مقالات   |   دراسات   |   قضايا   |   سيرة ذاتية   |   إعلامتحقيقات   |   ثقافات   | تراث   |   تاريخ   |   بورتريه   |   فضاءات   |   فنون   |   كاريكاتير   |   كتب   |   نصوص   |   مدن   |   رسائل

سيمون فايل.. وروحانية الفعل السياسي

سيمون فايل.. وروحانية الفعل السياسي

ظهرت في السنوات الأخيرة الحاجة إلى الاهتمام وإعادة الاعتبار لشخصية وفكر الفيلسوفة والمناضلة الفرنسية سيمون فايل Simone Weil [1909-1943م]. وهذا الاهتمام نابع من جملة اعتبارات لا تخُصّها هي فقط، بقدر ما تخص الوضعية التي آلت إليها السياسة والدين في آخر مراحل عصرنا الراهن. فقد كانت الوحيدة تقريبًا التي أخلصت لنشاطها وعقلها وما كانت تدعو إليه وتهتم به، ونقصد مساعدة وإسعاف المعوزين والضعفاء وذوي الحاجة، ليس بالنضال السياسي والاجتماعي وحسب، بل بالإمكان الفكري والديني والروحاني؛ لأن أوضاعًا مثل هذه تتطلب مجايلة ومزاوجة اللاهوتي والسياسي معًا.

حياة طويلة في عمر قصير

نوعية الحياة التي عاشتها سيمون فايل، لم تكن كسائر حياة كبار العلماء والمفكرين، بل عاشت وعايشت كل ما كان يحيط بها وتتعامل معه وتنصهر.. على قدر ما تَتَحمل بنيتُها الهشة الواهنة. فقد كانت تنتظر الموت في كل لحظة ولم تَحْيَ حياة التفاؤل والسعادة والأمل في الانفراج.. وكل حركاتها ومساعيها واهتماماتها تجري تحت الضغط. كتبت مقالاتها ورسائلها إلى أصدقائها من العلماء والمفكرين ورجال الدين والفلاسفة تحت هذا الهاجس الذي يستعجل الأمور ويدرك في كل لحظة أن له ما يفعل لاحقًا ويجب أن ينتقل إلى مكان آخر ويفعل ويفكر في شيء مهم. وهذا ما جعل حياة سيمون فايل طويلة حتى لو كان عمرها قصيرًا جدًّا، أي أنها ماتت عن عمر أناف على الثلاثين سنة فقط، لكنه كثف شوطًا رائعًا ومهمًّا من حياتها وحياة الأمة الفرنسية.. لا بل العالم كله في ثلاثينيات القرن العشرين حين كانت السياسة في أقصى درجة العنفوان وكان العنف على أنواعه هو السائد بين قادة العالم بخاصة الذين انتصروا وانهزموا في الحرب الكبرى التي دارت رحاها ما بين 1914-1918م، ولم تكن المرحلة التاريخية التي أعقبته إلا تمهيدًا وتوترًا نحو حرب عالمية أخرى أكثر ضراوة وتدميرًا ليس للإنسان فحسب؛ بل للطبيعة والفضاء والبحار.. وهذا وجه جديد من الحروب لم يكن معروفًا في السابق.

تلك هي المرحلة التاريخية التي عاشتها السيدة سيمون فايل وجعلت من حياتها طويلة حتى لو في زمن معاصر قصير جدًّا. فقد اختزلت في عمرها كل ما كثفه الزمن السياسي العالمي الخائب والمظلم من كوارث ومآسٍ، وخشيت وخافت من القادم الذي لا يحمل أي مستقبل إنساني، وآثرت منذ صغرها ألا تلتقيه، وحاولت الانتحار قبل أن يدلهم كل شيء ويدخل العالم كله في حالة دمار وخراب للفاعل والمفعول وللظالم والمظلوم. والواقع أن الوضع المفجع يزيد ألمًا عند من يكون حاد البصيرة وثاقب النظر ومتوتر الوجدان ويشعر دائمًا بضعفه وقلة حيلته. وهذا ما تقوله في مقالتها «انتظار الله»: «في مرحلة المراهقة وعندما كان عمري 14 سنة، سقطت في حالة من حالات اليأس، وفكّرت صراحة في وضع حد لحياتي بسبب رداءة حواسي ومَلَكَاتي الطبيعية»؛ فلم تكن تقوى على التقاط الجو المثخن بالكوارث والمحن وأزمات متفاقمة لا آخر لها.

