مقالات   |   دراسات   |   قضايا   |   سيرة ذاتية   |   إعلامتحقيقات   |   ثقافات   | تراث   |   تاريخ   |   بورتريه   |   فضاءات   |   فنون   |   كاريكاتير   |   كتب   |   نصوص   |   مدن   |   رسائل

مهدية آل طالب: دور الفن لا يتحقق إلا من خلال الفنان الذي عليه إعادة صياغة أفكاره باستمرار

مهدية آل طالب: دور الفن لا يتحقق إلا من خلال الفنان الذي عليه إعادة صياغة أفكاره باستمرار

يميز الفنانة التشكيلية مهدية آل طالب حضورها الفني القوي في الساحة الفنية، وتطورها من مرحلة إلى أخرى، فهي لا تنتهي من لوحة حتى تبدأ بأخرى، تجرب من خلالها أسلوبًا فنيًّا مغايرًا، طوال مسيرتها التي تقارب 33 سنة.

جسدت علاقتها الخاصة بالخشب في معرض «أثر خشيبات»، في لوحات فنية ومجسمات ومنحوتات. آل طالب تؤكد في حوار مع «الفيصل» أن دور الفن لا يتحقق إلا من خلال الفنان الذي عليه أن يعيد صياغة أفكاره باستمرار، باحثًا عن أهداف جديدة لم يحققها سابقًا، وأن تطور وعينا يجعلنا نؤمن بما هو مختلف عنّا.

  أسستِ في الرياض صالة عرض فنية خاصة، ودعوتِ الفنانين للمشاركة وعرض بعض أعمالهم. لماذا اخترت مدينة الرياض؟ وما مدى تجاوب الفنانين مع مشروعك الفني؟

  فكرت كثيرًا قبل افتتاح الغاليري الخاص بي في العاصمة الرياض، التي تُعد الآن مركزًا ثقافيًّا وفنيًّا وتجاريًّا واستثماريًّا على مستوى رفيع، يدعو الجميع لأن يكون لهم بالرياض موطئ قدم لمشاريعهم الفنية أو التجارية. فالوجود في الرياض هو مطمع للجميع؛ نظرًا لمستقبلها الفني والثقافي الزاهر؛ لذلك افتتحت الغاليري الخاص بي «مهد الفنون» في نهاية أكتوبر من العام الماضي، واسمه مشتق من اسمي «مهدية»، وقد أقمت فيه العديد من المعارض الجماعية والفردية. معارضي الفردية الآن باتت أكثر من 13 معرضًا، والمعارض الجماعية للفنانين والفنانات من داخل وخارج المملكة تكون تحت اسم «فضاءات ملونة»، وهي سلسلة بدأت بالنسخة الأولى ولا يزال العدد في تزايد، أما المعارض الفردية للفنانين والفنانات فأترك حرية اختيار الاسم لكل فنان.

الفن والفنان في وقت الأزمات

  كيف يستثمر الفنان التشكيلي أعماله في إدارة الأزمات الخاصة والمشتركة، بحيث يساعد في إيجاد الحلول وينشر سبل التنوير، لضبط مخاطر أية أزمة وإدارتها بنجاح؟

  للفن دور قوي في إدارة أزمات الحياة؛ سواء كانت شخصية أو في المحيط الأقرب إلى الفنان أو في المحيط الأكثر شمولية، أو حتى في المحيط الأكثر عالمية، مثل وقت أزمة كورونا وغيرها. قد يشير الفنان إلى أزمة أو يُعبِّر عن هذه الأزمة، وقد يرى حلًّا معينًا لها وليس بالضرورة هو حل نهائي. ولكن ليس مطلوبًا من الفنان حل الأزمات، فهو يجسدها ويكتبها كتاريخ لوني على أسطح لوحاته، فتكون له دليلًا على أنه قد عاصرها وعاشها بكل تفاصيلها وجسدها على اللوحة؛ لتنقل للأجيال بأسلوب شاعري لوني خطي مختلف تمامًا عن النص المكتوب. اللوحة رقصة غنائية لونية على سطح أبيض، قد تمثل أبشع الأزمات، ولكنها جميلة من ناحية الألوان والتكوين والرموز والأشكال والغنائية اللونية. هذا هو دور الفنان في أن يجسد الأزمات بأسلوبه الخاص، وليس من شأنه أن يبحث عن حلول للأزمات، فحلها من وجهة نظره في تصويرها فنيًّا، من خلال التعبير عنها وتجسيدها في لوحة.

  عبرت لوحتك «الفزّاعة» عن مدى القلق الحاصل خلال وباء كورونا. فما الدور الذي يمكن للفنّ أن يقوم به للارتقاء بمستوى الإدراك وتثقيف الوعي الإنساني، بالتعامل الإيجابي في مواجهة أزمات الحياة وكوارثها؟

  مجموعة «الفزّاعة» كانت عبارة عن 8 جداريات، مقاس كل جدارية 180 × 160 سم، رسمتها خلال معرض «رسائل أمي» وفترة وباء كورونا. فيها رمزية وسريالية عميقة جدًّا تدعو إلى التفكر؛ نظرًا لكون فترة كورونا فترة استفزازية لنا جميعًا، وبالأخص الفنانين، حيث اتجهنا نحو العمق في أنفسنا لاكتشاف ذاتنا من جديد. التباعد الاجتماعي وأيضًا البقاء في البيت، كل هذا استفز فينا الإبداع ليخرج بطريقة مختلفة عما كنا نفكر فيه، وهو ما حثني على أن أنفذ تلك الجداريات بهذه الطريقة، وربما لأنني قد فقدت أخي بسبب كورونا، وهو الذي كان بمنزلة أبي، فهو من ربّاني منذ أن كنت صغيرة، فرحيله هو الذي استفزني لإبداع الجداريات الثمانية، وإهدائها إلى روحه. كان لكل لوحة عمق وبُعد فلسفي عميق جدًّا، وفيها من الإحساس والمعاناة ما فيها، قد تكون من أهم أعمالي وستكون الأثمن قيمة في المستقبل أيضًا.

