وراءَه الشاعِرة، دون أن تكشِفَ عن أناها مباشرة. صَوت يتناوَبُ، في هذا الباب، الإضاءة الشعرية مع صوت «الغريب»، الذي يكشِفُ في مُجمَل الكِتابِ عن ذاتِ العاشِق، بَطلِ سيرَة الهِجْرَةِ إلى الحُبِّ.

صوت الضمير

يَرْسُمُ «صوتُ» الضَّمير، في هذا الباب، صورَةً طافِحة بالحُزن والمَرارة، تَغرَقُ في حُلْكَتِها وُجوهُ: العاشِق والأم والنِّساء العاشقات، ومِن ضِمنهِن حبيبة «الغريب»، التي يُؤجَّل صَوتُها إلى البابين الشِّعريين القادمين. صوتُ الضميرِ هُنا، يَرصُدُ الغيابَ والاِنتظارَ اللذين يَتأجَّجُ لَهبُهُما، مُحوِّلًا ذاكرةَ العاشِق إلى «بُركان». إنَّ المُخيِّلة المُحِبة تحترِق تحت قُوَّة لَهبِها، إذا لَم تجدْ مُتنفَّسًا شعريًّا يتحقَّقُ عبرَه التَّصعيدُ ووعْدُ اللقاء، وهو ما مِن شأنِه أن يُنقِذ، في النهاية، هذه المُخيِّلَة ذاتِها؛ لأنه يَمنَحُها مدى في الهجرة وفي القصيدةِ التي تكتُبُها. في الشعر إذن ينكَتِبُ وَعدُ هذه الذاكِرة، وفاءً لِلَهَبِها الذي يَدفَعُ بِقصَّة الحُبِّ نحو تَحقُّقٍ جديدٍ، عبر فعل الهجرة: في الأرض والقصيدة.

صَوتُ الضمير يَحتَضِن حُزنَ العاشِق وأشواقَ العاشِقات المُتوحِّدات، اللواتي لَم يتبقَّ لَهُن سوى رَتْق أحلام التحرُّر: «نساء يَخِطن دمعاتِهِنَّ قلائدَ لا تَنفَرِطُ/ يَرسُمْنَ على أذرُعِهِنَّ أجنحة.. ويَتبخَّرْنَ». إن التَّحلِّي بالذاتي، المالِح الشفاف، المُستقطَر من الأعماق الجَريحة (الدَّمع)، يَحدثُ عبر المُخيِّلة المُحِبَّة لِنسوةٍ عاشقات، يَنسُجْنَ مِن ذلك «قلائد» مُتماسِكة، مثلما يَرسُمن «أجنحة» تُسعِف أذرعُهن على الهجرة والتلاشي. إنَّ الحُلمَ بالهجرة إلى الحُب هو ما يَنسُجُ الحُلم الشعري الكبير في هذا الباب. بيد أن هذا الحُلم يتبأَّرُ أكثر في ذات العاشِق/ الغريب، ومن خلال ملفوظِه الشعري، الذي يَتوجَّهُ بِخِطابٍ حارٍّ إلى الوطن، وكأنه يَرْتَجِلُ ترتيلةَ وداعٍ حارقة إليه؛ لأنه لَم يَستطِع الوفاءَ لِمقام الحُلم والتبجيل الذي يُكنُّه له العاشِق: «تمنيتُكَ إلهًا وجنة ووطنًا… يا بلدي».

يَستحضِرُ مَلفوظُ العاشِق أيضًا «البيتَ»، مكانَ ولادةِ الرُّوح والجَسد، الذي يَستعدُّ لِاحتضان غيابَه. العاشِقُ لم يَعُدْ له فيه مكانًا، منذ أنِ افتُقِدَ ذلك الجَدَلُ السَّعيدُ القائمُ بين الوطن والبيت. إنَّ التوتُّر المأساويَّ الحزينَ هو ما يَطبعُ الآن العلاقة بَينهُما؛ لذلك، فإنَّ المكانَ الأمومِيَّ المفجوعَ في ابنِه العاشِق، لا يَملكُ له إلا «دعاءً لا يَذوي». إن الهجرة إلى الحُب تتمرأى الآنَ بِوصفِها قدَرًا شِعريًّا مُخَلِّصًا، تتأهَّب الذاتُ لِوَضْع نَفسِها في تيارِه إنقاذًا للحُبِّ ولِمخيِّلَتِه المُحِبَّة، التي تَتجسَّدُ جُزئيًّا في «كتاب» العاشِق. كتابٌ امتدَّتْ إليه أيدي الجماعَة المُتصلِّبة ومُؤسَّسة الموت: «أرحلُ وفي البيت غِربانٌ يتفقَّدون سريري/ يُمَزِّقون كِتابًا خبَّأتُه طَويلًا تحت وِسادَتي/ ونَسيتُ عَيْني اليُسرى في صَفْحَتِه الأخيرَة/ وفي غِلافِه أودعتُ قَبْرَ أبي». الهجرةُ إلى الحُبِّ هي أيضًا، بالمعنى القوي، إنقاذٌ للمخيِّلة المُحِبَّة، التي تَختزِنُ بأعماقِها، بِأسطر مِن لهب لا يَنطفئ، إرثَ الدَّم (الأم والأب) وكِتابَ الحُبِّ والحياة.

يَتَّسِعُ البابُ الثالث «بين مَوجَتَيْنِ» لِصَوْتِ العاشقة أيضًا بِوَسْمِها «سمراء» المنامة. منذُ الآن، تتواتَر في الكِتاب ثلاثة ملفوظات/ أصوات شعرية: صوت، الغريب، سمراء، لِتَرْسُمَ مِن زوايا مُتقاطِعة مَشهَدَ الهجرةِ إلى الحُب، بِمُختلَف هواجِسِه ورُؤاه وأحلامِه ووساوسِه المُقلِقة. رَسْمٌ يَعتمِدُ تراسُلَ المُخيِّلةِ المُحِبَّة، التي تتعدَّدُ أصداؤها بِفعلِ تَشابُك عناصرِها وأصواتِها، فتَتجِهُ مُتضافِرَةً إلى نَسجِ مُتخيَّل الحُبِّ في كِتاب الشاعرة. مُتخيَّلٌ لا تَنفَصِلُ تَداعياتُه عن مكابدة الهجرة إليه، عبر «سفينة» العشاق، أمَلًا في أن «تدنو البداية» الجديدة، و»تنتشي الوحدَةُ السافِرة».