لم يسعف الوقت كثيرًا المفكرة سيمون فايل لكي تنجز وتكتب وتعرب عن كل ما لديها، فقد عاشت في مرحلة متوترة جدًّا، ونعني بها سنوات الثلاثينيات من القرن العشرين، وبخاصة صعود المد التوليتاري الشمولي والحكم الكليَاني مع النازية والفاشية والأنظمة الأوتوقراطية والاستبدادية في أرجاء العالم كافة؛ لأن الاستعمار وما بعد الحرب العالمية آخذ في فرض تداعياته نحو حرب عالمية أخرى أكثر ضراوة وفتكًا بالبشرية وتدميرًا للبيئة. ولعل هذا الوضع المكثف هو الذي يحتاج منا اليوم ويدفع إلى الاهتمام بفكر سيمون فايل؛ لأنها اختصرت المرحلة التي عاشتها، أي أنها قدمت فكرًا مع حياتها في صيغة يصعب فصم عراها، لا بل تفصح أكثر عن المستقبل وما هو قادم، على ما جاء مثلًا في كلام أحد أصدقائها من الفلاسفة الفرنسيين: «إن عمَلَكِ على قدر كبير من الأهمية وله الأولوية، فهو جزء من أعمال نادرة ستفتح في المستقبل القريب وستهيأ لثورة حقيقية». هذا ما جاء في كلمة صديق سيمون فايل عام 1934م: «أفكار حول أسباب الحرية والقمع الاجتماعي». إنه «الواقع المأزوم» الذي يحمل طيات المستقل القادم.

أرادت سيمون فايل منذ البداية أن تتواصل مع الوقائع والأحداث وتتجاوب من كثب ومعايشة الحالات والأوضاع التي نجمت عن الحرب العالمية الأولى وتداعياتها، وبخاصة الأزمة الاقتصادية العالمية لعام 1929م وما خلفته على حياة الشعوب والأمم والدول الأوربية وبالتحديد منها الدول والأنظمة التي مُنِيت بهزيمة نكراء في هذه الحرب. ونذكر على وجه خاص ألمانيا، التي ظهرت فيها النازية بزعامة أدولف هتلر. فقد عانت ألمانيا الأمَرَّين بفعل ما فرضه المنتصرون في معاهدة فارساي عام 1919م. وتطلب الحال أن تكتب سيمون دائمًا وعلى جناح السرعة التي تكثف اللحظة وتنتظر القادم، راجع كتابها «انتظار الله»، باعتبارها متدينة على طريقتها. فوضع فرنسا على النحو الذي تطلعت إليه بداية من الثلاثينيات ينوء بحمله كاهلها الواهن، بل يجب أن تتابعه بكل ما أوتيت من قوة وقدرة وما ملكت من عقل وإيمان وأصدقاء من الفلاسفة ورجال الدين. فلم تعد الحياة هي أن تعيش المأساة والكوارث بل أن ترنو إلى ما يمكن أن يساعد على الانفراج والسلام الآمن، إلى حد طلب الشهادة على المبدأ والرؤية والرؤيا معًا؛ فقد ماتت وانتهت بعيدة من فرنسا عام 1943م.

الحقيقة التي صارت لا تماري فيها السيدة سيمون فايل أنها ليست حقيقة دينية مطلقة ولا حصرية، لا بل هناك مصادر وجهات ومرافق جديدة تصنع الحقائق، مثل المصانع التي يشتغل فيها العمال، هذه الطبقة المهمة في حياة الدولة والمجتمع الحديث والمعاصر. فالمصنع مع غيره من المؤسسات وورشات الشُّغل تُشَكِّل عوالم قائمة بذاتها بالقدر الذي تصنع حقيقتها القائمة بذاتها، ليس بمعزل تام عن الدين، بل كحقيقة أخرى تضاف إلى حقيقة الدين وتلك هي الحداثة في أجلى وأنصع تعريفاتها، أي الوقوف الدائم على مجالات وفضاءات وتخصصات جديدة وكيف تصنع عوالمها وكياناتها وتستقل بخصائصها ومميزاتها خاصة صلاحياتها، حتى لا تتداخل بشكل فج واعتباطي مع دوائر أخرى.