  

مراحل ولادة عمل فني

  اتسمت أعمالك الفنية بمقدرتها الفطرية على التعبير العفوي عن الإنسان وواقعه وأفكاره، فبِمَ طبعت أسلوبك الفني ليختلف عن غيره من الأساليب؟

  هذه المجالات مثل المواسم وهي فصول أمرّ بها، كفنانة، كما تمر فصول السنة بالعالم. لا بد من إعطاء كل فصل منها ما يناسبه من النوع الفني، سواء كان طباعة أو نحتًا أو رسمًا. ندرك هذا من خلال تواصلنا مع يومياتنا وتحسس ما يناسب لِنُنْتِجَه، وبأي نوع من الأعمال. أنا أعمل وأرسم جلّ وقتي، فإن لم أتمكن من رسم لوحة كبيرة أو بألوان الإكليريك، فلا أتوقف عن رسم الإسكتشات الصغيرة. لدي كثير من الكراسات التي أسجل فيها أفكاري وخواطري في موضوعاتي المختلفة، ولدي العديد من الكراسات، التي سوف أتمكن في يوم من الأيام من عرضها ووضعها في مجموعة من الكتيبات لتُثري تجربتي الشخصية.

ينبغي للفنان إن لم يتمكن من فرد ألوانه على لوحة كبيرة، ألا يتوقف أبدًا عن رسم الإسكتشات بقلم رصاص على كراسة صغيرة، يعود إليها متى أراد؛ فهذه كراستي أحملها دائمًا في سفري وتنقلي ومكوثي مع أبنائي ومشاهدتي للتلفاز وفي مختلف الأوقات. الإسكتشات تقوي خطة الفنان وخطه كشكل، تتراكم عليه الصور الجمالية والمتخيلة، ومن ثمَّ قد يرجع إلى هذه الإسكتشات ويرسمها على لوحات. إلا أنني، بالرغم مما ذكرته، أسعى إلى أن أسترسل في معظم لوحاتي ويكون التكوين وليد اللحظة، وربما تستغرق فكرة عملي وقتًا طويلًا وتعيش في ذاكرتي ومخيلتي وتتكون في داخلي زمنًا، وبعد اكتمالها وتشكلها تعلن عن مولدها.

أفكار وألوان تتجسد في النساء

  شغلت بالتعبير عن قضايا المرأة، وعمدت إلى رسمها بطريقة معينة؛ إذ تبدو إما ممتلئة أو ذات أطراف مدببة. فما الذي جعل عالمك الفني بتلك الخصوصية المهتمة والمشحونة بقضايا المرأة؟

  منذ عام 2000م حتى عام 2010م وأنا أرسم النساء بأطراف مدببة، وبطول مثل طول النخلة أو السنبلة المنبثقة من الأرض نحو الأفق؛ فالأطراف المدببة هي ميزة فنية، ومفردة تشكيلية للمرأة، أردت أن تميزها، فاتخذت هذا المنحى في رسم المرأة. ومن ناحية التحليل النفسي، فتلك اللوحات تعبر عن نظرتي في تلك المرحلة؛ إذ كنت أرى أن الأشياء لا تأخذ لونًا رماديًّا أو أي لون من ألوان الطيف، فهي إما بيضاء أو سوداء، وبعد ذلك بت أتقبل كل شيء من حولي، وأدرك أنه حتى عند العبور بين المربعات السوداء والبيضاء تكون هناك مسافة لونية رمادية.

بازدياد الوعي نؤمن بما هو مختلف عنّا، وبكل ما هو عكسنا تمامًا، فكثير من الأمور الحياتية الآن نراها بحيادية وفقًا لاهتماماتنا؛ لذلك فمن منظوري الحالي أرسم المرأة الممتلئة بالعطاء والجمال والقيم الإنسانية، في رمزية إلى أمهاتنا كثيرات العطاء والطيبة والإحساس الصادق نحو الأشياء ونحو من حولها. ومن الناحية الفنية، أنا أبحث عن التميز والتفرد، وهذا يجعلني كفنانة تشكيلية أتغير بتغيّر الظروف من حولي، وبتطور درجات الوعي والنضوج والتجارب الإنسانية التي مررت بها، وهذا بلا شك ينعكس على فني. فالفن عبارة عن مجموعة حكايات عشناها، والحياة مسرح كبير نعبّر عنه كفنانين بالألوان، نسرد قصصًا حياتية عشناها على سطح اللوحة، فالفن والحياة مرتبطان بشكل وثيق.

  يتضح استخدامكِ المكثّفٍ للرموز، في لوحاتك الجدارية التي شاركت بها في معرض «رسائل أمي»، فما الرسالة الفنية التي عبرت بها رمزيًّا؟ وما الأثر الذي سوف تحدثه في إعادة تكوين فلسفتكِ الفنية؟

  في معرض «رسائل أمي» استغرقت في إنتاج هذه الأعمال مدة، من سنتين إلى ثلاث سنوات، وكانت إثر فقدي لأمي، وأيضًا أثناء فترة وباء كورونا وظروف أخرى كانت قد مرّت بي وتجسدت في 35 لوحة مكثفة، تبعًا لكل ظرف أو نتيجة فقد أو ذكرى معينة. وكل رمز كنت أقصد به شيئًا معيّنًا مرَّ بي، وكأنه تسجيل يومياتي وذكرياتي في تلك السنوات الثلاث. كانت اللوحات مؤثرة جدًا ومليئة بالمشاعر والأحاسيس وبالحزن، ولكن حزن مزهر ومشرق ومؤمن بأن غدًا أفضل، وأن الأمل دائمًا موجود، وأن الظروف ستتغير ونخرج من الأزمة التي كنا فيها. اختلطت كل هذه المشاعر ولم أكن أملك إلا أن أجسدها عن طريق الرموز. وقد لا يفهم الشخص العادي معنى أي رمز، ولكن حينما يبحث عن معنى الرمز فستتضح طلاسم اللوحة، ويُفهم معناها. وفي الأخير لكل لوحة قصة ومشهد لذكرى معينة. هي حياة لم أمر بها وحدي، بل مؤكد أن الكثيرين قد مروا بها أيضًا، فمعرض «رسائل أمي» قد لامس الكثيرين؛ لأن المشاعر ليست ملكًا لأحد.

