مقالات   |   دراسات   |   قضايا   |   سيرة ذاتية   |   إعلامتحقيقات   |   ثقافات   | تراث   |   تاريخ   |   بورتريه   |   فضاءات   |   فنون   |   كاريكاتير   |   كتب   |   نصوص   |   مدن   |   رسائل

روبنسون كروزو… مفرد كاثرته المهارة

روبنسون كروزو… مفرد كاثرته المهارة

صديق عزيز رحل دعاني، ذات مرة، إلى فلم سينمائي ولَبَّيت دعوته لأسباب ثلاثة: كان المخرج أثيرًا لدي والفلم مأخوذًا عن رواية قرأتها غير مرة، يُعرض في «النادي السينمائي» في المدينة الجامعية في باريس، وثمن البطاقة زهيد، بالغ الزهد، كأنه بالمجّان، امتياز تخصّ به الجامعة «طلاب السكن الجامعي». كان من عادتي، أو عادتنا، في ذاك الزمان، أن نتحاور في الموضوعات جميعها، وأن نسيّس الحوار تسييسًا جامحًا، وأن نبدّل في دلالات الموضوعات إلى حدود الاختراع و«عدم الأمانة»، مردّدين معًا: لا وجود لقراءة بريئة في المجتمعات الرأسمالية.

نبوءات روبنسون كروزو

ما زلتُ أذكر بغبطة مدخل الفلم الذي يُستهل بصورة كتاب ضخم أصفر اللون، بغلاف خارجي كُتب عليه بالأحمر والأزرق عنوان الرواية، الذي ينفتح على أمواج بيضاء غاضبة كأنها قطيع خيول مجنحة، تلهث زبدًا وتتنفس هواءً سائلًا مرتجف الألوان.

كان المخرج السينمائي «لويس بونويل»، هذا اسمه، فرنسي الجنسية إسباني الأصول، ترك بلده إثر الحرب الأهلية 1936- 1939م، التي هزم فيها الجنرال المستبد فرانكو، القوى الديمقراطية وألحق بها هزيمة نكراء، دفعت قوى اليسار، آنذاك، إلى منفى طويل الأمد، جاوز ثلاثة عقود، أنهاه رحيل الجنرال الذي نصره في معركته النازي الألماني هتلر والفاشي الإيطالي موسوليني. شارك بونويل، في شبابه الأول، الرسام الإسباني الشهير سلفادور دالي في إخراج فلم «كلب أندلسي»، الشهير بصورة العين التي غادرت محجرها.

عاش بونويل مرحلة واقعية غزيرة ومديدة، عَرفت تلك المرحلة فلمًا أعجب النقاد فأغدقوا عليه المديح، عنوانه: «جميلة النهار»، وأغلق إبداعه في سبعينيات القرن الماضي بفلمين شهيرين: «سحر البرجوازية الخفي وشبح الحرية». كنتُ مفتونًا بفلمه: «المنسيّون»، الذي صوّر فيه بؤسًا اجتماعيًّا مكتملًا لصِبْيَة أضاعوا طفولتهم، أغرقهم الغبار ولم يَنتبه إليهم أحد.

الفلم الذي حضرته مع الصديق الذي «أطفأته الحياة مبكرًا» كان عنوانه: «روبنسون كروزو» (1954م)، المأخوذ عن رواية دانييل ديفو، التي هي من بين رواياته الأكثر شهرة. ومع أن المؤلف أنجزها مبكرًا فهو لم ينشرها إلا في مرحلة لاحقة (1719م). بدأ ديفو حياته، حال كثير من الروائيين، صحفيًّا، كان نشيطًا متعدد الموضوعات، حملت كتاباته اتهامًا للسلطة ونقدًا لها، فسُجن وحاصرته السلطة بما تحاصر به الناقمين عليها. زاوجت حياته الممتدة، من 1660-1731م بين غزارة الكتابة والكره الدؤوب للسلطة المفتقرة إلى العدل والمساواة.

كشفت رواية «روبنسون كروزو» عن ثقافة واسعة «حديثة»، انطوت على السياسة والاقتصاد وأبعاد من علم الاجتماع وعلم النفس، وألمحت إلى الشكل الأول من «الكولونيالية واستعمار الشعوب»، هذا الشكل الذي عامل كثيرًا من الشعوب بالحديد والنار، فنهب ما نهب وقتل ما قتل ليؤسس ما دُعي «إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس»، قوامها الجشع والمخادعة و«دبلوماسية المدافع» و«سياسة الأساطيل الحارقة»، بل إنها كانت سبّاقة في استعمال: «البراميل المتفجرة»، التي حرقت بها فلاحين فلسطينيين كادت عزيمتهم تقهر «رجل الله الإنجليزي»، في النصف الثاني من ثلاثينيات القرن الماضي.

تنطوي هذه الرواية، نظريًّا، على مقولات أساسية ثلاث تحكم الفعل الروائي، وتعكس أيديولوجيا الغزو الاستعماري التي حايثت الفكر البرجوازي في ذاك الزمان، و«ما تلاه» أولها: المغامرة التي توسّع المكان والزمان وتنقل المغامر من المعلوم إلى المجهول، وممّا يعرفه الإنسان الأبيض إلى ما هو ذاهب إلى معرفته بحثًا عن معرفة وثروة؛ ذلك أنه كان في المغامرة يكتشف ذاته ويكتشف الخيرات الموزعة على «أراضي إنسان الغابات» والمطمورة في أرضه. لكأن المغامرة عقيدة الإنجليزي الحقيقي كما «شاء الله» له أن يكون، متفوقًا على غيره عدوانيًّا يجنح إلى السيطرة.

تتعيّن المقولة الثانية، إذن، بفرادة الإنسان الأبيض، المبرّأ من الخوف والإخفاق، يندفع إلى المغامرة ويواجه غيره ويتفوّق عليه. وثالثًا مراكمة الثروة واستثمارها، فثروات الطبيعة تتحول إلى صناعة والأخيرة تصير تجارة مربحة، وتجارة الصناعة تستند إلى العلم والتقنية، إلى المهارة العملية وإرضاء الفضول. لكأن الإنسان الأبيض، الباحث أبدًا عن الجديد، يصيّر الطبيعة إلى مختبر كبير، يعالجها بالقوانين العلمية، بعيدًا من «إنسان الغابات» الذي يفتقر إلى العقل الاختباري ويرضخ إلى آخر متفوق عليه يختبره وينهبه ويحوّله إلى موضوع للاختبار.

سيد ذاته والجزيرة

شخصية روبنسون كروزو مرآة لممارسات «الإنسان الأبيض» في مرحلة صعوده، هجر مبكرًا عائلته في لندن والتحق بسفينة ذاهبة إلى أرض يجهلها، ضربتها عاصفة عاتية، ألقت بالصبي الواعد على شاطئ جزيرة مهجورة. أملى عليه مآله تدبير حياته الصعبة وأحواله المستجدة، اعتمادًا على ذاته المفتقرة إلى التجربة والمطمئنة إلى العمل الذاتي ومجابهة المجهول. حاور الطبيعة الصماء واستنطقها، وانتزع منها ما يشاء من إجابات، وغدا فيها سيّدًا، وصيّره عمله المواظب «مواطنًا خالقًا»، وغدت الجزيرة امتدادًا له، يُنطقها بعمله اليدوي- الذهني وتنطقه بمهارات كانت غريبة عنه. بدا سيدًا على الجزيرة، على الواضح والخفيّ فيها. اختصر علاقته بما هو خارجه بكلمتين: «نعم سيدي»، حيث السيد بداهة، الإنجليزي الأبيض الذي جاء من لندن، والتابع هو ذاك الذي منع الله عنه بشرة بيضاء حال «جمعة» المخلوق الذي التقاه في الغابة صدفة.

علّم روبنسون «جمعة» الصيدَ وإطلاق الرصاص وحماية الملكية الخاصة وأصول الدفاع عن الذات ومواجهة الغرباء، ولم يُعلمه القراءة والكتابة، أي أنه علَّمه ما يجعل منه خادمًا جيدًا، كأنه يد إضافية أو قوة عضلية تُضاعف قوة السيّد وتؤمن له الراحة.

في إبداع كروزو، الذي لا يخاف من خارجه، ما يلغي المعنى المألوف للمغامرة والجزيرة النائية، لكأنهما من أطرافه ينصاعان لمشيئته ويلبيان ما يريد. ولهذا تخطئه الأمواج العاتية وتبتعد منه الضواري. يعيش آمنًا، يرضيه عقله وترضى الطبيعة عمّا اقترح عليه عقله. إنه الإنسان المفكّر المُصاحب بصيغة: «لماذا؟» التي لن يخذلها أبدًا، وهو الذي يربط بين الظواهر والأسباب، يتخذ من السببية العاقلة منهجًا ويطمئن إليها مرشدًا، بعيدًا من «الضمان الأسري» وإرشادات الوعّاظ ودعاة الفضيلة المجردة.

وواقع الأمر أن كروزو، وكما صاغه دانييل ديفو، آية إنسان عصر النهضة أو التنوير، بلغة لا تراقب ذاتها، ملهمه العقل ومرجعه فضول متعدد الوسائل أسعفه في «استعمار الآخر». الذي فاتته المغامرة وارتاح إلى المألوف والموروث. لا غرابة أن يحتفي الفرنسي التنويري جان جاك روسو -كان معاديًا للاستعمار- «بالإنسان المقتدر»، وأن يقرأ بعضٌ إبداعه بفلسفة الإنجليزي جون لوك، الذي ساوى بين الإنسان الجديد وتعدّد حاجاته، وعدّ الزمن قوة منتجة.