تقول سيمون فايل: «يجب ألا تحل الكنيسة محل المصنع. فالمصنع عالم آخر، يجب التعامل معه والبحث معه عن حقيقة جديدة. فالحقيقة الجديدة، لم تعد دينية حصريًّا ولم تعد خلاصًا يأتي فقط من داخل الكنيسة». وعليه، عندما ينطفئ الأمل في الضمير ويتورط الفكر في توقعات مظلمة فكل شيء يؤول إلى العتمة والديجور كما كتبت سيمون فايل: «إننا نعيش حقبة بلا مستقبل، وما ننتظره ليس أملًا.. وإنما معاناة».

ما من مقدّس إلا الإنسان العادي

الإنسان وفق رؤية وتحليل سيمون فايل هو سعي إلى الوصول إلى ما هو غير مقدس وغير عظيم، أو بتعبيرها: هو الوقوف عند غير ما هو شخصي، وتجاوز مستمر لما هو شخصي. فالإنسان حالة دائمة من العلاقة الجدلية بين ما هو شخصي وغير شخصي. تقول سيمون فايل: «يوجد في جوف كل إنسان شيء من المقدس. ولكن هذه ليست شخصيته وليست شخصيته الإنسانية. وببساطة، الإنسان هو ما هو عليه»، هذا ما ورد في مقالتها «دراسة لبيان الالتزامات تجاه البشر»، وكل إضافة إلى ما هو عليه يخرجه عن إنسانيته ليتحول إلى كائن آخر. وهكذا، فالإنسان الذي يجب البحث والتنويه به هو هذا الكائن قبل أن يحيط نفسه بهالة غير مستحقة من القدسية والتعظيم. ولعلنا لا نضيف جديدًا إذا قلنا: إن الأنبياء والرسل كافة عاشوا عاديين بين أقوامهم وإن صفة التقديس جاءتهم من جانب الأتباع الذين جاؤوا بعدهم وعظموهم لا تعريفًا بهم وبأعمالهم بقدر ما أنهم استغلوا نبوتهم ورسالتهم لأغراضهم الخاصة، على ما فعلت الدوائر الكهنوتية والأنظمة الطرقية.

يبقى الخير والقدرة على فعله هو المعيار الأخير الذي يخلع على الإنسان حقيقته وجوهر ما يقوم به ويتقوّم عليه. وبتعبير سيمون فايل: «الخير هو المصدر الوحيد لما هو مقدس في الإنسان. لا يوجد مقدس إلا الخير وما في حُكمه وله صلة به». واضح تمامًا أن صلة الإنسان بالخير صلة جوهرية تحدده في ماهيته ووجوده الأصلي، ويبقى الخير هو المبرر الحقيقي للوجود الإنساني والعيش المشترك. وهذا يقف على طرف مناقض تماما مع الأنظمة الشمولية والحكم الكُلِّياني والقيادات غير الراشدة المتعسفة والمتسلطة؛ لأنها تحرم الإنسان بوصفه إنسانًا وتحوّله إلى فرد تافه لا قيمة له أمام الفرد الأعظم وهو الحاكم، على ما بدأ يظهر في سياق ما بين الحربين العالميتين. وعليه، فإن اهتمام سيمون فايل بظاهرة الدكتاتورية الزاحفة والمستفحلة تندرج في صلب اهتمامها بالإنسان في صلته بالخير الذي يجب ألا يفقد التعاطي معه وإلا فَقَد بشريته وأهم ما يشرفه ويحفظه كإنسان. فالدكتاتورية مفسدة أيما إفساد، ومهلكة أيما هلاك للإنسان الذي يروم أن يداوم فعل على الخير كواجب نحو غيره، على ما توصي وتؤكد سيمون فايل.