يَرسُمُ «صوتُ» الضميرِ/ الرَّاوي، في هذا الباب، تَعرجاتِ هذا الأمل، عبر اكتناه ما يَخترقُه من طاقة وهواجس مختلفة تذهَب حدَّ نَثرِ اللعنات: «يلعنون صلصالًا وتفاحة ويهذون». إنهم جماعةُ الغرباء/ التائهين، اللذين يُهيّئ لهم قَدَرُ النفي صيغتَه الجمعية، فلا تَقِفُ حالة «الغريب» مَعزولةً، بل تحظى بِصوغ شعري يَضعُها في مَوقِع البُؤرة والفرادة الشعرية. ثمة إذن هِجرةٌ تتسعُ لِذواتٍ أخرى مضطهدة مِن الجنسين، تُقِلُّ، على نحو فردي، «سفينة» العشق، فيعرضُ الواحدُ منها جُروحَه على ماء البحر. إن هجرةَ «الغريبِ» إلى الحُب، يُترجِمُ، في هذا الباب، رغبةً مأساوية في تَجاوُز «الدَّم» الذي يَشخُبُ أيضًا في رؤية العرّافة الشابة، التي ارتعبتْ من هَوْل الرؤيا).

صوت الغريب

على أرضية قارَب الحُبِّ، يَحدُثُ لقاءُ العاشقين: الغريبُ وسمراء المنامة. يُوحِّد بينهما الحُبُّ وجِراحُ النفي وأحلامُ الحرية. «تكون له في القارب شِراعًا/ فَيغدو لها سارِية أمان». يَجْمَعُ بَين العاشقين أيضًا، عالمُ مِن الأشياء البَحرية الصغيرة (قواقع، أصداف، بياض هَمْس وسَمر) تُضفي شاعِرية حزينةً على وُجودِهما، محفزة بذلك أفعالَ الشِّعر المُنقِذة والمُحوِّلة: «تتكوَّرُ بينَهُما المسافَة فتغدو قَمَرًا/ تبسِطُ له الكفَّ أرضًا ووطنًا/ فَيُعلِّقُ قصائدَه على أنامِلِها بعد أن كتَبها بالدمع». ثمة شيءٌ مديدٌ ومُرهَفٌ مِنْ رومانسية الوجدان والبَوح، يُرخي ظِلالَه على العاشِقَين، فيُضفي على لقائهما عذوبَة داخلية، تَنتصرُ على أهوال النفي وجِراحِه.

الجَسارةُ والعذوبة يتقاطعان إذن في ذات العاشِق، فتَجعلُ الواحِدَ منهما سَنَدًا لِلآخَر: «تُرمِّمُ سمراء اليمامة روحَه»، فيما هو «يسألُ الأفقَ عن مَهدٍ سُرِقَ مِن الغصَّة الأولى». إن الهجرة إلى الحُب مُحفَّزة هُنا بِرغبة محمومة في استعادة صرخة الولادة النقية، بعيدًا عمّا تغُصُّ به أفعال الجماعة ومَلفوظاتُها من صِيغ الحرمان والِانتهاك؛ لذلك، فمع «كل هبَّة ريحٍ تَهُبُّ تَلِدُ أرواحًا جديدة في أجسادٍ مَزَّقَتْها البِحَارُ»، هكذا، يرى «صوت» الضمير. إنَّ الولاداتِ الجديدةَ المأمولة، مُستعِدّة لكل أشكال التَّمزُّق، أمَلًا في تَرميم الرُّوح وَوِلادتِها في كَنفِ الحُرية من جديد. الشِّعرُ والبَحرُ وثراءُ المُخيِّلة المُحِبَّة لِلعُشاق، تُشكِّل مُجتمِعة زادَ الذات في طريق هذه الولادة العسيرة.

يَتبأّرُ صوتُ «الغريب» في «بين مَوجتين» (الباب الثالث) حَولَ تجربَة الحُب محمولَة على بَحْر القصيدة. إن الشِّعر هو البحرُ الآخَر الذي يَحضن مَرْكَبَ العاشِق، فيجعلُ ملفوظَاته الحُرَّة، تتلوَّن بوجدان العاشِق وبِمُخيِّلَتِه المُحِبة، وهو في حضرة «سمراء اليمامة»، التي تُسلِّمُ روحه «لِجنَّة الأمل» فيما هي «تفردُ قَلبَها للريح». وإذْ تمتزجُ أنفاسُ العاشقين وأحلامُهما، فإن ذلك يَحدُثُ على «مَرْكَب» الشِّعْرِ المَحمولِ على تياراتِ المُخيِّلة المُحبة، المُخترَقةِ، في هذا الباب أيضًا، بصوتِ الأم وذاكرة البيت والعناصِر (الماء والنار والهواء والنبات).

إن الغريبَ لا يبني هِجرته إلى الحُب، إلا مُحتضِنًا لِكُلِّ ما يَصْنعُ ثراءَ تجربةِ الحُب ومُعجِزتَه المُحوِّلة، فتتقاطعُ تداعياتُ الطفولة بكل وشائجها واستدعاءاتها الرمزية الثمينة: «أخبِّئكِ في القلب غيمةً/ نوارِسَ تَجمَّعَتْ في حوش بيتِنا الخَلفِيِّ في انتظار خُبز أمّي/ أصيص نعناعٍ يُسكِرُ الحواسَّ كُلَّما هَبَّ نَسيمٌ/ ابتسامَة أمٍّ تُطفِئُ النور بِحذر كي لا يَستَيْقِظَ سريرُ طفلِها الخالي». إن الغريبَ، العاشِق/ الشاعِرَ لا يَتوانى، في ملفوظات عديدة، في سردِ أفعال الحبِّ غيرِ المُتعدِّية، التي تَحْدُثُ على مستوى اللغة المجازية، فتبقى مُتفجِّرَةً ضِمن مُخيِّلةٍ مُحِبةٍ، شديدةِ الحَفر والاتِّقادِ فيما هي تُعلِنُ الحبيبةَ «لَهفَةً ولَهبًا».

إنه اتقادٌ لا يَعدَمُ، مع ذلك، لحظاتِ سَلْبٍ، يُحوِّمُ فيها «الفقدُ» مَهدِّدًا بإغراق مركبِ العِشق في كوابيسِه المُخرِّبة. تتمرأى العاشِقة «سمراء اليمامة» لِلعاشِق/ الشاعر، في مثل هذه اللحظات، وهي تزرع «عينيْها» الرائيتين في قلبِه مُتذرِّعةً بالرحيل، مُتسائلة: من أنتَ تَحمِلُ البينَ فوقَ أيامِك/ والمساءاتُ تذرِفُك؟». إن السلبَ، مُخترَقًا بالهواجِس؛ إذ «يَهدِرُ دَم القصيدة»، فإنما يُصعِّدُ من تجربة الهول، التي تجعل الحبَّ والهجرةَ إليه، تجربة حُدودية، لا تعدُ بتجديد الولادة إلا مِن داخل تجربة التيه والتمزقات.