نحت الضوء

  تربطك بالخشب علاقة فنية وفكرية عميقة عبرت عن طبيعتها في ثلاث محطات، وذلك في معرضك «أثر خشيبات»، فما المعاني والمضامين التي استوحيتها من خلال اتصالك الحسي بالخشب القديم؟

  تجسدت العلاقة بيني وبين الخشب في معرض «أثر خشيبات»، في أساليب منها لوحات فنية ومجسمات ولوحات منحوتة، أي ليست اعتيادية، وقد أسميت بورتريهات هذا السطح الخشبي تقنية «نحت الضوء»؛ إذ وجدت نفسي ألون السطح، ثم أنحته بأداة الصنفرة؛ لأجعل الضوء أكثر إشراقًا عبر اللون الأفتح. وأنا من عشّاق الخشب القديم والأثاث القديم، لديّ مجموعة كبيرة من الأخشاب والأثاث القديم، حصلت عليها من والدي، فحطمتها وأعدت تركيبها لتصير من ضمن أعمالي الفنية.

وفي المنحوتات أدخلت العديد من المواد، من بينها الورق والطباعة والشاشة الحريرية والدوائر الإلكترونية والحديد، والكثير من المواد التي أدخلتها كلوحات ومجسمات. وقد استغرق العمل مدة أربع سنوات في فضاء مفتوح، فكنت أعمل فقط في وقت الربيع حيث الجو الربيعي، وقد أقمت المعرض في جولته الأولى في جدة في عام 2015م، ثم في محطته الثانية في الدمام، ثم محطته الثالثة في غاليري «تراث الصحراء»، بناءً على طلب صاحبة الغاليري. وقد شاركت أيضًا في عدد من المعارض، فكان المعرض بمنزلة نقلة مميزة بالنسبة لي كفنانة تشكيلية، وقد لاقى إقبالًا كبيرًا من ناحية الاقتناء، فلم يتبقَّ سوى عدد بسيط جدًّا من الأعمال.

وفي الحقيقة، لقد أثراني العمل على نحت الخشب وإعادة صياغة الأخشاب القديمة إلى مجسمات ولوحات بصياغة حديثة ومعاصرة، فهذه التجربة حفرت اسمي في الساحة الفنية.

تجربة ثرية

  أنتجتِ أكثر من ثلاثة آلاف عمل متنوع ما بين الفن التشكيلي، والغرافيك، والطباعة، والنحت على الخشب والحجر والفخار، فأي تلك الفنون هي الأقرب إليك؟ وكيف أسهمت جميعها في تكوين هويتك كفنانة؟

  خلال مسيرتي التي امتدت لـ 33 سنة وأكثر في مجال الفن، منذ مشاركتي الأولى في أول معرض لي، الذي كان في عام 1992م، كل تلك التجارب والتقنيات التي مارستها أَثْرَتْ تجربتي الفنية والتشكيلية، وصقلت أساليبي وظهر كل ذلك في أعمالي. فمسيرتي الفنية متنوعة؛ أنتجت أكثر من ثلاث آلاف عمل فني، سواء رسم لوني أو طباعة، كبيرة أو صغيرة، أو جدارية، وبألوان زيتية أو مائية أو إكليريك أو باستيل أو بالفحم. ومغامراتي الفنية مستمرة.

أما العمل الأقرب إلى نفسي فهو ذلك العمل الذي سوف أنتهي منه للتو؛ فتجاربي السابقة تبقى سابقة، فأنا بنت اليوم، وفي اللحظة التي أنتهي من هذه اللوحة، تصبح هي اللوحة الأقرب إليّ، سواء كانت منحوتة أو لوحة.

اللوحة الرقمية ومستقبل الفن التشكيلي

  وجد الفن الرقمي إقبالًا كبيرًا لدى الفنانين الشباب، وازداد اقتناء الأعمال الفنية الرقمية. ذلك يدعو إلى السؤال: ما التغيرات الفنية التي سوف يشهدها الفن التقليدي؟ وما التغيرات المتوقعة والتحولات التي ستطرأ على هذا الفن، سواء فيما يتعلق بالمضمون أو الأساليب أو القوالب الفنية والأدوات أو الأفكار؟ وهل سيشهد الفن التشكيلي تجارب فنية وتقام معارض عالمية لأعمال من صنع الذكاء الصناعي؟

  نحن لا نسعى إلى التغيير بشكل عام. التغيير يحدث في الساحة الفنية التشكيلية وهو أمر حتمي وعلينا قبوله، ولكن تبقى اللوحة التشكيلية اليدوية الأهم في نظري؛ كون الفنان يضيف من إحساسه ليس فقط من خلال الرسم، بل أيضًا من خلال بصمات اليد، فأثر اليد يمر على كل أرجاء اللوحة، وأنفاس الفنان تبقى على كل لوحة. أعتقد أن اللوحة اليدوية هي الأرقى والأسمى وتلامس إحساس من يقف أمامها؛ كون الفنان يعبر عن مشاعره وأفكاره في هذه اللوحة عبر يده وعينيه وإحساسه. تتبعثر الألوان في المكان وتتسخُ يَدَا الفنانِ وملابسه، كل هذا يُضفِي جمالًا وإحساسًا على اللوحة، قد لا تضفيه اللوحة الرقمية. ومع ذلك علينا أن نتقبل كل جديد ومتغير، من اللوحة الرقمية إلى الفن بالذكاء الاصطناعي، وفي المستقبل ربما سيختفي الفن التشكيلي واللوحة اليدوية، وستظهر أشياء مختلفة تمامًا مثلما اختفت بعض الأشياء القديمة، وستكون اللوحة اليدوية من الآثار، فكل شيء جائز وهذه هي الحياة وسنّة الله في خلق الأشياء. كل شيء حولنا يتغير، لا أعلم كيف ومتى، ولكن على الإنسان الواعي أن يتقبل كل شيء جديد ومختلف.