إعادة التفكير في المجال المتوسطي

إعادة التفكير في المجال المتوسطي

عنوان هذا الكتاب، «إعادة التفكير في المجال المتوسطي»(١) يحيل إلى الموضوع المشترك في آخر ما صدر للمفكر الراحل محمد أركون. حوض البحر المتوسط، منطقة لمجال تاريخي وحضاري يختلف عمّا آلت إليه الأحوال الطبيعية والبشرية بداية من عصر ما عرف بالنهضة العربية الحديثة والمعاصرة، حيث يجري التفكير بصيغة الصراع والضدية والندية بين الضفتين؛ ليس بسبب الاستعمار فحسب، بل أيضًا بسبب الرؤية والفكرة والأيديولوجيا. ولا يفوت محمد أركون أن ينوه في العديد من المناسبات والفرص بقيمة وأهمية كتاب فارنان بروديل: «المتوسط وعالم المتوسط في عصر فيليب الثاني»، الذي صدر عام 1949م(٣).

كما هو معروف، يعد صاحب الكتاب أحد أبرز ممثلي مدرسة الحوليات الفرنسية التي تأثر بها أركون في بحث قضايا التاريخ الإسلامي وعلومه إلى حد اعتبار حوض المتوسط شخصية حضارية وتاريخية لها من الحيوية أنها تعيد إحياء كل الرُّكام الضائع والمهمل وتصحيح الأخطاء والمزالق كافة التي علقت بتاريخ المتوسط، الذي لم يعبِّر عن جغرافية بحر المتوسط فحسب بل أيضًا عن الوَسَطية في الفكر والعيش.

أول مباحث هذا الكتاب حول الإسلاميات التطبيقية؛ المفهوم والموضوع الذي دخل به أركون النقاش الفكري المعاصر من الضفة الشمالية للمتوسط. فقد خاض تجربة فكرية تمت على مستوى المناهج والمقاربات العلمية وفي المجال العمومي الذي يسع كل المواطنين على اختلاف أصولهم اللغوية والدينية والإثنية ويثبت وجود المواطنة.

فَرادة فكر أركون مع مفهوم وموضوع «الإسلاميات التطبيقية» في أنه دشن مجالًا آخر من الجدل والمناظرة والنقاش مع مفكري الغرب وبما وَسِع اللغة الفرنسية وما توفره لفهم الإسلام في حياتنا المعاصرة. اجترح أركون مجالًا رحبًا مشرعًا على الإسلام كله: التاريخ، الحضارة، الفلسفة، الدين، العلم، النزعة الإنسانية والبشرية في أرجاء العالم كافة، بالقدر الذي يظهر فيه العرب مجرد أقلية من مسلمي العالم. تلك هي الحقيقة التي وضعها أركون على بساط البحث العلمي عندما أراد أن يفتح مجالًا بكرًا جديدًا لم يجترحه أحدٌ من قبله… وكم كانت واسعة الحقول والميادين والمضامير التي حاولت أن تستقطب الإسلام المعاصر بالبحث والتنقيب والدراسة والمعالجة عبر مقاربات التفكير والتحليل وإعادة التركيب وصوغ المعنى والحقيقة، وبناء السلطة.

«الإسلاميات التطبيقية»، كما حاولها أركون استدعت الفكر الاستشراقي كما الفكر العربي والإسلامي المعاصر والفكر الشرقي غير العربي الواسع الأرجاء الذي لم يُسْتَبطن بعد، كما ينبغي في حياتنا الفكرية المعاصرة، وتبَيّنا بعض ملامحه في لحظة النقاش الكبير الذي حظي به كتاب «الاستشراق» لإدوارد سعيد نهاية سبعينيات القرن الماضي. ولعل الفضل في جزء كبير منه، يعود إلى المجال الجديد الذي صار يعرف بـ«الإسلاميات التطبيقية» التي تحث الجميع على التفكير في الموضوع، على تباين الفكر والثقافة والتاريخ ومجموعات الانتماء وفروع الانتساب.

كانت «الإسلاميات التطبيقية» مجالًا معرفيًّا جديدًا ليس بمعنى ما، ولكن بكل معاني منهج البحث الأكاديمي، الذي يدرج كل علماء الإسلام من فقهاء ومتكلمين ومفسرين ومحدثين وأئمة وشيوخ طرق ومؤسسات دينية وسبل خيرات وأوقاف ونظم مرابطِية وتصوُّف، حتى الحياة الدينية في حياة الناس العادية، في إطار ما يعرف بعلوم الإنسان والمجتمع. يؤكد محمد أركون على «الباحث- المفكر» الذي يتفاعل مع موضوعه وينخرط في قضيته، ويميزه من «العالم أو الجهبذ البارد» الذي يقف موقف المتفرج على ما يبحث في حياته وحياة مجتمعه وما يجري في العالم، اعتقادًا منه أن المادة التي يشتغل عليها وهي العرب والإسلام لا تعنيه كمواطن غربي. فهو ينظر، كما يفعل «الاستشراق الكلاسيكي» إلى الموضوع على أنه حطام وأنقاض لمخلفات تراث وآثار وعادات وتقاليد لا يزال يَرسُف فيها الفكرُ العربي أو الإسلامي المعاصر.