صوت سمراء

لِـ «سمراء» صَوتُها الشِّعري في: بين مَوجَتين. هي طرفٌ في قصة الهجرة إلى الحُب وفي صَوغِها الشِّعري. تطفحُ أناها الغنائية العالية بهواجس رؤيوية، تخترقُ سُمكَ الخطابات والأزمنة للقبض على المعنى. إنها لا تفعل ذلك، من زاوية الرائي المؤوِّل من مكان حصينِ وناءٍ، بل من داخل تجربة الهول: «شدّنا منفى إذا لَم نستطع/ مَنحَ المنامة مَرجَها وسماءَها». مَنفى تَشهدُ معه الذاتُ أنّ كُلَّ عذابها «سَفَرٌ إلى المعنى»، الذي يجعل أهوالَ الهجرة إلى الحُب، لا تَنفَصلِ عَن أهوال البحث عن المَعنى: «مِن شائع التأويل جئنا/ غُصَّة لِتلاعُبِ المعنى بنا». إنَّ الانفصالَ عَن الشائع في المعاني (التأويل)، هو قدرُ الذوات التي تهاجر إلى معناها الشخصي، الذي يَجعل كيانَها يتوهَّج بعلامات الحياة والحرية.

تَتكِئُ «سمراء» على ذاكرتها الرؤيوية (زرقاء اليمامة)، لقراءة الماضي وتبديد عتمات المستقبل. الشِّعْرُ حيوي في هذه الذاكرة التي تصلُها بنشيد المعلقات: «لي في الجاهليين اعتذارُ ذهابهم في الريح/ لي فيهم معلَّقةٌ وأسرارٌ وذَبْحٌ فاره/ وأنا الفراشة، زُرقةُ التأويل…/ أدافِعُ عن مجالٍ فَرَّ مِن شَبحي ومِنّي». إن تموُّجًا درويشيًّا (محمود درويش) يَمهُر صَوتَ «سمراء» في هذا الملفوظ، بِسَبكِه وغنائيته العالية، التي تَجعل الذات تجمح لِلسيطرة على مَوضوعها وخِطابِها، حتى في مَواطن الهشاشة: «باتجاه العتمة ستهاجِرُ الروح/… ترتوي بِغُربتِك فتُنجِبُ قَصيدتين…». تَموُّجٌ سرعان ما يَلينُ، لِيجعلَ صوتَ سمراء يَنبثِق أكثر من هواجس التجربة الشعرية وخُصوصيتها في الهجرة إلى الحب.

ثمة خشيةٌ في صوتِ «سمراء». إن تَوتُّرًا رُؤيويًّا مَوصولًا بِأهوال التجربة، يَتكلَّم أحيانًا في صوتِها: «كل شيء ينأى، وليس لنا إلا شِراعٌ تَقاسَمْنا بياضَه/ ودنَّسناه». هذا الصوت المُرتاب، الذي يجهد لترويض الدياجير، لا يبرحُ هشاشته الإنسانية. إنه صوت «عاشقة» جريج، وهو بالرغم مِن كُل مَزاياه الشِّعرية، لا يتكلَّم بِاسم مَلاك يَطوي الأرض ناشِرًا نورَه في الأرجاء. لذلك، ترين هذه الخشية، باسِطة ظلالها الشفافة على الملفوظ الشعري: «أخشى الوصول/… أقرأ لك فنجان الصباح بعينين مفتوحتين على جمر التأويل:/ كُلما البردُ انتدبَ أحصنتَه/ أضع عينيَّ في صوتِك/ أتذرَّعُ بِدِفْئكَ وأقْرَؤك». إن صوت «سمراء» المنامة لا يجمحُ غِنائيًّا ورؤيويًّا، إلا مُحتضِنًا هشاشته الشعرية الإنسانية.

يَستأنِفُ الباب الأخير «بلاد جديدة»، بأصواته الثلاثة، لملمة هواجس حارقة في تجربة الهجرة إلى الحُب. تتقد أكثر شعلة تأويل التجربة وهي تقترب من النهاية. ثمة فرحٌ بِصوت الحُبِّ، يَأتي على لِسان الذوات الثلاثة المُتكلمة في تجربة الشاعرة (سوسن دهنيم)، مثلما ثمَّة حُزنٌ يَرين مُستقرِئًا لحظات الصمت والانطفاء. فالعاشِقة، في تأويل «صوت» الضمير/ الراوي، «تقف على حافة الجليد» في روح العاشِق، ومَرَّة «يمنحُ الطريقُ لخطواتِها كمنجات/ كلما حان اللقاء/ وحين الفراق تجهش الأزقة بالنشيج». العاشقان، على لسان هذا الصوت، المُبشِّر والمُنذِر في آن، «كلَّما تَماديا في الأمل/ يَأخُذان حِصَّتهُما مِن الخَسارات». وإذا كان الله، قد خلَق الندى من رحيق العاشقة، فإن صوت البطش «جفَّف الرحيقَ/ وخنق الندى».

في كلام العاشق «الغَريب»، استئنافٌ لِلحُلمِ، لن يَتمكَّن، في النِّهاية، مِن إضفاء مآلٍ انتصاري على الهجرة إلى الحُب. إن التشبث بالعاشِقة «سمراء» هو تشبتٌ باللغة، مَسكنِ الروح وثروة اللغة الشعرية المُحِبة: «تهبينني لُغتي»، «أنتِ معي أهاجر لعينيكِ/…أنتبِهُ من حلمي/ أسمع الله يُهدهِدُني/ ويُزيِّنُ في قلبي الأبجدية». إن اللغة المحِبة، الشفافة، المُنقِذة، هي الجُزء المنتصِرُ في خِطاب العاشق؛ لذلك تَستأنِفُ بَريقَها في كلامِه، وفيما يَصوغُه مِن رؤى واستيهامات فردوسية لِذاتِ العشق وللمعشوقة: «أجمعُ من الشاطئ بقايا خطواتِكِ/ أعبئها في قنينة/ فأشرَبُها ماءً عند الحنين». إن هذه الاستيهامات تبقى متأجِّجة في خِطاب العاشِق، بالرغم مِن مآل النهاية والانطفاء الذي يُفصح عنه «صوت» الضمير/ الراوي: «تضعُ النهايةُ نُقطَتَها/ ترويها بِدم سمراء المنامَةِ ودمعة الغريب»/ مغمورة بالغياب».