  ما الخطط التي قمت بها فيما يتعلق بمستقبل أعمالك الفنية، وكيف ستعملين على تنفيذها؟

  على الفنان أن يعيد صياغة أفكاره من جديد، وبين فترة وأخرى لا بد من تنمية نفسه بالبحث عن أهداف جديدة ويركز عليها أكثر. فكلما مرّ على الإنسان من سنوات سيجد أنها قد غيّرت فيه أشياء كثيرة. ولكي يواكب الزمن الذي يعيشه لا بد له أن يتطور. على سبيل المثال، كنا ننظر إلى الأغاني الشبابية على أنها فن هابط، ولكن يجب أن نشارك شبابنا فيما يسمعون وأن تكون هناك نقاط تواصل؛ حتى لا تكون فجوة بيننا وبين الأجيال القادمة.

الفنان يتغيّر وينضج ويكون أكثر وعيًا، ربما يهدم الفنان أشياء ثم يعيد بناءها ليتطلع نحو المستقبل. على الفنان أن يتجدد ويستمر في البحث والتجريب؛ ليبرز فنه.

المرأة والفلسفة

المرأة والفلسفة

 غياب المرأة الفلسفي بين التاريخ والتأريخ

 

رسلان عامر – كاتب سوري

قبل الحديث عن تفلسف المرأة، ومساهمتها في الفلسفة عبر التاريخ، وسبب عدم بروز فيلسوفات كبيرات مضاهيات للفلاسفة الرجال الكبار، لا بد أولًا من التمييز بين مفهومي «التاريخ» و«التأريخ» في هذه المسألة.

«التاريخ» هو المجرى الواقعي الحقيقي للأحداث، وهو يتضمن الحقائق والوقائع الفعلية الموضوعية التي حدثت فعليًّا على أرض الواقع، بصرف النظر عن الكيفية التي يتعامل بها الباحثون المختصون مع مضامين هذا التاريخ. أما «التأريخ» فهو ميدان البحث المعرفي في التاريخ، وهو يتضمن الأساليب والأدوات والنشاطات والنتائج التي تُستخدم أو تتم أو تنتج في عمليات البحث التي يقوم بها الباحثون في التاريخ. والتأريخ واقعيًّا لا ينتج صورة مطابقة كليًّا للواقع التاريخي إما بسبب نقص المعلومات التاريخية المتوافرة، أو قلة جودة أساليب البحث المتوافرة، أو عدم كفاية أهلية الباحثين، أو خضوع هؤلاء لمؤثرات معتقدية أو أيديولوجية وما شابه تؤثر في موضوعيتهم، وهلم جرّا… وهذا الكلام ينطبق تمامًا على تاريخ وتأريخ الفلسفة، وفيما يتعلق بمسألة تفلسف المرأة، فسنجد بين التاريخ والتأريخ تضاربًا جليًّا.

ماذا يقول التاريخ؟

يمكن عدّ كتاب «تاريخ النساء الفلاسفة»، الذي كتبه النحوي والمؤرخ الفرنسي جيل ميناج، ونشره باللاتينية عام 1690م، أول كتاب مخصص لتاريخ النساء الفيلسوفات، وفيه اعتمد ميناج على مصادر قديمة من أعمال فيلوكوروس، وأبولونيوس، وديديموس، وجوفينال، وتحدث فيه عن 65 امرأة نشطن في مدارس فلسفية مختلفة في العصور القديمة في الثقافات اليونانية والهيلينستية والرومانية. في كتابه هذا يقول ميناج: إن «عدد النساء اللاتي كنّ يكتبن كبير جدًّا بحيث يمكننا عمل مجموعة طويلة من أسمائهن»(1).

واليوم، وبعد أن تطورت إمكانيات وأساليب البحث التاريخي والدراسات الثقافية، وأصبح للنساء أنفسهن دور فاعل أكبر في الأوساط الأكاديمية، بات مؤكدًا وجود عدد ليس بالقليل من النساء المفكرات والمتفلسفات في العصور والحضارات والثقافات المختلفة، ومنهن على سبيل المثال:

إن هيدوآنا (القرن 23 ق.م تقريبًا) مما بين النهرين؛ ومن الهند مايتريي (بين 1100–500ق.م.)، وغارغي فاكاكنافي (القرن الثامن ق.م. تقريبًا)؛ ومن الصين مينغ مو (القرن 4 ق.م. تقريبًا) وبان تجاو ( 45–116)؛ ومن التيبيت ياشي تسوغيال (777–876م)، ومن اليابان موراساكي شيكيبو (978–1000م تقريبًا)، ومن كوريا إم يونجيدانغ (1721-1793م) وغانغ جيونغيلدانغ (1772–1832م)، ومن الأستراليين الأصليين أوودغيروو نونوكال (1920–1993م)، ومن الأباتشي الأميركيين فيولا كوردوفا (1936–2002م)، ومن نيجيريا صوفي أولووولي (1935- 2018م)(2).

ذاك في العالم غير الغربي، أما في العالم الغربي، فنجد: في اليونان تيانو الكروتونية (القرن 6 ق.م)، وديوتيما المانتينية (القرن 5 ق.م)، وأريتا القورينية (القرن 4 ق.م)، وهيباركيا المارونية (ق 4-3 ق.م.)، وفي مصر الرومانية هيباتا الإسكندرانية (350 أو370–415م)(3)(4)، وفي فرنسا سيمون دي بوفوار (1908-1986م) وآن دوفورمانتيل (1964-2017م)، وفي أميركا كارول غيلجان (مواليد 1936م) وكاثرين جينز (مواليد 1978م)، ونجد أيضًا حنة أرندت (1906-1975م) المولودة في ألمانيا، والإنجليزيتين ماري وولستونكرافت (1759-1797م) وفيليبا فوت (1920-2010م)، والبريطانيتين جرترود إليزابيث مارغريت أنسكومب (1919-2001م)، وهارييت تايلور ميل (1807-1858م)، والعديدات سواهن(5).