عثر كروزو على أصله في ذاته، تنازل عن عائلته وسار طليقًا باحثًا عن أصل مختلف ضمانه داخله، يتكوّن ولا يُعطى دفعة واحدة. يكتشف ذاته وهو يكتشف عالمه ويستوي إنسانًا مستقلًّا، لا يرتهن إلى إرادة خارجية، بعد أن آمن بذاته «ككائن مكتشِف»، يهيمن على ما يواجهه وينصِّب ذاته مرجعًا لأكوان غير متناهية، اكتشفها أو أنه في طريقه إلى اكتشافها؛ ذلك أن فضوله «يتطلّع إلى فضح أسرار الطبيعة وامتلاك ثروات الأقاليم المختلفة…».

أدرج الروائي في تصوّره للعالم مقولات النهضة الأوربية واشتق منها بطله، «الإنسان الصانع»، الذي يغيّر ذاته وهو يغيّر عالمه: فهناك الإنسان العقلاني الموحِّد بين الغاية والأداة ومبدأ التحويل الشامل الذي يستولد من عناصر عادية متفرقة أشياء غير عادية، سُلطة العلم والاكتشاف التي تروّض الطبيعة وتفرض كروزو سيدًا على الجزيرة، بطولة الاختراع وإنسانها المتعدد الإمكانيات… حمل كروزو في مساره «أيديولوجيا علمية» مستقبلية، تُنطق الماضي وتصرفه وتستدعي مستقبلًا مضيئًا، مضمون الوصول والنجاح.

تعددية التأويل

مستقبل الإنسان من حاضره، ومتخيّل الإنسان ممّا وصل إليه. فكرتان بورجوازيتان نهضويتان، عبّر عنهما كروزو «الفردي العظيم» بلغة روسو، الذي جمع بين الخلق والحاجة والمنفعة، إضافة إلى التملّك والأمان. استوى كروزو في النهاية، «خليفة الله على الأرض»، تقترح عليه رغباته السير في درب متصاعد، وتنصاع الرغبات إلى إرادة حاسمة، وتتحقق.

ومع أن كروزو يشبه، ظاهريًّا بروميثيوس، بطل الأسطورة اليونانية، فإن بينهما اختلافًا كبيرًا. سرق الأول «نار الآلهة» قاصدًا نشر المعرفة بين الناس، وسرق غيره أرض غيره وغدا «رائدًا استعماريًّا». سعى الأول القديم إلى تحرير البشر، وقاتل الثاني، بالمعرفة والبارود، الشعوب المدافعة عن حريتها واستقلالها، بنى «الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس» من عظام المستعمرات واجتثاث غاباتها.

يعقد بعض القائلين «بكونية الأدب» مقارنة بين رواية كروزو و«رسالة حي بن يقظان»، المنسوبة إلى ابن سيناء وابن طفيل والسهروردي، ففي العملين مفرد واسع الفضول. احتفى الإنجليزي التنويري، لمدة، بفرديته وبحث عن المصلحة وصيّر «جمعة» إلى خادم مطيع، وصادف «حي» غزالة وانشغل بقضايا الخالق والمخلوق، كما لو كان كل منهما يترجم ثقافته ويلاحق ما يهجس به.

بدا كروزو، في بعض أحواله إنسانًا فريدًا وحيدًا على الأرض، لا يُقارن بغيره ولا يُقارن غيره به، محسوب الحركة متوقّد البديهة وأقرب إلى الثبات كما لو أنه أُعطي دفعة واحدة. إنه «الآدم الأوربي» الذي يتناسل منه غيره من البشر بشعرهم الأشقر وعيونهم الزرقاء وعلى هذا فإنه لا يكون نمطًا، بالمعنى الفني إنه إنسان فريد؛ ذلك أن النمط يتكرر في غيره بينما يبدو كروزو مخلوقًا متفردًا أقرب إلى الندرة.

وإذا عطفنا كل موروث أدبي على سياقه التاريخي نسأل: من أين تأتي أهمية رواية «روبنسون كروزو»؟ وقد نجيب: من موقعها في تاريخ الرواية الإنجليزية خاصة والأوربية عامة، أو نقاربها من وجهة نظر أخرى أكثر صوابًا متحدثين عن: تعددية التأويل، الصادرة عن خيال فاعل وتقنية روائية موائمة، ومعرفة واسعة متعددة الأبعاد.

بدت رواية دانييل ديفو حكاية مثيرة تسائل الواقع الأوربي وآفاقه، وصيّرها تراكم القراءات الجادة عملًا أدبيًّا مرجعيًّا، يضيء تاريخ الرواية الأوربية، ويُلحق به دلالات النهضة والتنوير، ويكشف فيه عن دلالة «الفردية الاقتصادية»، التي شرحها الناقد الإنجليزي إيان وات في دراسته اللامعة: «روبنسون كروزو، الفردية والرواية»، التي جاءت في كتابه: «صعود الرواية» الذي ظهر عام 1957م.

بعد انتهاء الفلم قال لي صديقي الذي رحل: ما رأيك أن نبحث عن أرض جديدة؟ سألت: كيف؟ أجاب مازحًا: نغزوها، ذلك أن كل جديد بالغزو… شعرت عندها بلطمة مفاجئة، وتذكرت بيتي القديم في قريتي الفلسطينية. همست مخنوقًا: عجيب أمر هذا الجديد المباح الذي لا أسوار له ولا تعريف!

الكتب: صحبة رائعة جميلة الهمس

الكتب: صحبة رائعة جميلة الهمس

يرى بعضٌ في الصداقة تبديدًا للوقت وخيبة قادمة، تأتي بها مناسبة وتدفنها أخرى، فإن بقيت واستدامت كان ذلك من صدف الحياة السعيدة.

الذين يرون في الصداقة الحقة وهمًا سائرًا إلى الزوال، يسألون الحياة بدائل جديرة بالثقة، دافئة يلازمها الأمان، لا تستدعيها مصلحة ولا تقوضها خلافات عارضة، كأن يقع الإنسان على ربوة يرقُب منها غروب الشمس وفتنة المساء، ويعود إلى بيته راضيًا، أو أن يصطفي الزمن لا المكان ويختار صحبة الخريف، ذلك الفصل الحزين المتوج بالصفرة، يلازمه رهام في مطلعه ويصيبه البلل إن تناقص عمره وداهمه الشتاء.

عين الكتاب وأهله وبطنه

كان معلم لنا في الصف الرابع الابتدائي يقول: وخير صديق للإنسان كتاب. ويسألنا: لماذا؟ ويجيب قبل أن نجيب، ويطلب منا أن نوافيه بما نجيب بعد أيام. كان يبرهن على صحة قوله بجمل واضحة لاحقة: الكتاب صديق وفيّ لا يمكر ولا يخادع لا يشي ولا يكتب «للأمن تقارير مؤذية»، والكتاب صديق طويل العمر لا يهجرنا ولا يمل صداقتنا ولا تعافه نفوسنا، إلا إن كنا حمقى ونحتفي بالجهل، والكتاب نظيف اللسان ويهذب لساننا إن شابته البذاءة، والكتاب أنيس صادق ثابت في صدقه، قد يتغير غلافه ولا يبدِّل بما يقول به، وقد يشيخ وتهترئ أوراقه ويحافظ على ما جاء فيه. كأن الكتاب عابر للأيام وللأزمنة، تتجدّد طبعاته ولا يصيب قوله خلاف أو اختلاف، زاهد الطبع نقي السريرة لا يعبأ بتداعي أوراقه ولا يكترث بسقوط غلافه، حال إنسان متكامل الشخصية يصدر فكره عن ذاته ولا يستقيه من أفراد عارضين.

كان معلمنا يُنهي نصائحه بجملة: التلميذ النجيب يحافظ على كتابه كما يحافظ على عيونه. مفترضًا أن الكتاب عين ثالثة، إذا وقع عليه إهمال أصيب بالرمد وغبش الرؤية. ولأنه عين رائية فرمده يحجب بصر الإنسان عن العالم، ويضيّق النظر والفكر معًا. فالإنسان بلا بصر كتلة من الهمود والضياع، مخلوق معتقل يحاصره العماء، كما أشار طه حسين في بداية كتابه «الأيام»، حيث قال، وأقرِّب الآن كلامه تقريبًا: كان يصدني إن حاولت التقدم إلى الأمام سياج شائك كما لو كان مبتدأ الوجود ومنتهاه، أو خوفًا عاقلًا يخشى الحمقى من البشر وبرودة الهواء.

غير أن معلمنا الناصح، قصير القامة، كان يربكنا نحن الصغار حين يقول: «أهل الكتاب» فنظن أن للكتاب، مهما تكن صفاته المتخيّلة، أبًا وأمًّا غريبين، لا أثر لهما في صفحاته، ولم يقع عليهما نظرنا في المدرسة أو في الحارات والأزقة. وحين نُعرِب له عن حيرتنا يجيب: قريبًا تعرفون مقاصدي، وكانت مقاصده دائبة التأجيل. وكانت حيرتنا أوسع اضطرابًا حين تسمع صدفة تعبيرًا غريبًا: «في بطون الكتب»، نحن التلاميذ الذين نجهل أن للكتاب معدة وأنه يأكل ويشرب ونسأل عن بلل أطرافه حين يحتاج الماء والسوائل…

بعد عقود عدة، أو بعد أن جرت تحت الجسور كثير من الأنهار، كما يقول الأدباء، أدركتُ، جزئيًّا، معنى: صحبة الكتب، التي لا تأتي عن وفاق وحوار، بل عن أسلوب جميل منتقى الكلمات، يطربنا ونستعذب طربه، وإن كان طربًا من نوع خاص، يفيد في تهذيب اللسان ودروس الإنشاء، يغاير صوت محمد عبدالوهاب وهو يغني: «مضناك جفاه مرقده»، وعذوبة غناء أم كلثوم وهي تجود الإيقاع في أغنية: «على بلد المحبوب وديني»، التي لحنها رياض السنباطي لفنانة حديثة المنشأ، مغمورة، وسطت عليها لاحقًا «كوكب الشرق» انطلاقًا من القاعدة الأبدية: الصوت الأعلى يصادر الصوت الأدنى، والذي يملك يُخضع الذي لا يملك ويختلس الجميل الذي وافاه صدفة!