وعليه، فإعادة التفكير في قضايا الإسلام المعاصر في مجال المتوسط يعيد النظر ليس فقط فيما استقر عليه الوعي إلى حد الآن، وبخاصة في منطقة المغرب العربي أو شمال إفريقيا كما كان يطلق عليها زمن الاستعمار، بل يعيد الإطار السليم والصحيح الذي كان يجب أن تأخذه وجهة التنمية وفكر السلطة في بلدان المغرب العربي التي أفصحت عن نفسها على المستويين الحضاري والتعدد الجغرافي؛ أي مغرب أقصى ومغرب أوسط ومغرب أدنى، ناهيك عن إمكانية الاتساع لتشمل بلدان المتوسط إلى تركيا وأجزاء كبيرة من أوربا، هذا إذا راعينا فقط عامل الدين الإسلامي.

واليوم صرنا جازمين أن أكبر فرصة ضاعت على المغاربة هي انفلات حبل الوحدة البشرية والثقافية والاجتماعية التي سادت بدايات الوعي السياسي لدى الحركات الاستقلالية: نجم شمال إفريقيا في الجزائر، حزب الاستقلال في المغرب، الحزب الدستوري في تونس. وقد تَرَبّى محمد أركون وامتلك وعيه السياسي، خمسينيات القرن الماضي، في إطار التنظيم الطلابي: جمعية الطلبة المسلمين لشمال إفريقيا، الكائن مقره في 115 شارع سانت ميشال، باريس. وما نحتاجه اليوم، هو فقط، على ما يرى أركون، تحرير السلطات التقليدية للدولة، أي السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، على نحو ما حدث في الولايات المتحدة الأميركية التي تُعرف أيضًا بأميركا الشمالية، وإرفاق ذلك بضرورة فصل السياسي عما هو ديني، أي السلطة السياسية عن السلطة الروحية.

عندما يكون حوض البحر المتوسط هو الاعتبار الأسمى في بناء الدول، كل شيء يهون بما في ذلك تأسيس الديمقراطية في مدلولها الذي يعني دائمية الدولة والمواطن ليس كشعارات وأوهام بل كحقائق تاريخية تكشفها فعلًا «الإسلاميات التطبيقية»، التي تراعي التنقيب وفحص كل جوانب الظواهر والمظاهر، بما في ذلك الوحدات المحلية والعناصر الهامشية. والمعروف أن المقاربة التي يعتمدها أركون في حقل الإسلاميات التطبيقية هي الأدوات المفاهيمية التالية: الخرق والزحزحة والتجاوز. وما يربط هذه المفاهيم/ الأدوات هو اعتمادها المسبق على تصور معرفي يخترق الموضوع الماثل أمامه، ليس بقصد الوقوف عنده كما فعل كلود كاهين، مثال الاستشراق الكلاسيكي عند أركون، بل تحريكه وزحزحته عن مكانه لعلّ فيه إمكانية لتخطيه وتجاوزه.. فما من غلق وختم للدراسة إلا ويتبعها طرح سؤال آخر، يحتاج إلى اختراق جديد وزحزحة وتجاوز.