في هذا الشأن تقول ربيكا بكستن وليسا وايتنغ مؤلفتا كتاب «ملكات الفلسفة، سيرة النساء المهملات في الفلسفة وإرثهن»: «لم يكن تاريخ الفلسفة منصفًا في حق النساء»، وتؤكدان أننا في الكتب التي تصدر بوفرة حول الفلسفة لا نعثر إلا على نزر يسير من الكتابات التي تحتفي بالفيلسوفات العظيمات. وتقولان: إن الكتاب الوحيد الذي يشذ عن هذا النمط هو «النساء الفلاسفة»، الذي نشرته منذ ربع قرن تقريبًا الفيلسوفة الكبيرة ماري وانك، وهذا ما لا نجده عادة في أعمال باحثي ومؤرخي الفلسفة الراهنين من الرجال. مثلًا، لا يذكر فيليب ستوكس في كتابه «الفلسفة: مئة من المفكرين الأساسيين» من النساء الفيلسوفات إلا ماري ولستونكرافت وسيمون دي بوفوار، أما كتاب «عظماء الفلسفة، من سقراط إلى آلان تورينغ»، الذي ألفته مجموعة من المؤلفين الرجال، فلا يذكر أية فيلسوفة، وبدوره أيضًا، لم يذكر أنتوني كليفورد غرايلنغ (أي. سي. غرايلنغ) في كتابه «تاريخ الفلسفة» سوى فيلسوفة واحدة فقط هي مارثا نوسباوم، ولم يخصص أي فصل للنساء الفيلسوفات، وخصص فقط ثلاث صفحات ونصف للفلسفة النسوية(6)؛ وكتاب غرايلنغ يزيد على 800 صفحة(7)!

التقاليد البطريركية وتأثيرها المزدوج

في مقالهما المشترك «مهمة إنقاذ لأجل النساء الفلاسفة» الذي يتحدث بشكل رئيس عن أوضاع فيلسوفات ومفكرات القرن التاسع عشر، الذي شهد العديد من المفكرات اللواتي كن ذوات أفكار أصيلة ومبتكرة ونشاطات فاعلة لا تقل أهمية عن نظائرها عند معاصريهن من الفلاسفة الرجال، تقول أستاذتا الفلسفة كريستين جيسدال وداليا نصار، مؤلفتا المقال: «كانت الصعوبات مكدسة ضدهن، ومع ذلك، فالعديد من الفلاسفة من النساء -حتى اللائي تم دفعهن لاحقًا إلى النسيان- كنّ ناجحات بشكل غير عادي في عصرهن». أما عن موقف فلاسفة القرن التاسع عشر الرجال فتقول المؤلفتان: «كان العديد من الفلاسفة الذكور الذين أصبحت أعمالهم مرجعيات معترف بها الآن صريحين في رفضهم للإمكانات الفكرية للمرأة، أي الإمكانات الفكرية لنصف البشرية»، وتضيفان «لم يكن لا كره النساء ولا استبعادهن من تاريخ الفلسفة يرجع إلى أن عصر هؤلاء الفلاسفة والمؤرخين أعمى بصائرهم ببساطة، فقد كان لديهم بدائل لكنهم اختاروا تجاهلها»(8). وهذا ما كان يحدث حتى القرن التاسع عشر القريب، وهو متقدم كثيرًا على سلم التطور الاجتماعي مقارنة بالعصور القديمة والوسطى!

وكما نرى، فالتجاهل كان أحد أهم الأساليب التي كانت المجتمعات البطريركية الذكورية تتعامل بها مع إنجازات النساء، فيما كان الحرمان من التأهيل اللازم لإنتاج الشخصية النسائية المنتجة اجتماعيًّا هو الأسلوب السائد في معاملة النساء. وهذا الأسلوب استمر حتى زمن قريب جدًّا، ففي بريطانيا -مثلًا- تخرجت أول دفعة من الجامعيات من كلية لندن عام 1880م، وكنّ أربع نساء فقط، حتى عام 1948م لم يكن بمقدور النساء الحصول على درجات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في جامعة كمبريدج(9)؛ وفي ألمانيا لم يُتَّخَدْ إلا في عام 1920م قرار وزاري يفيد بأن «العضوية في الجنس الأنثوي لا ينبغي أن تكون عقبة أمام التأهيل في الجامعات الألمانية»، وتأخر تقدم أول امرأة بأطروحة تخرج في ميدان الفلسفة في الجامعات الألمانية حتى عام 1933(10).

وحتى اليوم، لا يزال الموروث البطريركي يلعب دوره في الأوساط الفلسفية الأكاديمية وفقًا للفيلسوفة الأميركية الدكتورة سالي هاسلانغر، التي قالت في عام 2009م: «من خلال تجربتي، من الصعب جدًّا العثور على مكان في الفلسفة لا يكون معاديًا بشكل نشط تجاه النساء والأقليات، أو على الأقل لا يفترض فيه أن الفيلسوف الناجح يجب أن يبدو ويتصرف مثل رجل (أبيض تقليدي)»(11).

كيف نفسر قلة مساهمة النساء في الفلسفة في الغرب المعاصر؟

في مقالها «هل لدى الفلسفة مشكلة مع المرأة؟» تذكر الفيلسوفة الأميركية كريستينا هوف سومرز أن في الولايات المتحدة كانت نسبة الحاصلات على الدكتوراه في الفلسفة عام 2014م هي 28% فقط، ونسبة الطالبات الجديدات بقسم الفلسفة في جامعة برينستون عام 2016م كانت فقط 22.2%(12).

فكيف نفسر مثل هذا الأمر في دولة متقدمة حديثة، تُعتمد فيها قوانين المساواة بين الجنسين، ويفترض ألا يكون فيها تمييز على أساس الجنس بين الرجال والنساء؟

يمكننا في هذا الشأن أن نعود إلى رأي هاسلانغر الآنف الذكر الذي يتحدث عن تمييز ضد النساء في الوسط الأكاديمي الفلسفي. ولكن في المقابل نجد أن سومرز لا تؤيد هذا الرأي، وترى أنه يتنافى مع النتائج التي تكرر تأكيدها بوساطة دراسات تجريبية كبيرة، تفيد أن الرجال، في المتوسط، لديهم اهتمامات أقوى في المساعي البحثية والنظرية، ولدى النساء تفضيلات أقوى في المساعي الاجتماعية والفنية(13)، وهذا الرأي تلتقي فيه سومرز مع البرفيسورة الاجتماعية الأميركية كاميل باليا التي ترى أن النساء عامةً، على الرغم من قدرتهن على النجاح في الفلسفة والرياضيات العليا، فهن لا يفضلن هذه المجالات التقشفية الباردة، وينجذبن أكثر إلى الأمور العملية والشخصية(14).