عناوين شاكية تكسوها ظلال قاتمة

إلى جانب طرب الأساليب كانت هناك جمالية العناوين والشخصيات الروائية، أكان من الصياغة أو من صفات ومآلات حزينة. بل إن إقبالي على قراءة، بعض الكتب كان باعثه أولًا العنوان، مثل: «حصاد الهشيم» لإبراهيم عبدالقادر المازني، ذلك المصري الساخر الذي تأسّى على مصير فلسطين، أو «وحي القلم» لمصطفى صادق الرافعي، الذي منعه المرض مبكرًا عن إكمال دراسته، و«تحت ظلال الزيزفون» التي أخذت لدى المنفلوطي عنوانًا باكيًا: «العبرات»، وهناك «لقيطة»، عنوان رواية ميلودرامية لمحمد بعدالحليم عبدالله، و«العين ذات الجفن المعدنية» للمصري شريف شحاته، وهناك «أفول القمر» رواية الأميركي جون شتاينبك…. كانت جميعها عناوين شاكية، تكسوها ظلال قاتمة، تلبي نزوعًا شبابيًّا رومانسيًّا يلاحق التأسي ويقتصد في مداعبة المسرة.

أنطونيو غرامشي

جاءت صحبة الكتب، أحيانًا من حوار طويل مع شخصيات لم يكن معها الزمن عادلًا، انزاح فيها الحوار من الأسلوب إلى شخص لاحقه سوء المآل وقاده إلى مقبرة، أو حمله على شكوى كسيرة تجرح الروح وتوقظ دموع العين. وكثيرًا ما كنت أتكلم مع هذه الشخصيات، أواسيها، وأخفّف عنها أحزانها، وأُكْثِرُ من الحديث عنها كما لو كانت من «أهل البيت» أو فيها أطياف صديق عزيز رحل قبل الأوان.

أذكر في هذا المجال صديقين مختلفي الشكل والوعي والنهاية، كان لهما في البداية أحلام مشتركة وتكفّل القدر بإلغاء الأحلام وترحيل أحدهما عن الحياة وهما: ليني وجورج، في رواية شتاينبك «رجال وفئران»، أحدهما ضخم كجبل ضعيف العقل والتدبير، وثانيهما قليل القامة عهد إلى ذاته بحماية الأول من طيشه ورغباته المأفونة. توازعا رغبة امتلاك مزرعة متقشفة، تلحقهما بالطبيعة وتضع الطبيعة فيهما، يغسلهما الهواء المنعش ويلهو «الجبل» منهما مع الأرانب وجداول الماء إلى أن وضعت الصدفة في طريقه، وهو الذي يتعثر بظلّه، امرأة مغناج متزوجة فتحت له طريق السفر إلى الموت.

ما لا تأتي به الحماقة وحدها تسهّل الصدفة له القدوم المميت، حال «غاتسبي العظيم» في رواية سكوت فيتزجيرالد الشهيرة، و«سعيد مهران» في رائعة محفوظ «اللص والكلاب»؛ إذ اللص مخلوق من البراءة والحاجة، والكلاب قوم جشعون يدّعون البراءة. وعلى خلاف جورج شتاينبك الذي تُلجئه الصداقة الصادقة إلى حسم حياة صاحب أحمق، فإن صديق «مهران» مثقف كاذب متسلط أفّاق يبشر بفضائل تستقدم الموت وفزعًا ممضًّا يسبقه ويتلوه. فالمثقف الذي يصلح حياة البشر، كما تخيل الإيطالي أنطونيو غرامشي، يتحول في رحاب السلطة المستبدة إلى فاسد فصيح اللسان، تطلق مصلحته الذاتية النار على البراءة والأخيار من البشر.

رواية جديرة بالصداقة

سعيد مهران في رواية «اللص والكلاب» مخلوق بسيط، قوّضته حياة متناقضة، تعد وتخلف، تعد بالبشائر والدفء الحميم وتصدم الصادقين، إن رفضوا السلطة المتسلطة، بوابل من الرصاص يقود إلى «المقبرة» التي تبدو، في ساعات الأسى المتأمّل، فراشًا مريحًا عامرًا بالراحة والأمان. سردت الرواية الفرق المأساوي بين «المتسلطين» الذي يحسنون الكتابة وهؤلاء البسطاء الذين يهجسون بالحقيقة، كأن قلوبهم تعلّمهم القراءة بلا معلم ولا لقب، تنير لهم أضواء عيونهم طرق الحياة، يحاذرون الخديعة ويقعون فيها إعلانًا عن «شر الوجود» المحصن بأرتال من المخبرين والمثقفين الفاسدين.

رسم محفوظ المغترب القتيل وهو يتابع مجتمعًا استهلكه خوفه، وقدرًا أعمى حاصر المغترب البريء، الذي أوصلته «دناءة» صاحب نَتِن إلى السجن إلى فترة كاوية أفقدته امرأة عشقها لم تحفظ المودة، وابنة ساوى بينها وبين معنى الحياة البهيجة. أقام السارد من الصفحة الأولى، تقابلًا بين العالم الخارجي المتجهم الجدران، وعالم السجين الداخلي المسوّر بكوابيس قائمة وقادمة، وبرغبات مشتعلة تحوّلت إلى يباب.

رأيت، وأرى، في سعيد مهران صاحبًا وفيًّا إلى اليوم، أُعجَب بتمرده، وبدفاعه عما يؤمن به إلى النهاية. وغدت «اللص والكلاب» أيضًا رواية جديرة بالصداقة، أُرشد إليها الأصدقاء، وهي مع رواية «الحرافيش» أرفع ما كتب محفوظ مقامًا، ومرآة هي لمصير الشر المنتصر والخير الإنساني القتيل، بل إنها المعيار الأدبي، الفني، الذي أقيس به الأعمال الروائية العربية العالية القيمة. تلك التي تتهم السلطة بتدمير الإنسان الطيّب، وترى انتصار الخير احتمالًا رقيق الأركان، فالشر له أسنانه المهلكة وأظافر المستبدين دائمة المقاومة.

ما رجعت إلى «اللص والكلاب» يومًا إلا وتذكرت «تعساء الشعوب المظلومة» الذين كلما طالت أعمارهم طالت عذاباتهم، كشخصية تعيسة في رواية غالب هلسا، «الخماسين»، التي هَصَر الجلاد ضلوعها في سجن رطب ضيّق المساحة، فصرخت وأمعنت في صراخ يهرب من النوافذ ويستجير بالهواء ويتسلق حبال المطر إلى أن يحط أمام «السماء السابعة» ويندفع في نشيج طويل. وأذكر وأنا أصغي إلى بكاء الضحايا جملة التلميذ المطارد في رواية جمال الغيطاني الكبيرة: «الزيني بركات» الذي كان في جروحه ما يقول: «اقتحموني وحطموا أسواري» قاصدًا جلادين متوجين بالهزيمة والهوان، يستبسلون على شعوبهم ويلوذون بالصمت أمام الحشرات القارضة.

الكتابة أرشيف عظيم

حين سألت الراحل غالب هلسا عن نهاية الضحية في روايته، أجاب بعد صمت: نجا من السجن وفقد القدرة على النطق، أو هكذا بدا، قاطع البشر، أو ما يشبههم، منذ خطت أقدامه الخطوة الأولى خارج السجن. السجن لدى بعض الشعوب عقاب وتربية، تعذيب وتلقين، يعلّم الإنسان أصول السلامة الذليلة ويدرّب لسانه على الصمت المهين، كما لو كان الإنسان يُختصر إلى وظائف بيولوجية بسيطة تعفيه من الكلام العاقل، الذي تعترف به شعوب سعيدة تعترف بحكّامها، راضية، ويعترف بها حكامها دون حاجة إلى «آلات التأديب» وأفواج العسس.

غالب هلسا

قابلني الراحل جمال الغيطاني ضاحكًا حين سألته عن مصير التلميذ الجامعي الذي اقتحمته «حشرات السلطة»، فأجاب: هذا هو «إنه أمامك الآن حيٌّ يسعى». واجهته بسخرية مقابلة قائلًا: وكيف حصل هذا يا صاح؟ رد عليَّ بكلمات تداخل فيها الصبر والإرادة والاستنجاد بالرحمن و«أهرامات الفراعنة»، التي طاولت الموت وألحقت الموت بآلاف المصريين. والسؤال المضمر، المعلن: كيف وصلت إلينا أخبار الأهرام وأخبار بُناتها، هؤلاء المبدعون والضحايا معًا! وصلت إلينا عن طريق الكتابة الفنية؛ إذ في الفن ما يقاوم الموت، مثلما أن الكتابة أرشيف عظيم، يبني ذاكرة واضحة ويرمم ذاكرة ترهقها الحياة.