تتكشَّف التجربةُ المُحِبة بذلك عن مأساة «النهاية»، التي تُبيِّنُ أنَّ ما يَحدُث على أرضية الذات والخطاب، يَشحُبُ أثرُه في أرضية هذه البلاد الجديدة. إن البحث عن معنى الحب والِارتواء من ثراء كيانِه المُحوِّل، يَصطدِم بِسطوة التقليد والهواجس المُحبِطة. ثمة حيِّز واسِعٌ للتلذذ بِهَمس الحُب وأصواتِه الحانية وخطواتِ المُقتحمة، واستيهاماتِه الشعرية المُحلِّقة، لكن ثمة أيضًا الوساوسُ الذكورية وسلطتها الجماعية (القبيلة)، التي تحوِّل تجربة الحُب إلى لُعبة «ورقية» مُفرَغة من أثرِها الكياني المُحوِّل. وقد تكشّف هذا التأويل، في النهاية، على لسان «سمراء»: «حين كسرتُ القيدَ الذي لففتَه حول خصري/ خشية مراقصة غيركَ عند كتابة قصيدةٍ جديدة/ اكتشفتُ بأنَّك كائنٌ ورقي». إن الهجرة إلى الحُب، بالرغم من شُعلة لُغتِها الفردوسية، التي تُضيءُ كثيرًا من ملفوظات العمل الشعري، تبقى مُخترَقة أيضًا بِهذا الصَّوت المُحبِط، الذي يَتسرَّب من منافذ التقليد والذكورية، لِيحكم على تجربة الحُب بالانطفاء.

«حيث تجلس أيامي الميتة» باكورة الشاعر الإماراتي علي المازمي ينحني على جراحه الوجودية ومزقه المتناثرة غير القابلة للرتق

«حيث تجلس أيامي الميتة» باكورة الشاعر الإماراتي

علي المازمي ينحني على جراحه الوجودية ومزقه المتناثرة غير القابلة للرتق

ليس في ديوان الشاعر الإماراتي علي المازمي «حيث تجلس أيامي الميتة» (منشورات المتوسط) جنوح لبناء الكتاب الشعري، وفق إستراتيجية متولدة عن خطاطة مسبقة. بيد أن طموحه الشعري، يتجه نحو تركيب قصيدة نثر جديدة، تتبادل تراسلات وتفجرات ملتهبة، على امتداد نصوص الكتابة، التي تحتضن بنى ثيماتية هوسية لا تنفصل عن هوس تجديد الشكل النثري، في قصيدة متطلبة، منغرسة في أرض تجربتها الشعرية الوجودية. إن اتقاد تجربة الكتابة، بوحدة هواجسها الوجودية الحارقة، التي ما تفتأ تتكرر وتعود، على نحو هوسي خلاق، هو ما ينهض هنا مبررًا داخليًّا لبناء الكتاب، الذي يعتمد القفز والتوتر بدل الاسترسال والتدرج.

روح بريئة في عالم ملعون

لن نقارب إذن كتاب المازمي وفق تنامِ داخلي تفترضه أو تستدعيه بنيته النصية، وإنما وفق ما يمكن أن تسبغه القراءة على ثرائه النصي وتفجراته الشعرية، من وضوح يضيء ما تعتم أو خفي أو حتى تبدد بين الثنايا والتجويفات، مع التوكيد أن الشاعر لا يؤسس هنا تجربته الشعرية على منطق الغموض و«الرسالة التائهة»، بل يهبط (أو يقفز) إلى قيعانه الداخلية، مودعًا رؤياه العميقة، والمخيفة، في عبارات لا تتنازل، بالرغم من وعورة اللحظة الوجودية وحلكتها، عن حظها من الشفافية، التي تقتضي جهدًا في البناء وتطويع اللغة، وإن كان لا يظهر أثر ذلك، بشكل جلي، في جلد لغة الشاعر، التي تخرج من خضاتها الوجودية الهائلة، بنظارة أقرب إلى روح البراءة.

تتناثر صورة متخيلة ومركبة لـ«الشاعر» في كثير من نصوص المازمي. إن حلكة اللحظات الوجودية، كثيرًا ما تفرض انقلابًا للنظر باتجاه الداخل، الذي تتفجر منه الرؤى والأناشيد الملتاعة، المحملة بإحساس عميق باللعنة. هنا، وإن كان الشاعر يكشف عن شجرة أنسابه في ثراء الرمزية الفرنسية بشعرائها «الملاعين»، الذين يحولون الإحساس بالذنب أو الخطيئة أو حتى التمرد وسوء التفاهم، إلى فن وجمالية في الرؤية إلى الحياة والشعر والعالم- فإنه ينفرد بخصوصيته الشعرية، فيما هو يدفع بذلك الثراء «الملعون» نحو منابع الحياة نفسها، وما تنطوي عليها نواتها العميقة من قسوة وعبث وفقدان للمعنى، دون نسيان للشرط الإنساني نفسه، المفتقد، بحكم التقليد والدوافع الغامضة، إلى جدارته الإنسانية، التي تسمح لفسحة العيش بالتفتح والإيناع والنفاذ.

تبدو الحياة، في هذا المنظور، ليلًا من الأرق اللانهائي، لا ينفلت الشاعر من أسره، ويتخذ من جحيمه مكانه الأثير، الملعون؛ لامتصاص لهبه الداخلي ونفثه في وجه العالم والكلمات والأشياء. أرقٌ طويل وعميق في آن، يأخذ أحيانًا معنى الموت نفسه، لا يستيقظ منه الشاعر، ولا يخرج منه سوى بـ«جرعة شعر» (ص 35). هذا الدوران الوجودي، العبثي، المدوخ، في حلقة هذا الأرق، هو ما تكتبه الذات الشاعرة، وتجهد لتبني من خلاله عالمًا قائمًا بذاته، بظلاله وغيومه وشمسه السوداء وبرده ونزفه الداخلي الذي ينطلق من الذات، ليمتد سيلانه البطيء في كل مكان. إنه قدر الشاعر: «أتأوه سرًّا خلف الوجود» (ص 13)، يستسلم له بقوة، بوعي لا ينفصل عن الغريزة، مستقطرًا، في قصائد نثر سطرية مكثفة (غالبًا)، أناشيده الليلية الحارقة: «لا توقظوني…/ دعوني بقلقي/ باحثًا عن ارتباكات الوجود/ وثغرة الكون العظيمة» (ص 32).

ينفصل شاعر اللعنة، في كتاب المازمي، عن التراث الرؤيوي لشعرية النبوة في قصيدة الحداثة. فالشاعر ليس ذلك المعذب بتحولات تموزية تجعل منه رائيًّا ونبيًّا، يخترق الحجب والحدود، سابرًا غياهب المجهول، وإنما ذلك الكيان «الشقي»، الذي لم يملك، تجاه رؤاه اليائسة وأفعال الوجود العبثية، سوى جرح نفسه ورفع «نبراس العدم» وارتجال أعمال القسوة، الفظيعة والمجانية في آن: «هنا كنت في ماض قريب، على بعد خطوات من اليوم، عندما سرقوا آخر أصابعك، ورفعت نبراس العدم، ضربت بالمناجل المصلين، أنا دفنتهم ولم أبكِ» (ص 35). تذكر هذه النبرة بـ«أناشيد مالدرور» للوتريامون، وإن كانت تجد في تجربة الشاعر المازمي بعض التبرير الشعري، الذي يحولها إلى صرخة هلع واحتجاج في وجه عالم يغيب عنه (أو يغيب بقسوة) وجه الأم: منبع الحنان والارتواء الوجودي. وإذا كان ثمة، في عمل المازمي، من رؤيا معذبة باستحالتها، فهي رؤيا تكتبها الذات الشاعرة في قصيدتها التدشينية، بالإنصات إلى صوت المعذبين في الأرض بيتمهم: «رافعين أصواتهم، والريح تشتد: أول الأيتام أنا» (ص 5).