فأي الرأيين هو الصحيح؟

في الواقع، يمكن القول: إن كلا الرأيين لا يجانب الصواب، فوجود قوانين رسمية ترفض التمييز على أساس الجنس وتساوي بين الجنسين، لا تعني حكمًا أن الواقع يتطابق معها، وفي واقع المجتمع الأميركي وسواه من المجتمعات الغربية لا يزال هناك كم غير قليل ومؤثر من المواريث الجندرية الذكورية، التي تميز بين الجنسين وتؤطر كل منها في أطر خاصة أو تدفعه في اتجاهات معينة، وهذه المواريث نفسها يمكنها بالقدر نفسه أن تؤثر في تفضيلات الرجال والنساء، مع عدم إغفال إمكانية ارتباط هذه التفضيلات بدرجة ما بعوامل فطرية محضة.

خاتمة

في ختام هذه المقالة يمكن القول: إن التاريخ يثبت، وبأدلة كثيرة، أنه، وعلى الرغم من وطأة التقاليد الذكورية القاصية والمهمشة للنساء، التي سادت في العالم كله حتى وقت ليس بالبعيد، وما زال تأثيرها قويًّا في كثير من المجتمعات المعاصرة، ولم تنتهِ مفاعيلها بعدُ حتى في المجتمعات المتقدمة؛ فالنساء، في العصور والمجتمعات المختلفة، قد تفلسفن، وظهرت بينهن المفكرات البارزات؛ ومع ذلك فهن لم يضاهين الرجال! ولكن هل من الواقعية والعدل أن نتوقع أو نطلب منهن المضاهاة، وهن في ظروف حرجة تسيطر فيها البطريركية التي تقصيهن وتهمشن ولا تعترف بإنجازاتهن وتدني شأنهن؟! ما لا شك فيها هنا أن الجواب القاطع هنا هو النفي!

إن التساوي في الإنجازات بين الجنسين، يقتضي حكمًا خلو المجتمعات من أي تمييز جنسي بينهما، ومن أية تقاليد أو مفاعيل بطريركية مخلة بالتوازن بينهما، وهذه الشروط لا تتوافر بالكامل في أي من مجتمعات العالم المعاصر، بما فيه المجتمعات الأكثر تقدمًا، التي على الرغم من تقدمها لا يزال أمامها شوط كبير للوصول إلى هذا المستوى من التطور.


المرأة والفلسفة ومغالطات الفكر البطريركي:

هل بالإمكان الحديث عن مساهمة نسائية في الفلسفة العربية المعاصرة؟

خديجة زتيلـي – كاتبة وأكاديمية جزائرية

يستهل الفيلسوف الإنجليزي جون ستيوارت مل (1806-1873م) الفصل الأول من كتابه: «استعباد النساء» بقوله: إن «المبدأ الذي ينظم العلاقات الاجتماعية بين الجنسين (الذكور والإناث) ويجعل خضوع أحد الجنسين للآخر عملًا مشروعًا، هو مبدأ خاطئ في ذاته، كما أنه يمثل عقبة رئيسة أمام التقدم البشري، ومن ثم ينبغي أن يزول ليحل محله مبدأ المساواة التامة الذي لا يسمح بوجود سلطة أو ميزة في جانب وعجز وعدم أهلية في جانب آخر». ووفقًا لمِلْ، فإن المبدأ الواجب التصدي له هو «اللامساواة» بين الجنسين، الذي جر المجتمعات إلى أزمات إنسانية عميقة، وإلى التمييز ضد النساء وتهميشهن واضطهادهن واستعبادهن، واستبعادهن من المجال الاجتماعي والسياسي، ومن حقل النشاط الفكري والفلسفي.

وعطفًا على ما قيل، فإن الاتهامات كانت ولا تزال تكال إلى المرأة بأنها عاجزة عن الإبداع الفكري، وهي أدنى من الرجل وأقل منه شأنًا وأنها لا تحظى مثله بالأهلية العقلية، وليس من باب المبالغة القول: إن الحضارات السابقة في مجملها كرست كراهية المرأة ودونيتها، وعدّتها وسيلة للمتعة الجنسية، ووعاء للتناسل والحفاظ على النوع الإنساني وحسب، فقد تواطأت الدساتير والقوانين الاجتماعية المجحفة ضدها وألحقتها بالأخ أو الزوج أو الأب في نظام بطريركي متعسف يتصدر فيه الرجل المشهد الثقافي والسياسي والاجتماعي، وتكون المرأة في هامشه.

سياق تاريخي للتمييز

ما من شك أن هذه التراتبية الهرمية كرستها الأيديولوجيات الذكورية المهيمنة، التي ذهبت إلى حد الاستخدام الانتهازي للدين والسياسة لتسويغ التفرقة بين الجنسين وتسويغ استخدام العنف ضد المرأة بكل أشكاله، ولإقصائها وإلحاق الأذى بها، ثم ركنها في الزوايا المعتمة في مختلف الفضاءات التي كان يمكن أن تصير مساحات للقول والفعل والتعبير. ولأن التاريخ يكتبه «الأقوياء والمنتصرون» فقد كتبه الرجال بعد أن سمحوا لأنفسهم باستعارة لسان المرأة والتحدث باسمها في أكثر من موضوع وسياق، وانتهوا إلى كون الرجولة وضعية إيجابية والأنوثة وضعية سلبية، مكرسين بذلك خطاب «النوع» العنصري الذي تشكل انطلاقًا من الثقافة السائدة والنسق المهيمن. وهنا يحلو للكاتبة ماريا بيونج دولابيلاكازا في مقالها: «الجسد بين الجنس والنوع» أن تطلق على خطاب التمييز هذا عبارة «البناء الاجتماعي للأجساد» في إشارة واضحة منها إلى دور المجتمع في صياغة مفهوم المذكر والمؤنث.