سؤال: إن كانت الروايات ترثي الصداقات، قصيرة كانت أم طويلة، فكيف تعامل الحياة الصداقات المختلفة الأعمار؟ ترسم الروايات فراق الأحبة مؤكدة الأدب شهادة على الزمن ومصائب الإنسان، فكل أدب حقيقي يطوف في أرجاء المأساة الإنسانية. أما الحياة والمعيشة فلها تنوعها الموزع على ما يسر وما لا يسرّ، كأن يكتب غوته «آلام فيرتر» وفولتير عمله الجميل «كانديد»، الذي أخذ منه الفلسطيني إميل حبيبي عمله الجميل «مغامرات سعيد أبي النحس المتشائل». وأن يخلّف لنا الجاحظ كتابه «البخلاء»، الذي يرى فيه بعض المستشرقين صفحة مشرقة من صفحات الأدب العربي.

في الأدب، الموزّع على أنواع متعددة، ما يحفظ سِيَر بشر رحلوا ولم يرحلوا، أخذهم الموت وحافظ الأدباء على بقائهم في الذاكرة وسجلوا مفاجآت جاءت وانطفأت وعلى خلاف ذلك تخلط الحياة أزمنة كثيرة وتستبقي مفاجآت قادمة وتسرد بدايات صداقات لا تزال تسير بيننا. هل هناك تنافس بين قوة الأدب وسلطة الحياة، أيهما يتفوّق على الآخر؟

إن وجوه الحياة المتجددة تتفوق على الجميع، تستولد حكايات نعرفها وأخرى غريبة نقرأ عنها في الكتب مثل حكايات «تاي، تاي»، في رواية أرسكين كالدويل «فدان الله الصغير»، حيث نقف أمام عشرات أكوام من التراب حفرها إنسان اعتقد أن أرضه مليئة بالكنوز. وما عليه إلا أن يستنفر عائلته لتعمل معه كي يعثر على ذهب يبقيه غنيًّا إلى الأبد.

هل تتفوق وقائع الحياة، المتعددة المتنوعة، على خيال الأدب، الذي يتحدث عما وقع وعما يمكن أن يقع وعن أشياء لن تحصل أبدًا!

حكاياتي مع رواية موبي ديك

حكاياتي مع رواية موبي ديك

سألتُ الأستاذ الراحل إحسان عباس النصحَ في القراءة، قال بلا تردد: اقرأ رواية هِرمان ميلفل: موبي ديك، فهي من أجمل ما قرأت لغة، ومن أعمق الروايات منظورًا وفلسفة.

يروقني فيها بعدٌ فلسفيٌّ مزدوج المستوى ولغة كثيفة تأمر بالاجتهاد ومعاودة المساءلة. عمل بطل الرواية البحار العصابي المبتور الساق على اغتصاب الطبيعة، محاولًا ترويض طبيعة عذراء لا تروّض؛ ذلك أن الحوت الأبيض الذي طارده وجه من وجوه الطبيعة، ينصاع إلى قوانينها ويُعرض عن رغبات إنسانية آبقة ممتلئة بالشر، ولا تدري.

توهم البحار، الذي أعماه غروره أنه يعاقب الشر، جاهلًا أن الشرّ يقوم في نواياه لا في علاقات الطبيعة السليمة. وتراءى البعد الآخر في بحّار شائه الطبيعة يقود بحارته إلى الهلاك، متوسلًا لغة خطابية وقطعة من ذهب ثبتها، لامعة، على عمود الشراع. أدرك آخاب بحدسه الشرير، أن الخطابة المتقنة الكلام خدعة سهلة، لا تملأ البطون وترضي العقول الفارغة. وأن في الذهب قوة تخلق الانصياع والخضوع إلى الإرادات المستبدة.

أقنعني البعدان الفلسفيان في رواية موبي ديك بقراءتها بإمكانياتي المتاحة، وبملاحقة طبعاتها المتواترة، فاحتلت حيّزًا من «مكتباتي» التي توزّعت، غصبًا، على أكثر من مكان ومدينة لو تحررّتُ من استبداد المكان والزمان لكان عندي الآن من تلك الرواية، التي ترجمها إحسان عباس، ما يشبه المكتبة. ترجمها إحسان بفكره وعقله وروحه، وأثنى على الترجمة، طويلًا، الراحل غسان كنفاني.

إحسان عباس

«عثرتُ» على الرواية في المرة الأولى عام 1956م، في المكتبة العمومية في دمشق. أستذكر صديقًا معي في الصف السابع، انتهى الآن أستاذًا جامعيًّا في إفريقيا؛ ذلك أننا رأينا الرواية في المرة الأولى معًا وسبقني إلى شرائها واعدًا تعويض «الخسارة» بطبعة جميلة لرواية «جزيرة الكنز»، لروبرت ستيفنسون. غير أن الزمن كان معي كريمًا، ورجعت فاشتريت «الطبعة المغدورة» بعد مرور عشرين عامًا وأكثر.

كنت أتهيأ لمغادرة باريس نهائيًّا في أكتوبر 1974م، عائدًا إلى بيروت حين قررت أن ألقي «نظرة وداع» على المكتبات الصغيرة التي تحاذي نهر السين. مكتبات تجمع القديم والجديد، الكتب الناقدة والمجلات النافذة… رأيت هناك كتابًا أليف الغلاف، «يغمزني» ويدعوني إلى صحبته. كان الكتابُ هو: رواية موبي ديك، تواطأت معه، جديدًا كان يبدو، رخيص السعر رخصًا «مهينًا». اشتريته «بفرنك» واصطحبته إلى البيت فرحًا، لم أضعه في حقيبة الملابس، تركته في كيس ورقي مستقل تحت نظري خشية الفقدان. تذكرت عندها صديقي القديم، الذي لن أراه ثانية، واعتبرت الرواية تحية متأخرة من رفيق اشتاق إليه. وحين رجعت إلى بيروت كانت هناك ترجمة الأستاذ إحسان عباس، سميكة، أنيقة، صدرت عن: «دار مكتبة الحياة»، إذا لم تعبث بي الذاكرة. لم أكن عندها التقيت الأستاذ «إحسان»، تلمست آثاره في انتظار نصائح وصداقة قادمة.

ظل يتأمل الكتاب كما لو كان يحرسه
ويطرد عنه الأرواح الشريرة

زارني في بيروت، التي سأقيم فيها خمس سنوات، صديقًا من أيام الطفولة، تسكعنا في «جنيف الشرق الأوسط» آنذاك، ومررنا «بالروشة»، صخرة العشاق اليائسين، كما بدت لي، وبالجامعة الأميركية المطلّة على البحر، التي درس فيها «قادة الشرق الأوسط» ذات مرة، وسرنا الهوينى في «شارع الحمرا»، الذي لم تهلك هالته بعد، وألقينا التحية على أكثر من مكتبة، ليس آخرها «مكتبة صايغ».

الصديق القديم «وليد»، هذا اسمه، أعجبه مدخل مكتبة افترشته أغلفة كتب كثيرة، بالعربية والفرنسية والإنجليزية. لم يقاوم فتنة الكتب فدخل ودخلت معه، وصادف أن وقف أمام «موبي ديك»، طبعة متميزة زيّنتها رسوم «ريكول كِنْت»، بالأبيض والأسود. ظل يتأمل الكتاب كما لو كان يحرسه ويطرد عنه الأرواح الشريرة… فتركته وعدت إلى بيتي مضطرب الطويّة، كما يقول البلغاء. حين رجع الصديق، الناحل الطويل القامة، إلى البيت، بوجه راض وابتسامة متخابثة، تقدّم مني ووضع أمامي رواية ميلفل ببحارها المبتور الساق الذي عالجته ريشة الرسام الأميركي «كِنْت»، فبدا أكثر طولًا وأوسع تجهّمًا، وقال: نظرتُ إليك وأنت تغادر المكتبة وشعرت أن جزءًا من روحك ظل إلى جانب الرواية، فأبيت إلا أن أشتريها وأضعها بين يديك، فهذا من أصول الصداقة الصادقة…

فوجئت وفرحت واضطربت وحضنت الرواية كصديق عائد من السفر وتذكرت صديق المراهقة -محمد عمر فاروق البزرة- الذي انتهى إلى إفريقيا أستاذًا جامعيًّا لمادة الكيمياء، وقلت في نفسي: لو كان الصديق البعيد معنا لوجّه تحية إلى صديقي الصادق الذي أراحه من عتاب قديم. وشعرت أن الرواية صديقة الصديقين، تهمس في أذن أحدهما بفرح وتعبّر لثانيهما عن امتنان عميق طليق الكلمات. وتساءلت عن معنى الأفراح الصغيرة الجليلة التي توزع الفرح على أرواح نقية لا تعبأ بالمال والسلطة وتلهج سعيدة بعلامات المودّة. سألتُ عندها عن الفرق بين برودة القيود ودفء الحرية، ولماذا انصاع البحارة إلى أوامر بحّار يسوقهم إلى الموت، وعثرت على الجواب في: الخوف من المتسلطين الذين يتحدثون بأيديهم وعيونهم وأرجلهم ويكتفون بإشارات قاتلة، لا هي باللغة العاقلة ولا بحركات الوجه المستريحة، وعرفت آنذاك لماذا يتكلّم المستبدون بأجسادهم، ولِمَ توقظ الأرواح السليمة رهافة اللغة وتحترم القواميس المتوارثة… وقلتُ: هل يعطل الاستبداد اللغة، كيف يشوّهها ويشوّه المتحدثين بها؟ وهو ما أشار إليه الفلسطيني روحي الخالدي في كتابه الذي ظهر في أول القرن العشرين، عنوانه: «تاريخ علم الأدب عند الإفرنج والعرب وفيكتور هوغو».