الواقع، أن ما دفع أركون إلى التفكير وإعادة التفكير في المتوسط كإطار حديث وجديد لإمكانية النهضة والتنمية في عصر التقنيات والعلوم هو وجود الخلفية الحضارية الكبرى التي تمثلت في عصر التنوير العربي من القرن الثامن إلى القرن الثاني عشر، حيث سادت الفلسفة والشريعة وعلم الكلام والتفسير ومصطلح الحديث والفقه وأصوله، فضلًا عن الآداب والأخلاق كل ذلك في مستوى إنساني وعالمي، أي مفتوح، آفاقه مشرعة على العالم أجمع، كما حدث في التجربة الأندلسية، التي صارت تلحّ على ضرورة النظر من جديد في تاريخها من أجل ترتيب القواعد المعرفية وصياغة إشكالية تأخذ بكل معطيات حوض المتوسط كبؤرة مركزية لحضارة إسلامية تأتي لاحقًا، على ما جاء في كتاب أركون ما قبل الأخير: «عندما يستيقظ الإسلام»(٣)، وهو الاحتمال الإستراتيجي الذي يمكن الوقوف على كل معطيات إنجازه، ضمن إشكالية تتحدد بتكوين دولة ولغة مكتوبة وثقافة عالمة تستند إليها.

المغرب في التاريخ الحديث والمعاصر

يدعو أركون إلى تفكير متجدد في منطقة المغرب العربي القائمة في الوقت الحالي على وحدات وطنية غير معهودة في التاريخي التقليدي لبلدان المغرب. فما نحتاج إليه، على ما يرى أركون هو التفكير في مصير المنطقة في ضوء وَحْدَتها؛ لأن مفهوم المغرب يلبي أفضل حقائق التاريخ والجغرافيا، ويضعها على سكة مصير أفضل. فقد استُنفد مصطلح «شمال إفريقيا» الذي سكته الإدارة الفرنسية زمن الاحتلال، ولم يعد إجرائيًّا، كما أن مصطلح « المغارب» القريب العهد بنا، الذي يشير إلى مجموعة بلدان المغرب لم يصمد كثيرًا، ولا يبدو أنه سيثبت لا في التداول العلمي ولا المجال السياسي العام.

وَحْدَة المغرب هي التي تعيد للمنطقة مجالها الحيوي، يُرشحها دائمًا إلى التعاون مع ما هو قريب منها ثم إلى ما هو أقرب من القريب، كأفضل صيغة وإطار للتنمية العامة لكل البلدان والوحدات القائمة في المجال الجيو-إستراتيجي الرائع والمصيري للعالم كله. إن وحدة المغرب، على ما يتصور ويدعو إليه أركون هي الكفيلة بإعادة طرح القضايا والمسائل كافة التي كانت مُدْغَمة في اللامفكر فيه بتصفية الخطاب الأيديولوجي من وطنياته الزائدة ومن غلو النزعة الدينية، وتجاوز حالة التدين المنافية لروح المدنِيَّة الحديثة، والاستناد إلى حداثة العصر الكلاسيكي مثل عصر الأندلس كأفضل مثال لإمكانية التعايش والحياة معًا ليس للبلدان العربية فحسب، بل لمنطقة الحوض المتوسط برمتها.

إجالة النظر في كافة ما كان ثاويًا في اللامفكر فيه، يتطلب حسب أركون توسيع ورشات العمل على المحاور التالية: تخطي الوحدات الوطنية إلى الوحدة المغربية، كما جرى شرحها في الفقرة المتقدمة. والمسألة اللغوية التي تتطلب مقاربة استيعاب التعبيرات واللهجات كافة وترقية اللغات المكتوبة والعَالِمة على ما هو شأن اللغة العربية واللغة الفرنسية ثم اللغة الإنجليزية. ثالث الورشات التي يجب أن تنظر في موضوع وحدة المغرب هو التفاعل الثقافي والاعتماد المتبادل لمقومات التراث الذي تزخر به المنطقة من تاريخ محلي وتعاقب لمدنيات وأنظمة حكم أجنبية ومحلية، تركت آثارها بالقدر الذي يجب ألّا يُمْحى ولا يزول، بل يبقى شاهدًا على تنوع تراثي وفني وتاريخي. رابع هذه الورشات هي مستقبل الجيو-سياسي للمغرب، الذي يمكن تصوره في اللحظة المنظورة، على أنه مستقبل ممكن وقابل للتحقق بإبعاد الوطنيات الضارة المغالية التي وصلت إلى منتهاها ولم تعد نافعة، وبالتواصل والتعاون مع العالم في إطار من السياسة الدولية التي تقيم الاعتبار للسِّلم والأمن في حوض المتوسط والدين الوَسَطي وحداثة العصر الكلاسيكي.