د. ليلى حلمي مطر

يسمح هذا المدخل التاريخي والمفاهيمي والاصطلاحي الموجز بالإحاطة بموضوع هذا المقال الذي لا يستقيم فهم محاوره ومضامينه وأسئلته القلقة من دون العناية بالسياقات التي تشكلت في متونها جملة الآراء المعادية للمرأة والمشككة في إمكانياتها الإبداعية، فليس من باب المبالغة القول: إن القراءة السياقية المتأنية لأحداث التاريخ تؤدي إلى وضع قضية «علاقة المرأة بالفلسفة» في موضعها الصحيح من دون مزايدات أو مبالغات، من أجل إنجاز خطاب فكري رصين وهادئ يحاول إصلاح الأعطاب بالحفر عميقًا في البنيات الفكرية الذكورية التي تتهم النساء بالعجز، وبخاصة في مجال الإبداع الفلسفي: فهل تستند تلك البنيات إلى براهين علمية ومنطقية وواقعية تسندها وتدعمها وتؤكد أن عقل المرأة أقل كفاءة وإنجازًا من عقل الرجل، أم إن خطاب الذكورة هو خطاب ساذج متعسف ومفلس مارس إكراهاته في الماضي لكنه لن يصمد في الحاضر أمام سلطة النقد ووجاهة الخطاب المضاد له؟

تحاول هذه الورقة فصل المقال في قضية حساسة بات طرحها، بشكل عشوائي ومضلل وغير عارف بخلفياتها، يزعج الكاتبة خاصة، والكاتبة العربية في مجال الدراسات الفلسفية عامة. أفلم يَحِنِ الوقت بعدُ لتعديل هذا السؤال والنظر إلى واقع الحال نظرة منصفة تعمل على تجاوز مقولة «النوع» أو «الجنوسة» إلى استكمال الحلقات المفقودة في التاريخ الإنساني والتخلص من أبدية السؤال الذي غالبًا ما يطرح في بعض الفضاءات الثقافية العربية وغير العربية طرحًا سطحيًّا مغرضًا وبطريركيًّا، تكون مقولات الذكورة فيه مطمورة لكنها متأهبة لتطفو على السطح وتستكمل إملاءاتها، وإنْ غُلِّفَتْ بحُسن العبارة وجميل البيان.

ميراث الفلسفة اليونانية

لقد انتهى الأمر بالفلاسفة «الرجال» منذ القديم إلى تعبئة الناس ضد المرأة، والمغالاة في تقزيم الاستعدادات الفطرية لها، وإلى الحط من قيمتها عندما خاضوا في موضوع السياسة. فأول من سحقته المدينة الأفلاطونية في «محاورة الجمهورية والقوانين» هما النساء والعبيد، وهما في الحقيقة وجهان لعملة واحدة. وإن التجاسر على الإحالة إلى هذه المسائل كفيل بعرض حِجَاج أفلاطوني أو أرسطي لا علاقة له بالمنطق، لكنه وثيق الصلة بالتصور المعرفي المخطط له سلفًا. لقد لخص أفلاطون، في أسطورة الكهف، موقفه من المعرفة عندما قسمها إلى: معرفة «عقلية» صحيحة يجب الوثوق بها، ومعرفة «حسية» تخضع للتغير والفساد ولا يجب الوثوق بها، وهذا التصور انعكس على مقاربات أفلاطون السياسية. إن الطبيعة الفلسفية، في تقديره، تتعاطى مع العقل وتقتضي التطهر من الحواس التي هي محض ظلال وأشباح، ولتحقيق هذه الغاية فقد استبعد النساء من المجتمع والسياسة ومن الفلسفة لأنهن يرمزن، مثل ما هو وارد في «محاورة ثياتيتوس»، للحواس والعواطف والجسد. وانطلاقًا من هذا الموقف يتسنى لنا فهم أسباب ربط الذكورة بالعقل والأنوثة بالحس. لكن هذا الطرح يمكنه أن ينسجم مع منطلقاته وأسس المدينة الأفلاطونية ومع مقتضيات عصرها، إلا أنه لا يقنعنا بتسويغاته التي لا تمتُّ بصِلَة إلى العقل والمنطق والواقع.

تأثرت الفلسفات في العصور اللاحقة بميراث الفلسفة اليونانية أو القديمة إجمالًا، وبتلك الثنائيات الهرمية التي أفرزتها وانتهت إلى ترسيخ مفاهيم نمطية عن الأعلى/الرجل- والأدنى/المرأة. وقد أدت تلك التصنيفات إلى الإطاحة بقدرة النساء على الإبداع، فما عساه يقدم، من تفكير، من كان مسلوب الحرية والإرادة والكرامة! وهنا لا نتجنى على أفلاطون إذا قلنا: إن فلسفته بانحيازها للمركزية الذكورية كانت نتائجها سيئة وكارثية على عصرها وعلى العصور اللاحقة. وليس الهدف من استدعاء أفلاطون وتقديم هذه القراءة التاريخية، في هذا السياق، سوى التنبيه إلى الوأد الذي مورس على النساء من جانب العوام والنخب معًا، وأَطَّرَتْه الدساتيرُ التي كانت صناعة ذكورية بامتياز وشجعته العادات والتقاليد التي تدور في فلكها، وهو ما يعطي صورة قاتمة وتراجيدية عن تاريخ النساء اللواتي لم يتمكن من تشكيل خطاب فكري وتقديم منجزات تتحدث باسمهن. لقد كانت المرأة في النصوص القديمة موضوعًا للخطاب وليست صانعة له، ولنا أن نتصور الفارق الموجود بين أن تكتب المرأة بنفسها عن نفسها، وبين أن توصف فقط ويكتب عنها بغرض طمس حقيقتها.