ما زلت أذكر كيف استقبلتُ الكتاب المزيّن بالرسوم، الذي حمله الصديق القديم إلى صديقه في بيروت. تأملت غلاف الكتاب الخارجي، مسحته مرتين، وداعبته مرتين، وبحثت له عن مكان مرتفع في البيت يعلن عن حضوره ويومئ إلى قيمته فبدا موضوعًا جميلًا تعلوه قداسة. كان كتابًا وصار زائرًا كريمًا، وكان سلعة للبيع والشراء وغدا شيئًا متعاليًا لا نقترب منه إلا بعد غسل اليدين.

عدت إلى دمشق بعد بيروت والتقيت الصديق الراحل الدكتور صادق جلال العظم، كان أستاذًا للفلسفة في جامعة دمشق، لا يكترث بلباسه ويركب سيارة «رقيعة» لا مكان لها بين السيارات «العالية»، ويردد ضاحكًا: إنه تسامح النبالة، فقد كان فخورًا بانتسابه إلى عائلة عريقة ثرية يمحو نبلها الأخطاء الصغيرة والكبيرة.

أطلق صادق، كعادته، ضحكة مجلجلة، تسبقها سخرية وتتلوها سخرية، وقال: عندي في الجامعة مجموعة طلبة تحضّر أكثر من «دكتوراه» في أكثر من موضوع، مراتب هؤلاء الطلبة عالية، بل شديدة العلو، في الحياة المهنية والاجتماعية. لو التقيتَهم لسرّك بعضهم ولأمضّك بعضٌ آخر لا يعبأ بالعلم ولا بديكارت وسبينوزا، فهم مأخوذون «بالتجمل الاجتماعي» الطريف، حيث التاجر يلفظ بشكل مغلوط اسم «فرويد» قبل أن يقرأ أعماله، أو يلعن «هيغل»؛ لأنه يقيم في ألمانيا الغربية لا ألمانيا الشرقية صديقة العرب، وقد تجد من لا يعرف الفرق بين أفلاطون وأفلوطين.

الصدفة في التاريخ

كان من بين هؤلاء «الطلبة» شخص دمث رفيع الأدب يتعامل مع الفلسفة بجدية غير مألوفة، اختار موضوعًا عويصًا عن «الصدفة في التاريخ» سألني، بعد أن تعرفت إليه، أن أقدم رأيًا في موضوع أطروحته، بعد أن أثنى عليَّ الدكتور صادق و«اتهمني بالجدية!». أراد الطالب «العالي المقام» أن يشكرني على ما تقدمت به، قال: أنا لا أهتم بالأدب والروايات وقد جاءني أحد معارفي بهذا الكتاب الملون الهائل الحجم، كما ترى، وأرجو أن تقبله وأنت الذي تهتم بالأدب والفلسفة معًا.

لم تقع عليّ صدفة من التاريخ، وصُدفهُ موجعة غالبًا، بل أصابتني صدفة مرجوّة أضافت إلى «مكتبتي الصغيرة الخاصة برواية ميلفل» طبعة جديدة، عالية المقام أيضًا، من موبي ديك استقرت بين طبعات أخرى، وبدت الطبعة الأكثر أناقة و«هيبة» أيضًا. ذكرت عندها «الولع بالكم» ولم أكن راضيًا، ذلك أن المطلوب، منطقيًا، الاحتفاء بالكيف والإعراض عن الكم الذي يفضي في حال «النفوس الدنيئة» إلى السطو والسرقة والعبث بما يخصّ الآخرين.

كان من صدف التاريخ القاسية أن أترك دمشق، فجأة، وأن أدع مكتبتي نهبًا للغبار والضياع والنهب المنظم، وأن أتأسى على رواياتي الأثيرة مثل: «اللص والكلاب» لنجيب محفوظ، والطبعة الأولى من رواية طه حسين «دعاء الكروان»، وأن أفتقد الطبعة الأولى الإنجليزية لرواية همنغواي: «العجوز والبحر»، التي اشتريتها عام 1955م من مكتبة تائهة بين أحياء دمشق، ورواية جون شتاينبك: «رجال وفئران» التي تعود طبعتها إلى عام 1937م، وأن أفتقد طبعة قديمة من رواية الإنجليزي غراهام غرين: «الأميركي الهادئ»، ورسائل بين صفحات الكتب كنت ضنينًا بالبوح بأسرارها.

بدت لي مكتبتي القديمة- الجديدة في العاصمة الأردنية متشحة بالسواد، أخذت منها كُتبًا إلى دمشق، ولم أكن صادقًا بتعويضها عمّا فقدت. كان بين المفقود رواية: موبي ديك. أردت أن أردّ إلى الرواية- الصديق بعض الجميل الجديرة به، وتذكرّت مباشرة طبعتها الفرنسية في سلسلة «بِليّاد» عند غاليمار، الطبعة الأكثر أناقة وحظوة وأمانة فلها مقدمة ضافية، صفحات مبرّأة من الخطأ.

وها هي الآن الطبعة الفرنسية أمامي تستقر في غلافها الأبيض السميك، وعلى صفحتها الخارجية الأمامية اسم هِرمان ميلفل، وقد كُتب بلون أحمر، وتحته بخط أسود: موبي ديك، بيير أو الغوامض، المجلد الثالث، يقع تحته بخط أسود صغير: طبعة نُشرت بعناية دو فيليب جاورسكي، بالتعاون مع مارك أميرفيل وهيرشل باركر… وفي أسفل الصفحة الأولى بلون أحمر: مكتبة البِليّاد. غاليمار. عام النشر 2006م، وتقع كاملة في 1407 صفحة.

وقد أَسال، أو أُسأل: ما أسباب تعلّقي برواية إلى حدود الإدمان المتزمت، كأنها عادة لا يمكن التحرّر منها؟ يتناثر الجواب قدر ما يستطيع ويحتفظ بمركزه. فهي الرواية الأولى التي اشتريتها بنقود تتجاوز إمكانياتي كطالب ثانوي، تعيد إليّ ربما ذكرى صديق غاب، أحببته وافتقدته إلى اليوم، وربما تذكّرني بالسيدة صاحبة المكتبة، الرقيقة الأنيقة الأسيلة الخد، التي ما التقيتها، صدفة، إلا ذكرت الرواية وصديقي القديم، أو ربما الحنين إلى بداية دافئة ستمتد طويلًا ويصحبها التغير والاختلاف!

من المحقق أن صورة البحار المستبد الذي ساق قومه إلى الهلاك استقرت في ذهني وأحالت، بلا صوت، إلى مستبدين آخرين لم يكن لهم، للأسف، مآل البحار الموتور، الذي وقف فوق ظهر الحوت الأبيض متوعدًا متغطرسًا رافعًا صوتًا يقول: «ها أنا أوجّه إليك آخر طعناتي»، ناسيًا أن الطعنة سترتد عليه، حين يغطس الحوت في الماء ويعود إلى السطح وقد صار البحار جثة مكبلة بالحبال… ومن المحقّق أيضًا أن في سلوك البحار ما يذكِّر بالكارثة، فقد غرق وأهلك الذين معه، موحيًا بأنه المخلِّص العليم، الذي يُغرق الماء ويتأبى على الغرق كأنه واحد من صغار المستبدين الذين عاقبوا شعوبهم ألف مرة، وسقطوا أمام أعدائهم في الجولة الأولى بلا قتال، تاركين الرواية تقول: الأسرى لا يحاربون، والذي يحارب شعبه بلا شفقة يخسر قبل الذهاب إلى المعركة ويزْهد به الذباب.

انكسار الأحلام والصداقات

انكسار الأحلام والصداقات

لست أدري لم استهلّيت صبيحة هذا اليوم الحزيراني القائظ، باستذكار ثلاثة أصدقاء كنت أحاورهم، في السنة الجامعية الأخيرة، في خياراتنا الدراسية المحتملة القادمة. كنا نطوف بالكلام طويلًا، ونحطّ على جامعات باريس التي تعلّم فيها أساتذة الفلسفة الذين علّمونا، ووضعوا في أسماعنا أسماء تثير الفضول: بول ريكور المشغول، آنذاك، بقضايا الخير والشر قبل أن ينجز سفرَهُ الكبير: «الحكاية والزمن» في أجزاء ثلاثة. وفرديناند ألكيّيه المهجوس بقضايا الإنسان الداخلية التي تبدأ بالعزلة والاغتراب وتنتهي بالموت، وغاستون باشلار، الأكثر شهرة في اختصاصاته المتعددة، التي تبدأ بفلسفة الفيزياء، ولا تنتهي «بعلم نفس النار».

لم نكن نعلم أكان مقصدنا محاكاة أساتذتنا الجامعيين، أم كسر الطوق والالتحاق بشهرة الفلاسفة الفرنسيين، إرضاء لطموح شريد صادق النوايا ساذج الحسبان؟ والأرجح أنه كان في أرواحنا سرب من الأحلام، ورومانسية معرفية تلغي المسافة بين الممكن والمرغوب. وكان في تلك الأحلام ما يملؤنا بالبهجة.

فرديناند ألكيّيه

وعلى عكس هذا اليوم القائظ كان صباحي المبكّر، يبدأ بانتظار عصفوريْن أسوديْن بالغي الصغر، لا يتجاوز حجم الواحد منهما «حبة الجوز» يحطّان، عادة، على وردة حمراء، عالية العنق، بحثًا عن الرزق المتاح واستباقًا لغيرهما من الطيور. كان في العصفورين ووردتهما ما يعطي الصباح مذاق الندى والتفاؤل، فإن أخلفا الميعاد بدا الصباح منكمشًا متكسّر الأوصال.