الجرح الأنثوي- الأمومي

إن الانعطاف نحو الأنا في الملفوظ الشعري، يشكل أحد مواطن الخصب في تجربة الديوان. بيد أن هذه الأنا ليست أنا الذات أو الآخر، على نحو مباشر ومتعين في الأحياز الخارجية، ولكنها أنا الشرط الوجودي، غير المنفصل عن تشكيل الكتابة وهواجسها، في جدلها غير السعيد مع الذات والعالم. هذا التشكيل هو ما يجعل منها تأويلًا أورفيًّا جديدًا للحياة، ينظر عميقًا في مواطن الجرح، ولكن دونما قدرة على الحلم بالتعافي أو الخلاص. إن الحياة تظل ممعنةً في هربها وانحدارها الغسقي الذي لا يتوقف، ما دامت الأم «تتعفن في وحشتها»، وما دامت الأشعار/ الأزهار، ليست أكثر من باقات عبثية، يرمي بها الشاعر «تتطاير في وجه العالم، في قبرها الكبير» (ص 36).

لا يصعد، من تجاويف الجرح، نزيف الأمومة بوحشة غيابها فحسب، بل تلتقي، في لحظة غامضة من الكتابة، جراح انقسام الأنوثة على ذاتها، فتبدو المرأة في توتر حارق مع نفسها أو تاريخها. إنها إحدى ذرى اللحظات الوجودية الصعبة، التي تسلل الشعر إلى حكايتها، المكثفة، الغامضة، من خلال عبور ميتافيزيقي لـ«الشط القديم»، تلتقي المرأةُ خلاله «سيدةَ الجذور»، لقاءً لا يترتب عنه البوح والاعتراف القاسي، المكتوم طويلًا فحسب، بل كشف مرير عن تاريخ من الجراح الذاتية المتعفنة، التي كانت المرأة/ الأم مصدرها وأداتها: «قالت: جئت إليك حافية، وعبرت تاريخنا بجراحي كلها، بساقي التي طالما هجوتها، وريشي المنتوف في الصبا، جئت إليك ولا عذر في يدي، أرى أنك ما زلت تحتفظين بدموعي الساحقة، كم كان مؤلمًا أن تضرب امرأةٌ بدموعها ! ذكريني كم مرة مت على يديك» (ص 37). إنها، فعلًا لحظة نادرة، يتكئ فيها الجرح الأنثوي- الأمومي على تمزق تاريخه الشخصي؛ ليكشف، في ملفوظ شعري مخترق بصوت المرأة نفسها، عن مأساة الإرادة الأنثوية المقيدة، أسيرة المثل الممْلاة عليها، وضحية افتراسها.

ليس «الشاعر» في عمل المازمي أكثر من «مغترب في خرائب الوجود» (ص59). مغترب تصعد أناشيده في صيغة كوابيس مبعثرة، ومزق وجودية حارقة، مستعصية على الرتق والالتئام، تستنفد الزمن بوصفه أرقًا وجوديًّا مديدًا، تنهار معه الحدود والبراهين والحقائق والجماليات، فـ«يغرس الضياع نابه العجوز في معانينا» (ص 8). ضياع تفتقد معه الجدوى، فلا تملك الذات الكاتبة إلا أن تعلن يأسها على لسان الشاعر: «سأغادر مقوسًا ظهري باتجاه الماضي، راميًا رأسي خلفي لينفجر» (ص11). مغادرة تستغرقها الالتفاتة العدمية إلى الخلف، عديمة الجدوى والقيمة، التي ترى الفساد ساريًا في الزمن والعلاقات الإنسانية، وفي صلب خلية الحياة نفسها، حيث لا خلاص يبدو ممكنًا، ما دامت القيم القوية «المثالية»، ومنها الحب، حتى الأنوثة، ترزح تحت عبء تمزقها ولعنتها الغامضة: «لنعدْ إلى ما قبل الحياة، يوم كانت في عيني، وكنت في دفئها أغتسل، ليس كمثلها أحد، انفرادةٌ محضةٌ، لكننا ولدنا، وسالتْ من مساقط رؤوسنا الدماء، تجرعْنا سم الأمهات» (ص 7).

وجود هش وعبثي

خلق الإنسان، في سياق هذه الرؤية العبثية، بمصنع. حيث «ماكينة عملاقة تصنع الأجساد وترمي الرؤوس عليها». مصنعٌ، خلق فيه الشاعر من شحنة، كان لا بد أنْ «يسهو عنها العمال». من قلب هذا الكشف، بوصفه نبوءة وثنية مضادة، يستقي الشاعر رؤياه المرعبة: «كل آلاف السنين كانت طريقًا للموت، والذين يحفرون هذا القبر العملاق، لا يعرفون شيئًا عن براغيث ناعمة، ولدوا داخل هذه الجثة» (ص 39).

على هذه الوثيرة، تستأنف الذات الشاعرة بناء عالمها الشعري، مدلية بوثائق ملتهبة من كوابيسها وأحلامها ومسرحها الداخلي، الذي يظهر فيه الإنسان عاريًا، مجردًا من مزاياه، التي تحولت بقوة قاهرة إلى لعنات ووساوس، لا مجال معها لتفاؤل الإرادة الشعرية، ما دامت كل الأفعال عبثية، وفاقدة للجدوى. إن سوء التفاهم وعلاقة التبرم القائمة بين الإنسان والحياة، متأصلة في نطفة «ملعونة» تخرب المعنى، وتشرف من منطقة غارقة في العدم، على انهياره. إنها تجربة ترثي ضياع الأمومة والحب والشعر واغتراب الإنسان، الذي لم يعد يجد في الحياة سوى أرق وجودي مديد، يمتد من النطفة إلى القبر. إن أناشيد الشاعر النثرية هي ابنة هذه السراديب، التي يتكرر فيها مشهد دفن لا ينتهي، يأتي على الإنسان والقيم التي ساندت وجوده
الهش والعبثي.