العالم العربي وأوربا

يؤكد أركون على المؤسسة التي قد تأخذ تعاريف ومفاهيم مختلفة لكنها تبقى تعبِّر عن الأصل والمشترك والمجال التشاركي القريب إلى الاقتصاد والسياسة. لم يعد الحديث يجري عن أسباب وشروط النهضة، كما ساد نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، بل التفكير لا بد أن ينصب اليوم على الطرق والشروط النفسية والسياسية التي تساعد العرب وأوربا على التعاون العملي والتفكير العقلاني الحديث في ما يعود على المنطقتين المختلفتين بالفائدة المشتركة، وعلى المجال الواحد هو المجال المتوسطي، الذي يقتضي من جملة ما يقتضي ليس التفكير في المجال فحسب، بل فرصة رائعة لإجراء نقد ذاتي أيضًا؛ لأن المناسبة الزمنية والمكانية من أجل البحث عن المجال المشترك، جديدة على الطرفين العربي والأوربي معًا.

فالشراكة التي يجب أن يَرْنو إليها الجانبان الأوربي والعربي هي تلك التي تفرض عليهما إجراء مراجعة شاملة وفق المنطق السياسي الحديث والمعاصر، كأن يبدأ العرب في إعادة النظر في منظومة السيادة التي طالت أكثر من اللزوم ودخلت في لحظات غير لحظاتها التاريخية، كما أن اللقاء المشترك في المجال المتوسطي يوحي أكثر إلى ضرورة إجراء مراجعة نقدية للإسلام كمنظومة دينية وحضارية وتاريخية وفرصة للعالم أجمع أيضًا. في مقابل ذلك، فإن النزوع إلى البحث عن المجال المشترك بين العرب وأوربا قصد الاستثمار فيه بالقدر الذي يعود على الطرفين بالمنفعة والإيجاب، يجب إعادة فحص العقل الأوربي وتصفيته من عصره الظلامي ونزعته الاستعمارية والفاشية والمادية.

يجب العمل على فتح ورشات بحث ودراسة تَكُون مفتوحة باستمرار للمراجعة وإعادة التنقيح الدائم، وليس على ما هو سائد بين الأطراف السياسية والدبلوماسية التي ينتهي أثر عملها فور انتهاء أشغال الجلسة، على ما رأينا في مؤتمر برشلونة المعروف بخمسة زائد خمسة (1995م). وهذا ما كان ينشده محمد أركون لمّا دخل في إنجاز مشروع عُمْرِه: «نقد العقل الإسلامي»، وفضّل أن يختار له المجال المناسب: باريس.

وأركون، هو المفكر القادم من الجزائر التي تحررت من نير الاستعمار بفضل القدرة على الثبات على المقوِّمات التاريخية والاجتهاد من أجل التعبير عنها. فقد كان أركون نفسه مِثال التفكير من وحي المتوسط حيث يجمع في ذاته الانتماء إلى بلد متخلف خارج لتوه من مرحلة استعمارية، وإلى بلد تَبَنَّاه ينتمي إلى العالم الغربي والأوربي، يفسح المجال للحرية والديمقراطية من أجل نقده.

يطرح أركون برنامجًا ومشروعًا وخطة لإمكانية استعادة المجال المتوسطي، بعيدًا مما يسميه بالوعي الساذج؛ لأن الأطر السوسيولوجية للمعرفة قد تغيرت بشكل عميق بعد أن طرأت ثلاثة عوامل: الزيادة الديموغرافية الرهيبة والمفزعة وما تبعها من توسع عظيم للتعليم في المدارس، ومن ثم انتشار أيديولوجيات سياسية ودينية. انحسار الثقافة المَدِينية التقليدية التي حلّت محلها البداوة وهجرات بشرية موسمية مستأصلة عن أي مرجعية ثقافية. ضعف الذاكرة وانقطاعها عن رموز ثقافتها الشعبية، التي تدحرجت وتفككت بدورها وتحوّلت إلى ثقافة وديانة شعبوية بأيديولوجية طاغية.


هوامش:

(١) Mohammed Arkoun, repenser l’espace méditerranéen, éd. Frantz Fanon, Alger, 2020.

(٢) F.Braudel, La Méditerranée et le monde méditerranéen à l’époque de Philippe II.

(٣) Quand l’Islam s’éveillera, Albin Michel, 2018.