مَنِ استذكرتهم من الأصدقاء القدامى ثلاثة، لم يقع عليهم نظري منذ عقود، أرجعوني إلى فترة منقضية كنا فيها نتبادل رسائل مكتوبة، بالشكل التقليدي، رسالة وبريد، نعبّر عن الشوق ونتمنى النجاح ونمر على جديد الكتب. اجتاحني هذا الصباح حنين إلى مكان، حنين بلا وعي، يذكّر بالحب والورق وغبطة استلام رسالة أو إرسالها، وملامح وجوه تخادع الذاكرة، وأصداء أصوات تقترب وتبتعد، وحركات بالعينين واليدين لم أعتقد مرة، أنها ستغدو أطيافًا أو قرينًا للأطياف.

تذكّرت أنّ أقربهم إلى نفسي ضاق بعالمه العربي وحمل ضيقه وهرب إلى السويد، باحثًا عن فرج مؤجّل. تمنَّيت له الفرج وأجّلت الكتابة إليه، وماطلت في التأجيل، بعد أن طلب مني أكثر من مرة اللحاق به إلى «بلاد الراحة». قلت في نفسي: الذي لا يظفر بالفرج في بلاد العرب لن يعثر على الراحة في بلاد الغرب؛ رغم أنني كنت، وما زلت، مفتونًا بكتاب برتراند راسل: «حكمة الغرب».

رومان إنغاردن

الذي ارتحل إلى السويد كان طالبًا مجتهدًا، شحيح البصر أو خافت النظر، أنجز دراسة مرموقة عن: اليوتوبيا بين ماركوزه وابن عربي، ربما يرفع عقيرته منشرحًا وهو يتحدّث عن هوسِرل ورومان إنغاردن، ويتفاخر بأنه قرأ الأخير، أو «استأجر» تلميذًا يعينه على النظر والقراءة. رأى في كتابتي الصحفية مرة إضاعة للوقت وتبخيسًا لاغتراب ماركس، الذي كان موضوع دراستي الجامعية. ونصح بقراءة جادة للمدينة الفاضلة «بين الأخير وفالتر بنيامين». وكان يعتقد أن دور الفلاسفة، وهو منهم، اقتراح مدينة فاضلة، أو «يوتوبيا»، تواجه الزمن وتظل لطيفة الإجابة. أجبته: إن «شروطنا» متقشفة في الفلسفة والاقتصاد والسياسة و«شرح حرف الواو»، أجابني: إن شجاعة الفلسفة تروّض ما لا يروّض، إلى أن روّضته «شروطنا» وبحث بجهد عن «صحيفة» يكتب فيها. لم يعثر عليها، وارتحل إلى «بلاد الراحة»، ولم يصبح مرتاحًا.

هاتفني قبل سنوات وطلب أن نكتب دراسة مشتركة عن الفينومينولوجي البولوني رومان إنغاردن، وأن «بلاد الراحة» تتكفّل بمكافأة وافية، سألته متضاحكًا: ولكن ما تعريف «المرموق» في فلسفة السيد إنغاردن؟ كفَّ عن مراسلتي وتابع حياة مرهقة، تأتلف مع متاحف الكوابيس، وتزجر الأحلام المؤجّلة.

أطروحة لم تتم

الأول الذي ارتحل إلى السويد مؤتلف مع عادة الرحيل، كان فلسطينيًّا، بدأ دراسته الجامعية في دمشق وأكملها في القاهرة. أما الثاني فكان قرويًّا من ريف دمشق، عُرف بمثابرته النموذجية، وبصوته العالي، وعينيه الجاحظتين، وبأناقة تترجم قرويته بلا أخطاء. يتفاخر، بلا اقتصاد، بعنوان أطروحته الجامعية القادمة: «المنطق المتعالي بين هوسِرل وكانط»، وبالأستاذ بول ريكور الذي وافق على الإشراف على رسالته، ويجهر مرتاحًا بعنوان دراسته، ويشدّد على الكلمات والحروف ويقول «المنطق الترانسندنتالي»، فالصفة بهذا الشكل أكثر فخامة. فإذا ملأه الرضا قال: سيماهم في وجوههم، وفي عنوان أطروحتي ثلاث علامات فارقة: «علمان من أعلام الفلسفة وصفة تجمع بينهما لا يعرف معناها إلا قليلون».

بول ريكور

التقيته بعد سنوات وسألته: ماذا فعل الزمان «بمنطقه» الذي لا يعرف معناه إلا القليلون؟ شدّ ملابسه وكان أنيقًا كما كان، وأشعل «سيجارة غلواز»، سيجارته الفرنسية المفضلة، وقال: كما تعرف أنا لا أريد بحثًا تجاريًّا، أو مدرسيًّا ضيّقًا، ولا أكاديميًّا ملفّقًا، فما أسعى إليه إضافة فلسفية لموضوعي الفلسفي؛ لذا ذهبت إلى لندن، سلخت من عمري عامين في تعلّم الإنجليزية «(تبيّن لاحقًا أنه صادق فتاة إنجليزية في باريس وقَطَرَته معها إلى بلاد السيد بلفور) أجبته: إنك لا تزال مخلصًا: لموسوعيتك المشتهاة». أجاب: إنّ لموسوعيتي الفلسفية بحثًا يطول!».

التقيته ثانية بعد أربع سنوات. وقبل أن أتكلّم أسهب في تبيان أفكار أستاذه «ريكور» وأخلاقياته التي تمنعه أن يكون عنصريًّا كبعض الأساتذة. وحين بدرت مني إشارة إلى أطروحته الشهيرة أخذ «بذؤابة الكلام»، وهي من تعابيره، وأجاب: لا شك أنك لا تزال تعرف هاجسي الموسوعي الذي يجعلني مختلفًا عن الطلبة التقليديين. لهذا تعلّمت الألمانية، لغة هوسِرل وكانط، وسافرت إلى ألمانياـ لم يذكر مدة الإقامة ولست أدري إن تعثّر هذه المرة بفتاة ألمانية، ذكر بخير الفيلسوف الألماني الشهير: كارل ياسبرز، ومرّ على أسماء لم أسمع بها. تمنيت له الخير، وسألت الله أن يوفّق «موسوعيّته» المليئة.

بعد مرور أربعة عشر عامًا على إقامته في فرنسا، قيل لي: إنه لم ينهِ الأطروحة الميمونة بعد، وأنه يعمل «ناظرًا على التلاميذ» في مدرسة ثانوية في جنوب فرنسا.

والثالث بيننا، وهو قصير القامة كبير الرأس، كان أكثرنا بساطة وراحة. التقيته مرة واحدة، تحدّث سريعًا وأعطى فكرة «غير فلسفية» عما انتهى إليه، وأوضح: أردت في البداية إنجاز أطروحة عن جهود المصري عبدالرحمن البدوي في الترجمة، دوافعها وأسبابها وتنوّعها. والدكتور البدوي، كما تعلم، يعيش في فندق في الحي اللاتيني، اللقاء به سهل وميسور، حياته محوّطة بالعزلة، مقتصد في كل شيء بما في ذلك الكلام. لكنني بعد أن تأملت حياته، وهو الذي أتقن لغات عدة وترجم ووضع أكثر من سبعين كتابًا، قرّرت أن أقلع عن مشروعي الدراسي، وبخاصة أن الحياة غمرتني بكرمها؛ إذ تزوّجت سيدة مغربية وهبها الله وظيفة مرموقة، لا تحوجني إلى العمل. ابتسم قليلًا وقال: لا أخفيك أنها تتجاوزني عمرًا، عامرة باللطف والدماثة. لم أمنع نفسي عن سؤاله: ماذا تفعل في أوقات الفراغ؟ أجاب: الحياة كلها فراغ في فراغ، وبعيدًا من مشاكل المنزل، فتصريف الفراغ في باريس أمر لا مشقة فيه. أحنى رأسه وانصرف ولم أره بعد ذلك.

كان عبدالرحمن البدوي يبدو لنا أيام الشباب معجزة، وأقل منها بقليل، تعلّم لغات عدة، وترجم إلى العربية الإنجليزي بايرون والفرنسي سارتر والإسباني سيرفانتس والألماني بريشت، وراجع ودقّق وشرح «الفلسفة الإسلامية»، وأصدر «الزمن الوجودي»، وديوان شعر عنوانه: «الحور والنور» ربما.

تحولات الأزمنة

أستذكر الأصدقاء القدامى، اليوم ويستيقظ في خاطري سؤالان، ما الذي دفعهم إلى إخفاق، أو ما يشبه الإخفاق، وكانوا ذات مرة تلامذة لامعين؟ تحولات الأزمنة، ربما هي التي سحبتنا من فترة واعدة، النصف الأول من ستينيات القرن الماضي، إلى هزيمة ساحقة بعد عام 1967م، تلت «الاستقلال الوطني»، واغتصاب فلسطين، وصعود أحزاب واسعة الشعارات تطلّعت إلى «خلق العالم من جديد». أحزاب، ويا للغرابة، متنوعة الأقوال متجانسة الممارسة والسلوك، أسقطت معنى الأحزاب ودلالة السياسة والنظرية والتجديد الفكري.

السؤال الثاني ليس بالسؤال، إنما هو الإجابة عنه: يستذكر الإنسان الماضي حين يشعر أنه لن يعود ويرى في ابتعاده «فقدًا أليمًا» يغلق الأمل.