ينحني علي المازمي على جراحه الوجودية، ومزقه المتناثرة غير القابلة للرتق، فلا يصدر عن تصميم قبلي مفكر فيه، بل تصعد قصيدته النثرية من جوفه، ناتئة، ودامية، ناضجة بخبرتها الغريزية بعبثية الحياة وتجهم العالم، الذي لا يسمح للإرادة الشعرية بالتفتح والإيناع، في غير سراديبه وعوالمه السفلى. يندرج الحب في تجربة الشاعر المازمي، ضمن رمادية المنظور العبثي، الذي لا يجد في عالم الأرض أي أمثلة للوجود والحياة، بل نفخًا لا نهائيًّا في نطفة العدم الكبيرة.

تأويل المعنى في تجربة علي المازمي، يتصل بتمزق حبل الأمومة باكرًا، الذي حول الحياة إلى تجريد كابوسي معتم، فيما استحال العالم إلى قبر كبير، يصدر الشاعر من داخله أغانيه النثرية اليائسة. إن شيئًا وافرًا من «مثالب الولادة» يتسرب إلى عالم الشاعر علي المازمي، فيصله بتيارات التشاؤم الكبيرة بتراثنا (أبو العلاء المعري) أو تراث الإنسانية (إيميل سيوران). وهو بذلك، يكشف عن حساسية ميتافيزيقية، تساعدنا، بتعبير باشلار، على «التقرب من أوديتنا الليلية السحيقة».

«يخطئ الموتى» ديوان جديد.. إبراهيم الحسين الساهر على حِدَادِه المستحيل

«يخطئ الموتى» ديوان جديد.. إبراهيم الحسين الساهر على حِدَادِه المستحيل

تتوزع نصوص «يخطئ الموتى» (منشورات تكوين) للشاعر السعودي إبراهيم الحسين، على سبع وخمسين مقطوعة من شعر النثر، موقعة على امتداد شهر ونصف من الكتابة المحمومة (تمتد مدة كتابة هذه الفصوص الشعرية من 09 سبتمبر إلى 19 نوفمبر 2020م) المخترقة بنفس رثائي، لا تفتأ تندغم خيوطه المتعددة في نسج تفاصيل كتاب حدادي يسهر على «الموت»، محاولًا انتزاع حظه الشعري منه. غير أن الذهاب إلى هذه المنطقة الرمادية من القول، لا ينم عن تجريب مجاني، وإنما عن ضرورة شعرية موصولة عمقيًّا بالهواجس الوجودية، التي تنوء بثقلها على الذات الشاعرة فيما هي توقع خطواتها على الأرض.

يكتب الشاعر عن «الموت» انطلاقًا من «الموتى». وبقدر ما يعمل على الانفلات من التجريد والثقل الفلسفي للموضوعة الأولى، بقدر ما يتجه التشخيص، في الموضوعة الثانية (الموتى)، إلى تفرد لا شخْصي (مع الأخذ في الحسبان فعل إهداء الكتاب إلى الأم المتوفاة)، ما دامت الكلمة الوجودية -الغنائية «الموتى»- تضم في جوفها الطويل، الغائر، جمعًا عابرًا للزمن، فهم «الموتى» الذين يحملون «خطأهم» منذ أول ميتة في التاريخ، ويستمرون في حمله إلى أن تنتهي الحياة نفسها على الأرض. مسرح هؤلاء الموتى، هو ما تسْعى تجربة إبراهيم الحسين إلى كتابته بتفرد جليّ.

يتأرجح الخطاب في هذه التجربة بين الهم (الموتى) والنحن أو الأنت (الأحياء). وليس المتكلم الجمع والمخاطب المفرد في بنية التلفظ الشعرية هذه، إلا تجسيدًا لهذا الهم الوجودي الذي يخترق محفل الذات الشاعرة، فيما هي تجسد تجربة الأحياء الذين يتعين عليهم تدبير إرث الغياب الذي تركه لهم «الموتى». إن الموتى ينهضون من «تشظيهم» في صوت الشاعر، ويثمرون من «شجرتهم السوداء»، التي لا يعرف من غافله وغرسها في دمه (الديوان). وهذه المقطوعات الشعرية، الفصوص، التي تشد برقاب بعضها في الكتاب الشعري، هي بعض ثمار هذه الشجرة.

تفتح فصوص هذه التجربة كوة جديدة ترى من خلالها إلى الموت، هي كوة «الموتى» الذين «يسقون جمرة في الذاكرة» (الديوان). عبرها، تنظر إلى مسرحهم الداخلي الذي يؤلم بأفعاله الحارقة، حتى وإن بدتْ رتيبة وساكنة. ومع انزياح التجربة عن ملاحقة أي تفرد لموت شخصي يقوم في صميم نسيجها الداخلي، فهي تمنح مثل هذا التفرد الشعري لتجربة «الميت» ولكنْ بصيغة الجمع. وبذلك، ينتفي أي فرق، في المقترب الشعري، بين «الميت» الشخصي و«الموتى»؛ لأن التفرد يصبح هنا تفرد تجربة في الشعر، قادرة على الانتساب إلى فن الرثاء، ولكن من خارج إطاره التغريضي القديم، ومن خارج ما تنسجه تقاليده من قيم ومتخيل مناقبي.

إن موضوعة الموت على الرغم من عراقتها المتأصلة في المناحة الإنسانية، فإنها تظل تحتفظ في التجارب الشعرية الحقة بمقاومتها لتجربة الكتابة. فعلى الرغم من استئناس الإنسان بالموت وطقوسه، فإنه يظل ذلك «الغياب» الذي يستحيل تدجينه. من ثمة، تنفتح هوة مجهولة في فن الرثاء، تظل قادرة على استنهاض تفردات كتابية، منقادة بحرقة المجهول الكامنة فيه. إن معاني الرثاء، رغم تاريخ هذا الفن، ليست مطروحة في الطريق. وإنما تظل في كل حين مدعوة للبحث والاستجلاء، انطلاقًا من تفردات وجودية وشعرية. وتجربة إبراهيم الحسين، بما تقترحه، في «يخطئ الموتى»، من مداخل في البناء والمتخيل، تضعنا في صميم هذا الطريق الجديد، الذي يجعل الكتابة انخراطًا في المجهول ومقاومة للمطروح من المعاني.