أنطون مقدسي

الإخفاق الذي عشناه «نحن المثقفين»، أو ما يشبهنا، زرع في الروح خيبة وزهدًا بالكتب والمكتبات، عبّر عنهما أساتذتنا الذين تلقوا العلم في «مدينة النور»، واجتهدنا في محاكاتهم وهم الذين حاكوا، بعد التقدّم في العمر، غيرهم من المخفقين. فأستاذنا الألمع الدكتور عبدالكريم اليافي كان في شبابه أشهر منه في شيخوخته، وهو الذي ظفر «بخمس اختصاصات علمية»، شملت الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم الإحصاء وفلسفة العلوم وتاريخ التصوّف واللغة العربية… انتهى إلى إنسان «لا تفارقه سجادة الصلاة»، التي أطلقت لسان الراحل الدكتور صادق العظم بتعليقات ساخرة وجادة معًا. وأستاذنا بديع الكسم قال في شيخوخته: أنظر الآن إلى روحي ولا ألتمس عونًا من الكتب. أما الأخير «أنطون مقدسي»، المولع بأفلاطون، فقد اشتكى من ارتفاع ثمن كتاب «الجمهورية» لأفلاطون، رغم ترجمته البارعة، كما «يقال».

تكشّفت جمالية الحياة، ذات مرة، في جماليات القراءة والكتابة إلى أن أشفقت علينا وأخذت بنا إلى جماليات متاحة جديدة: المطر المنهمر، مرتاحًا، في يوم ربيعي، سجالات العصافير في الصباح، بلاغة الأعشاب المزهرة، أم تحنو على صغيرها في طريقهما إلى «الحضانة»، دفء يجود به اللباس على يدين هاربتين من برد شديد، وطفل يقود جده الأعمى إلى مكان عبادة قريب.

عبدالرحمن بدوي

هل يمتع الروح كتاب عن «الوجود والعدم»، معقد الصياغة غريب الكلمات، أم عصفور بحجم «حبة الجوز» يحطّ على وردة حمراء صباحًا؟ أيبهج البصر منظر مثقف متعالم، يرتحل من قناة تلفزيونية إلى أخرى أم بقعة شمس على شجرة خضراء في الصباح؟

كنا نقول باطمئنان: تأتي الأفكار من الكتب وتحاور كتبًا أخرى، أمّا في «زمن آخر» فنقول بلا اطمئنان: ما ترسّب في ذاكرة الطفولة من أحلام يعود في زمن الشيخوخة طيفًا متواضعًا متطايرًا في الفضاء.

لستُ أدري ما الذي دفعني في يوم، بدا كغيره، إلى تذكّر أصدقاء سقطت أطيافهم في نسيان غير مقصود، يرحّل الإنسان من بئرٍ إلى آخر، ويلقي به في عزلةٍ روحية ترحِّبُ، صباحًا، بعصفورٍ منقطع عن البشر، صغير كإصبع اليد ومشبعٌ بالنقاء.

أن تحاور الرواية وأن تحاورك الرواية

أن تحاور الرواية وأن تحاورك الرواية

لست أدري لمَ أقبلتُ، مبكّرًا، على قراءة ما هو متاح من كتب الهنغاري الماركسي جورج لوكاتش، الذي يصبح في الهنغارية: لوكاش جورجي. أذكر أنني بدأت بكتابه «الرواية التاريخية»، الذي تُرجم في العراق، وتلاه آخر عن «الرواية الروسية» تُرجم في القاهرة. ولم تأتِ ترجمة كتابه الشهير: «نظرية الرواية – 1914» إلا متأخرة، قام بها مترجم مغربي حصيف، رغم صعوبة اللغة، وكنت آنذاك لست بحاجة إليها، بعد قراءته بالفرنسية.

وعلاقتي بالكتاب الأخير أشبه بالحكاية، واضحة البداية لطيفة الانغلاق؛ ذلك أنني استعرت منه العنوان وبعض الأفكار في فترة محددة، وزهدت بها لاحقًا. فقد ارتكن لوكاش «نظريته في الواقعية» إلى مفهوم: الصراع الطبقي في الأدب، جعله مركزيًّا، وقرأ به توماس مان وبلزاك، وأغفل: «الصراع الطبقي في القيم الجمالية»، مفترضًا أن الشكل الروائي ثابت يصيبه تغيير قليل، وأن هناك شكلًا فنيًّا مرجعيًّا لا يصحّ تجاوزه، هو ذاك الذي جاء به تولستوي وبلزاك، وكان نظره هذا «أرسطويًّا» ولم يكن ماركسيًّا. وعندما انتقل في مرحلته الستالينيّة، والأرجح أنه كان ستالينيًّا طيلة حياته، إلى ما دعي «بالواقعية الاشتراكية» لم يغيّر في نظره شيئًا، منتظرًا «تولستوي أحمر» أو «بلزاك اشتراكي المنظور».

وواقع الأمر أن دوراني الطويل حول كتاب «نظرية الرواية» يعود إلى سببين: كتبه لوكاش شابًّا، وبقي الأشهر بين أعماله الفلسفية والنقدية الأدبية. وثانيهما أنني قرأته غير مرة. لا فرق إن كنت قد نفذت إلى ما يريد أن يقول، أو بقيت «أتعيّث»، كلمة مستعارة من الأستاذ الراحل حسين مروّة، وتعني: الوضوح المجزوء، أو المتوهّم، أو ذاك القصور الذهني الذي يقنع صاحبه أنه فهم ما يقرأ دون أن يكون، لزومًا، فهم فعليًّا ما قرأه.

تعرّفت إلى كتاب «نظرية الرواية» للمرة الأولى، في منتصف ستينيات القرن الماضي في عرض سريع له في «مجلة المعرفة»: السورية، قام به السوري فؤاد أيوب، تأكدي من الكنيّة لا يساويه يقيني عن الاسم العَلَم. جذبني إليه طويلًا لغته الأدبية- الفلسفية، وكنت آنذاك طالبًا في كلية الفلسفة في جامعة دمشق، وأنصتُّ إليه لاحقًا وأنا أقرأ «لوسيان غولدمان»، ناقدًا أدبيًّا وفيلسوفًا بدوره، أشهره كتابه: «الإله المحتجب»، درس فيه أعمال الفيلسوف الفرنسي باسكال. اطمأن غولدمان اليهودي الفرنسي الروماني الأصل إلى الكتاب المذكور، طوّر أفكاره، واتخذ منه دليلًا نظريًّا لدراساته الأدبية التطبيقية، وعن أندريه مالرو خاصة.

والأساسي، في الحالين، كلمة: «نظرية» التي تعني نسقًا من المفاهيم و«الكلية»، تسرد وتشرح وتوحّد بين بداية القول ونهايته. إضافة إلى إضاءة إلى التاريخ الاجتماعي- الثقافي الذي يتيح ظهور الرواية وتغيّرات البنية واللغة. وما كان احتفائي بمفهوم النظرية إلا حلمًا «شبابيًّا» عارضًا «هجس ببناء نظرية شاملة» في الرواية العربية، عاش فترةً وطواه الزمن.

دفعني شغفي بكتاب لوكاش الشاب إلى محاولة الكتابة عنه (شبه دراسة) في سبعينيات القرن الماضي في مجلة شؤون فلسطينية. تحدّث عنها بتحفّظ الصديق محمد برّادة حين التقيته، آنذاك، في بيروت. ولعل شعورًا بالعجز الحقيقي عن تملّك «نظرية الرواية» أملى عليّ إعادة كتابتها حين نشرتها في كتاب «قديم» عنوانه: «في دلالة العلاقات الروائية» قبل أن أعود إليها، مرة أخيرة، بوضوح نقدي في مطلع كتابي: «نظرية الرواية والرواية العربية».

تعرّفت إلى عمل لوكاش الشاب بمحاولات متعددة، ودفعني بدوره، إلى التعرف إلى مساهمات ذات صلة به، حال كتاب الفرنسي بيير ماشريه: «نحو نظرية في الإنتاج الأدبي»، استلهم فيه نهج أستاذه لوي آلتوسير، أخذني إلى اجتهادات الإنجليزي تيري إيجلتون، التي اتكأت على دراسات آلتوسير وماشريه معًا، قبل أن يتحرّر منهما، جزئيًّا. بيد أن الإنارة النقدية الأكثر اتساعًا جاءت مع الروسي باختين في دراساته عن آحادية وتعددية الأصوات عند تولستوي ودوستويفسكي.

عبث البحث عن نظرية

سواء كانت المراجع فعلية أو متخيّلة، فالأساسي ماثل في أمرين يُكمل أحدهما الآخر: إمكانية قول متسق عن نظرية في الرواية العربية، كما عبث البحث عن نظرية لا وجود لها، ولا لزوم. قادني إلى الأمرين، ومنذ زمن، قراءات قديمة أكّدتها قراءة بعض الروايات العربية الحديثة الصدور، أولها رواية: زهران القاسمي: «تغريبة القافر» التي حظيت باهتمام كبير، تثير أسئلة حول نظرية الرواية العربية المفترضة، أو المزعومة! فالنظرية تقول مدرسيًّا: إن الرواية ابنة المدينة، وأنها محصلة لعلاقات اجتماعية حداثية، بدءًا بالفرد وليس انتهاءً بتعددية العلاقات الاجتماعية، بعيدًا من المراجع الضيقة كالعشيرة والقبيلة، وأنها أثر للعلوم الاجتماعية الحديثة مثل الفلسفة وعلم النفس والممارسات السياسية.

زهران القاسمي

بيد أن القراءة، أسريعةً كانت أو متأنية لرواية زهران القاسمي، تبدأ بالقرية والجبل والوادي والبئر والبراري والأمكنة المهجورة والعائلة الضيقة… حتى لو أدخلنا عنصر: «المتخيّل الروائي»، فهذا لا يضير القراءة في شيء، فهو متخيّل يبدأ من القائم المحدود، يتوسّع محدودًا دون أن يسيء إلى السرد، ويأخذ بلغة دائرية، لا تحتاج إلى التنوّع والحرية وتنتهي، مهما تكن أبعادها، إلى نص إبداعي كثيف تكمل فيه اللغةُ المتخيّلَ، ينتجان، في النهاية، خطابًا سرديًّا، لا فرق إن تعددت شخصياته، أو أخذت فيه الطبيعة الأقرب إلى التجانس، مكان المجتمع في طبقاته المتعددة، كما يفترض المنظور الروائي (النظري) في شكله المدرسي، ذلك الشكل الذي يحرّره المؤلف ويدعه طليقًا.

والسؤال الأساسي: إن كانت الرواية «امتدادًا» للمدينة، فكيف تكوّنت وهي ترسم واقعًا لا علاقة له بالمدينة؟ جعل نجيب محفوظ من القاهرة، على سبيل المثال، المرجع الأساسي لروايته المتوالدة، مضيئًا بوضوح العلاقة بين الرواية والمدينة، واتخذ القاسمي من القرية متكأً لمتخيّله الروائي، وانتهى إلى عمل إبداعي يعيد النظر في دلالة «الفضاء الروائي»!

اللبناني رشيد الضعيف، الذي راكم نتاجًا روائيًّا نوعيًّا، كتب، بدوره، مؤخرًا رواية: الوجه الآخر للظل، الأقرب إلى حكايات متخيّلة تحيل، طليقة، على ألف ليلة وليلة و«كليلة ودمنة» وكتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني وغيرها. يتلامح في عمله الروائي، المشار إليه، وجوه المتخيّل واللغة؛ العنصرين الروائيين الأساسيين، انتهى إلى «نثر كلاسيكي» بديع يرسم تعددية العوالم الطبيعية والإنسانية. إذا قفزنا فوق ما هو متعارف عليه في الكتابة الروائية، نلاحظ تأملًا فلسفيًّا لامعًا، تأملًا فلسفيًّا للوجود، لا تتضمنه «الرواية التقليدية» إلا نادرًا. كأن ينهي عمله بفصل أخير عنوانه: «دوران الأرض» تتوجّه جملة أخيرة غامضة: الأرض مدارية بما تحتضنه.

رشيد الضعيف

كاد رشيد أن يقترح للرواية تعريفًا جديدًا يقول: الرواية فضاء تكاملي طليق «تخلق الوجود وتضيف إليه أكثر مما هو موجود». نقرأ في الفصل ما قبل الأخير «ثورة العناصر» نثرًا تحرّر من «المرجعية الموضوعية»: «وإذ خرجت السماء عن صوابها، ازداد جنون الأرض وباتت مكشوفة على المفاجآت» و«أكثر ما فقد صوابه الشجر، فثار على شرطه، وثار على صمته وثباته في المكان ذاته مدى الدهر، وهجر أرضه…» أو: «ثم هدأ الكون واتضح، وسعت الطرقات إلى مآلاتها…» لا قد يهجُس القارئ هنا بتعددية العوالم، ويحاور «نثرًا أقرب إلى الشعر» وشعرًا يَتَفَلْسف يحتاج إلى أكثر من قراءة.

من المحقق أن رشيد الضعيف في عمله: «الوجه الآخر للظل» تقدّم بعمل روائي عربي لا يمكن مقارنته بغيره، نثره شعر وشعره نثر متقطع السرد وغائم الزمان والمكان، ينكر كل تعريف مسبق للرواية ويؤكد أنها كتابة تستعصي على التعاريف الجاهزة، كما لو كانت الرواية هي الحرية المطلقة القريبة من الشعر الصوفي، وأن للإنسان الحق في العيش، حرًّا، في حياته اليومية، وله حريته في أن يكتب كما يشاء. تغدو الكتابة في هذا المنظور تجسيدًا «مضمرًا» للحرية في إمكانياتها الفعلية المحتملة. كتابة تواجه كل القيود المعيشة والمحتملة، وهو ما يجعل «الوجه الآخر للظل» ظلًّا متعاليًا ينفتح على «حرية منشودة لا يمكن القبض عليها» لكأن «الظل» لدى الضعيف صورة أخرى عن «المثال» عند «أفلاطون» يلامس أطرافه الإنسان ويظل محتجبًا.

تعددية العوالم الممكنة

لا تطرح رواية الضعيف أسئلة حول «نظرية الرواية»، ولا تَعِدُ بنظرية جديدة، أو تشير إليها، بقدر ما تسائل «تعددية العوالم الممكنة»، تتخذ من «الفضاء الروائي» تجسيدًا متخيلًا لها، يبدأ بفضول الذهن وينفتح بلا نهاية، على قلق الروح، هذا القلق الذي تؤنسه الرواية، بلا شروط، ولا تقترح له بداية ولا نهاية. إن حرية «التذهين الروائي»، إن صح القول، تحرير للغة من استعمالها اليومي، ومن قيود الوجود الصغيرة والكبيرة معًا. إنها الحرية- المثال، المتطلعة إلى فضاء لا تفضي إليه السُّبل المعروفة ولا المجهولة أيضًا.

أمين الزاوي

كسرت رواية القاسمي المبدأ النظري القائل بأن الرواية انعكاس لفضاء مديني، وأظهر رشيد الضعيف أن الرواية فضاء لتأمل طليق لا ينصاعُ إلى النظريات، متحرر من بداهة: أن الرواية مزيج من التخيّل والواقع. فالأخير عند رشيد كلما تلامع تلاشى مؤكدًا أن ما يدعى بالواقع لا وجود له داخل الكتابة ولا خارجها. أما الجزائري أمين الزاوي فسلك في روايته الجديدة: «الأصنام» طريقًا آخر، يؤكد الرواية فعلًا نظريًّا حداثيًّا ومتخيلًا تضمنه اللغة، كما لو كان التخييل أثرًا للغة، تقترحه وتنشده وتبنيه.

يندفع القارئ الروائي إلى إبداع أمين الزاوي محرَّضًا بأمرين: جهده المتراكم النوعي السائر من رواية وازنة إلى أخرى أكثر إتقانًا وتجديدًا. لا مجال عند الزاوي للمراوحة والإنتاج الكمّي، فهو مشغول بكيفية الكتابة والوفاء للسؤال الصعب: لا تقوم الدلالة في اجتراح الأفكار إنما تتعين بطريقة كتابتها التي تستولد أفكارًا جديدة. كما لو كانت الكتابة تستنطق الأفكار وتستولدها في آنٍ.

الأمر الثاني، الذي يستكمل الأول، ماثل في ثقافة الروائي أو الثقافة التي تعلن عنها الرواية، موحّدة بين المأثور العربي وقوة المعيش اليومي والكونية الثقافية التي تجسّر المسافة بين بول إيلوار الشاعر الفرنسي، وكاتب ياسين، الأديب الجزائري المهجوس بتثوير الكتابة والمجتمع معًا.

وثيقة نظرية

قد يكون في روايته الجديدة: الأصنام، الصادرة هذا العام، ما يجعل من الرواية وثيقة نظرية- سياسية معًا، تبدأ من السلطة السياسية وتعود إليها، شارحة معنى الاستبداد والديمقراطية، وكاشفة عن مآل الشعوب المستبدّ بها وعن هشاشتها التي تأتي بمستبد لا قيمة له يَعُدّ ذاته كيانًا نجيبًا متعاليًا. ولهذا انطوت رواية «الأصنام»، التي جمعت بين ألق الأسلوب ووحدة المفاهيم النظرية، على ثنائيات تختصر علاقة «الرعية» بالسلطة: التحرر الوطني/ الاستقلال الوطني؛ إذ في عِثَار الثاني وتداعيه ما يعطّل معنى الاستقلال ويلغي دلالة التحرر. وهناك ثنائية العقل الطليق/ والفكر المعتقل؛ إذ الأول يشرح قيمته بممارساته، وإذ الثاني علاقة اجتماعية تتسع فيها الخرافات ويتسيّد عليها «حرّاس الضمائر» الذين يحوّلون الحياة، اعتمادًا على بلاغة متدينة زائفة، إلى جملة عادات مستبدّة تغلق المستقبل.

وهناك أيضًا المواجهة بين التعصّب الصادر عن تراتب اجتماعي محكوم بالمصلحة والتسامح الذي يأخذ به بشرٌ لم يفقدوا عقولهم ولا ضمائرهم. وأخيرًا الفرق بين المرأة كشيء لا قيمة له وككيان له الحق في التصرّف بعقله وجسده ومقدّراته، كأن الفكر المظلم ينتزع من الإنسان إنسانيته مقابل عقل حواري يؤنسن البشر ويحضّهم على التفتّح والانطلاق.

يقال نظريًّا، عادة: يُنتج كل عمل روائي أيديولوجيا خاصة به، واضحة أو مضمرة. شَخْصَنَ أمين الزاوي الأيديولوجيا الروائية، ووزّعها على بشر اعتُقلوا قبل ولادتهم، وتمرّدوا على الموروث بخيار حر يُردي التربية الجاهزة، وتلك المحروسة بمتواليات من العسس والمخبرين، ومراجع دينية تختصر الدين في الربح والخسارة، وفي «ثقافة أدعية» تقاتل الحياة.

اتكاءً على ما سبق فإن القول بنظرية روائية ادعاء أكاديمي لا يستطيع الوقوف، ذلك أن كل عمل روائي جدير بالقراءة يقترح منظورًا خاصًّا به. وتنتمي تلك النظرية غالبًا إلى التطورات الفلسفية أكثر منها إلى النقد الأدبي أي أنها لا تفيد الرواية بشيء.