شفافية جريحة

إن ما يجري في بعض تجارب فن الرثاء «مجرى البديهة»، تهجره كتابة إبراهيم الحسين، فتبدع فصوصًا رثائية تضيء اعتمالات الحزن وعتمات التجربة، لتستقر بدورها في شفافية جريحة تأخذ «الموتى» إلى مكان يهجرون فيه موتهم؛ لأنهم ينخرطون في بناء معنى شعري جديد، توضع فيه قدمٌ على الأرض وتغوص الأخرى في الماوراء؛ لذلك، لا يعبأ «موتى» إبراهيم الحسين بما استقر من قيم وهواجس الأحياء، ويأتي «خطؤهم» مخالفًا للمتوقع في الحساسية والمنظور:

«يخطئ الموتى غيـر عابئين، يقسمون أنفسهم في إغماضة لا تعرف من أين اصطادوها، في أيْدٍ ملقاة ليست للاستعمال، في أفواه مطبـقة تمـامًا لئلا تسقط منها كلمة، في أقدام مدوها لتبقى مهذبة. هكذا أقـدامٌ طيعةٌ لا تغادر أماكنها في استلقاء اختاروه اسمًا لسيرتهم الجديدة…» (الديوان)

هذا «الاسم» الجديد لـ«سيرة الموتى»، هو ما تحرص فصوص إبراهيم الحسين على كتابته. على الذهاب إليه طرًّا ومحاولة ترويضه. على «اصطياده» من عتمات مجهول الموت. على استنطاقه من تلك «الكلمة» التي تظل عالقة بجوف الموتى، مؤتمنة على سرهم المستعصي على القبض والكتابة.

يستجمع الشاعر «سيرة الموتى» من علاماتهم المتبقية على الأرض ومن نثار آثارهم الممحوة أيضًا. يُوصَل ذلك بأنسجة جديدة من العلاقات المجهولة، التي، وإن كانت تلامس قاع العدم أحيانًا، وتغرف من دواله ودلالته، فهي تبني مواربة معنى مدعمًا للحياة. فالشاعر «يصْنع المعنى والمعنى يصنع الحياة»(رولان بارت: «لذة النص»، ترجمة فؤاد صفا، منشورات الجمل، الطبعة الأولى 2017م، ص 46)؛ لذلك، فحتى الكتابة المتبرمة، المتشائمة، تملأ معنى تبقى الحياة بحاجة إليه لتتماثل للشفاء. هذا المعنى، تسعى إليه تجربة إبراهيم الحسين دونما كلل، أفقيًّا عبر تكرار الدوال المفاتيح، وعموديًّا عبر الحفر الهادئ في أرض الموتى المستعصية، فتلتمع فوقها، في كل حين، لقيا جديدة، طافحة بتكثيف شعري وجودي يتوهج عند كل قراءة.

تحفر فصوص إبراهيم الحسين فوق حفر الموتى الصامت. الموتى لهم طرقهم المواربة في الإبقاء على أثرهم خلف علاماتهم الممحوة. إنهم يختبئون خلف «تحدب ترابهم» (الديوان)، لكن الذات الشاعرة تعرف كيف تنبش الآثار، حتى الممحوة منها؛ لإعادة بعثها مفعمة بإيحاءات وجودية، نستند إليها في النفخ في نشيد حدادنا المستعصي:

«يحفرون الهواء ويدفنون أنفسهم فيه، يحفرون الضوء ويوارون عيونهم فيه، يحفرون ذاكرتهم وينحتون غيابهم، يحفرون أصواتنا ويتمددون فيها بكامل خطئهم، يخطئون ويحفرون كلماتـنا وينسجون أطـراف حكايتـهم، يعلقونها هناك، يحدثون ثغرة في دهشتنا ويملؤونها فراغـًا حارًّا لا يمكن الاقتراب منه…» (الديوان).

كل علامات الحياة، تصبح مأوى لأثر الموتى وأشباحهم. فهم، من داخل آثارهم الممحوة والمتلاشية، يقيمون ساعين لتمديد أثر خطئهم الذي يستعصي، في العمق، على المحو والنسيان. إنهم يقيمون في الهواء الذي نستنشق، في الأصوات التي تحمل صرخاتنا وضحكنا، في الكلمات التي تصعد من جوفنا منطوية على حكايات وأمشاج من تقاطع الخطوات والمغامرات الصغيرة، وفي الدهشة، التي تتفتق أمام كل فعل غريب نراه أو نعلق بشباكه ونقع في فراغه الحار، الذي لا نستطيع التحرر منه.

بهذه العلامات (وغيرها)، تعرض تجربة إبراهيم الحسين المسرح الداخلي للموتى. فيها، يتفرج «الأحياء» على تجربة الإنسان الوجودية (مآلهم)، التي ينخرها الخطأ. لا يتجرد الأحياء من مخاوفهم وهم يتفرجون على هذا المسرح؛ لأنه ما من تطهير ينتظرهم بالنهاية، عند إنزال «الستائر» (إنهاء قراءة الديوان)، بل مزيدًا من اللوعة، هي لوعة من نظر في قاع الهاوية الإنسانية. إن جراءة فعل «الموتى» هي جراءة «من يفتح الأقفاص كلها دفعة واحدة ويترك غيابه حرًّا» (الديوان). تجرأ الموتى، فوضعونا أمام هول «فتح الأقفاص كلها» دفعة واحدة، بكل ما ترتب عليه من ضوار وجودية فتاكة، يأتي على رأسها «الغياب»، الذي يتحرك منذئذ بحرية، فاتحًا أشداقًا تفترس الأحياء؛ لأنهم يعيشون تجربة العزاء المستحيل.

استئناس طويل بالموت

يضفي الشعر هنا على فعل «الموتى» سمة الإرادة، وكأن الموت، بوصفه تجربة حدودية، فعلٌ يمارسه الإنسان بكامل إرادته. لكنها إرادة «مواربة» مجردة من القصدية وحكم المعقولية؛ لذلك، فهي تفعل موتها بـ«الخطأ»، أو تخضع الموت لفعل إنجازي قائم على الخطأ. هذا المنطق الشعري الذي يبتكره الشعر لتجربة الموت، يسمح بالنظر إليه ضمن فسحة الخيال وجاذبية المتخيل، المؤسسة لمسرح المعنى. يفرغ فعل الموت هنا من جهامته، ويزج به في خانة الأفعال «التجريبية» التي لا تتحقق، لحسن الحظ أو لسوئه، إلا بالخطأ (يخطئ الموتى فيموتون). هذا المنطق تتراجع معه قدرية الموت التراجيدية (يروض الوحش)، لتلبس رداء الفعل الإرادي الذي يفتقد إلى السداد والمعقولية. ومن ثمة، تبادر الذات الكاتبة لملء ما يفتحه هذا المنطق للمتخيل الشعري من محتملات، لا تصدر هذه المرة عن حدة الهول، وإنما تكتسي أحيانًا طابع المدهش، المفاجئ، حتى وإن كان يندرج إجمالًا ضمن الفعل السالب، الذي يجعل الحياة بعده، تضاعف إقامتها في العوز والنقصان:

«يخطئ الموتى ويتعجلون… يتعجلون فلا يكملون أذرعهم ولا يتممون أقدامهم… لم يكملوا هواءهم ولا أصواتهم ولا ما بقي لهم من الأرض» (الديوان).

فعل الاستعجال يغرق الأرض في النقص. فالموتى «يرتكبون موتهم» مبكرًا، دون أن يمنحوا أجسادَهم وإرادتَهم فرصةَ الإيناعِ «الكامل»، للتمدد وممارسة أفعال الإنجاز القوية التي تبقى متوهجة للأبد. إن مسرح الفعل الإنساني، هو، في العمق، مسرح الهشاشة والنقصان؛ لأن الموت، مهما تأجل، يستعجل طي الخطوة البشرية وإيقاف سعيها بفعل اعتباطي، تعددتْ أسبابه واتحدتْ نتائجه في ممارسة فعل البتر والتوقيف والتعطيل النهائي المبرم، الذي لا تبقى للذات أمام قوته الإنجازية غير فسحة الفن والكتابة.

خطأ «الموتى»، هو بهذا المعنى، خطأ متجذرٌ في الحياة نفسها، لكن الشاعر لا يتجه إلى «فلسفة» الموضوع، وبناء صرح من التأويلات الفكرية، وإنما يحرص على البقاء في حدود الشعر، التي هي بمفهومها الحديث حدودٌ موسعة أو مخترقة بالتماعات قادمة من أمكنة معرفية متعددة. إن حركة صامتة، وحزينة أيضًا، من التوتر أو العبث تطبع بناء هذه الفصوص الشعرية، التي تبدو مكتفية بذاتها، حتى وإن كانت تتحقق من داخل منطق الحذف والإيجاز الشعريين. والاكتفاء يطول لعبة بناء مسرح المعنى، التي لا تشتغل هنا ضمن المنطق الرمزي والأليغوري، وإنما من داخل وضوح صعب وشفافية مؤلمة، تلامس القيعان الوجودية فيما هي تلتفت لما ضاع أو بقي معلقًا من ممكنات، جراء الانقطاع المفاجئ أو الاستئناس الطويل بالموت.

موت موعود بالأمل

لا يُستدعَى «الموتى» من تعدد تجارب الموت وأسبابه، وإنما من الوحدة «المتكثرة» لنتائجه. فالموت واحدٌ وإنْ تعدد الموتى. يسحب منهم الفعل ويجعل كل الأشياء تكر وراءه. إنما، إمعانًا في مراودة الحياة، حتى بعْد الرمق الأخير، يجعل الشاعر من فعل الموت الخطأ الأخير في سلسلة أفعال «الموتى»: لعله خطؤهم الأكبر وإن مضى صامتًا مجردًا من الهالة. لا يترك الأموات وراءهم عادة سوى أجسادهم العاطلة وعلاماتهم الممحوة. الأجساد توارى التراب، بينما العلامات توارى القلوب، وتبقى هناك متوهجة تقاوم النسيان. إن ما يكتبه الشاعر في فصوصه هو ما لا يقبل الانخماد، ما يظل حيًّا في جوف الكلمات التي تضيء من أكثر مواقعها حساسية ونبضًا. الكلمات تحمل عبء هذا الموت، الذي تحرر «الموتى» من أعبائه ومضوا إلى أرض سكينتهم. تحمل هذا العبء ينجز فعل تسمية بكْر، يفتح في الكلمات فجوات غير معروفة، يجعلها تتنفس من عمق رؤيوي غير معتاد، وإن كان يتقاطع مع أخوات شعرية حاولت كتابة نص الغياب، الساهر على حداده المستحيل.

لكن، هل «يخطئ الموتى» لتصحيح خطأ أكبر هو الحياة نفسها؟ سؤالٌ لا تهجس به التجربة الشعرية ولا تصدر فصوصها عنه. وحتى عندما يتساءل الشاعر: «أكانت إقامتهم بيننا مجرد طيش أخذ ذروته في دمنا وفي أعضائنا ثم عدنا إلى رشدنا…؟» (الديوان)، فإنه يبقى مشدودًا إلى نظرة إثباتية للحياة. الكتابة عن «الموتى» مرتهنة هنا بالأمل، ولا تنحدر إلى قاع اليأس والتشاؤم. هي كتابة تقف عند «الخطأ» الذي يترتب عنه «غياب» هو الذي يسم الحياة بالهشاشة والعوز. لذلك، لا يخطئ «الأحياء» بقبول هبة الحياة، وإنما «يخطئون» بقبول فعل الموت. فعلٌ عبثي يتأسس على إرادة «مواربة» تفتقر إلى حس المعقولية؛ لذلك، تبقى الكتابة الشعرية، في هذه الفصوص، مشدودة إلى «ضوء» الحياة، الذي تكاد تختنق لانطفائه المفاجئ، وتنهض، من ثمة، بمحاولة «مستحيلة» لإشعاله من جديد. كل حياة تمضي، تترك ضوءها وظلالها وعلاماتها وشيئًا من آثار سعادتها على الأرض. إبراهيم الحسين يوقظ كلماته، لإضاءة هذه البقايا، مانحًا «معلقتنا» المعاصرة تسمية جديدة للسهر على أمل العودة المستحيل:

«يخطئ الموتى لكننا ننفخ الكلمات ونلقيها لهم فربما تمسكوا بها وعادوا، نلقي بكاءنا ونتركه طافيًا ربما انتبهوا له…» (الديوان) «لا يعود الموتى لأسمائهم، لا يعودون لصورهم ولا حكاياتهم، لا يعودون لأصواتهم ولا نظراتهم، حتى سأمهم لا يعودون إليه» (الديوان).

على الرغم من عودة «الموتى» المستحيلة، و«تحدب ترابهم»، فيكتب إبراهيم الحسين قصيدة نثر إثباتية (بالمعنى النيتشوي)، تنتصر لعطر الحياة عبر «تخطئة» مستمرة لعمل الموتى. الحياة جديرةٌ بالعيش، ولا يأتي الموت ليوقف تيارها إلا خطأ. إن فعل الموت يتدثر بمجانية تخلف الاعتباط بكل مكان. علامات الحياة، التي كان ينثرها «الأحياء» مع كل خطوة، تتحول إلى جرس يرن بحزن في الخلفية البعيدة للذكرى. قصيدة إبراهيم الحسين تعيد تشكيل هذا الرنين في فصوصها المتواشجة، لمضاعفة أصدائه الشعرية، التي لا تذكر فحسب بنص الغياب الكبير، وإنما تسعى بكل حرقة لترويضه. يكتب الشاعر الصفحات المعاصرة لهذا النص، ولكن من غير ارتهان لحساسية ارتدادية، نكوصية، تسقط في هاوية التشاؤم. إن ما يلتمع من بين ثنايا فصوص إبراهيم الحسين من تفاصيل الحياة وأفعال الفرح والغبطة (المأسوف عليها)، يجعل التجربة الشعرية تنكتب في خط الإثبات، الذي يفرح بالحياة بوصفها أعظم الهبات الجديرة بالمديح والرعاية.