لكيلا تتكرر سياسات الوأد

لا شك أن هناك مبدعات في العالم القديم في مختلف الحضارات والثقافات، لكن الكتابات الذكورية أغفلت ذكرهن وصادرت أصواتهن، وفي أفضل الأحوال مرت على بعض منجزاتهن مرور الكرام، وإن شكلت بعض الكتب الاستثناء مثل كتاب ابن قيم الجوزية عن «أخبار النساء»، وكتاب ابن طيفور عن «بلاغات النساء»، رغم عدم خوضهما في الشأن الفلسفي موضوع هذا المقال. وهو ما حدا بالدراسات المعاصرة والدراسات النسوية تحديدًا، في جميع حقول المعرفة، إلى تأكيد ضرورة وجدوى إعادة قراءة وكتابة تاريخ النساء لملء الفراغات وأَنْسَنَة التاريخ الذي يعد، في نهاية المطاف، إنجازًا بشريًّا لا ذكوريًّا. ولعل جهود ماري إلين ويث، في كتابها «تاريخ النساء الفلاسفة في العصرين اليوناني والروماني»، تصب ضمن هذا المسعى. يضاف إليها جهود كاتبات أخريات من الغرب والشرق لا يتسع المقام لذكرهن جميعًا. وعود على بدء فإن موضوع «علاقة المرأة بالفلسفة» يتكشف أولًا باستقصاء الماضي، وثانيًا بوضعه على محك النقد مع التأني والصبر والتعمق والتخصص والتحلي بالموضوعية من طرف الدارسين من الجنسين معًا؛ لأن المغالطات في هذه القضية إنما تأتي من تسطيحها وعدم مراعاة لسيرورتها وصيرورتها ولمآلاتها أيضًا.

غير أن الفلسفة في الفكر النسوي الحديث والمعاصر تعاظم أمرها نتيجة التعليم الأكاديمي العالي وازدياد درجة وعي النساء، وجراء خوض المرأة غمار الكتابة الفلسفية، التي توسلت بها وبمناهجها من أجل مقاومة الظلم والاستغلال وسياسات الإقصاء، فتحولت الذات الأنثوية بذلك من موضوع للخطاب إلى صانعة له. وهذا التحول سمح بتغيير الذهنيات في المشهد الفلسفي المعاصر والراهن وبزحزحة معتقداته، وصارت الجامعات والدوائر المعرفية ومراكز البحث تعير اهتمامًا للنصوص الفلسفية النسوية التي تؤلفها الكاتبات. ما من شك أن مشاركة المرأة العربية في الإبداع الفلسفي المعاصر لا يمكن أن يقارن بمشاركة المرأة الغربية فيه؛ لأسباب تاريخية واجتماعية وأخرى يطول شرحها، لكن المساهمة النسائية في الفلسفة العربية المعاصرة يجب ألّا يُغَضّ الطرف عنها لكيلا تتكرر سياسات الوأد.

يكشف الواقع العربي اليوم، في عمومه، عن وضع غير مريح لمكانة الفلسفة، وعن سياجات لها؛ اجتماعية وذهنية وعَقَديّة، ويزداد الأمر تعقيدًا عندما تنخرط المرأة في معترك التفلسف. وعلى الرغم من صعوبة المهمة فإن الحركة الفلسفية الرديفة للعقل والنقد حاضرة ونشطة، وتبلي المرأة العربية فيها بلاءً حسنًا في الجزائر وتونس ومصر ولبنان وفي بقية الدول العربية وإن كانت بدرجات متفاوتة. ولعل أهم ما يمكن الإشارة إليه، في باب المساهمة النسائية في الفلسفة العربية المعاصرة، قراءتهن الجديدة للفلاسفة وتأويلهن لنصوصهم وموقفهن من قضايا فلسفية راهنة. ويكفي اليوم أن ننقر على أزرار حواسبنا لمعرفة بعض الأسماء. قد يكون عددهن قليلًا لكن الأمر ليس غريبًا، والعبرة ليست بالعدد بل بالفاعلية كما يعلمنا التاريخ.

لا أريد، في هذا المقام، ذكر أسماء بعينها في المجال الفلسفي العربي المعاصر لكيلا أتهم بالانتقاء، ولكن إذا كان لا بد من فعل ذلك فلا أجد مثالًا أفضل من أميرة حلمي مطر، من مصر، التي جعلت الفلسفة اليونانية في متناول الباحث العربي بدراساتها العميقة والقيمة وبترجماتها الرصينة لمحاورات أفلاطون من اللغة اليونانية إلى اللغة العربية مباشرة، وهي العارفة، أيضًا، بغير هاتين اللغتين. يخبرنا أفلاطون في «محاورة فيدون»، في معرض حديثه عن خلود الروح وتعريف الفيلسوف الحق، أن الفلسفة تدريب على الموت! وهو سما يعني أنها تتطلب التعقل، والشجاعة، والصبر على المحن، وإدراك معوقات الطريق من دون خوف أو تردد، وبعيدًا من مقولات «التذكير والتأنيث» فإن الأمر نفسه ينسحب على كل من أحب الفلسفة وسار في دروبها.

إن الحديث عن «مساهمة نسائية في الفلسفة العربية المعاصرة» لا يدخل في باب المبالغة، وإن عدّها بعضٌ مجرد تجربة متواضعة غير مكتملة الصياغة لا تستحق الذكر، لكن كل تجربة فاعلة إنما تحاول استكمال منجزاتها وإيجاد أفق رحب لها بمثابرتها ومجاراة ما يجري حولها من أحداث محلية وعالمية؛ لذلك من المبكر تقديم توصيف أو تصنيف نهائي لها، وقد يكون ذلك من مهام الأجيال القادمة. لكن الأمر الأكيد أن خطابًا مضادًّا للذكورة انطلق من عقاله، ولن يعود أدراجه إلى الوراء، وعلى الفيلسوفة العربية أن تحافظ على هذه المكاسب وتزيدها أخرى.


المرأة في محيط الفلسفة

فرانك درويش – باحث لبناني

نسأل هنا عن غياب الفيلسوفات في الغرب عامة، وبالتحديد عن شبه انعدام الشخصيات الفلسفية الأنثوية الكبيرة، من أمثال كانط وهيغل وماركس وغيرهم، على الرغم من تحرر الفكر، ومعه المرأة، على الأقل انطلاقًا من عصر النهضة والحداثة الأوربيين. نسأل إذًا: لماذا لم يرافق ظهورَ الكاتبات العديدات في الأدب ظهورٌ لها يوازيه في العلوم الفلسفية على أنواعها؟ ولا نعني هنا المفكرات اللواتي كتَبن عن المرأة مطالبات بتحررها، بل الفلاسفة-النساء التي تهتم بقضايا كونية خارج الاختلاف الجنسي. ونسأل: هل هناك تناقض بين كيان المرأة، في عقلها وإحساسها وجسدها، وماهية الفلسفة في فكرها وامتداداته؟

جوابنا يتعارض مع باحثات مدرسة الإبستمولوجيا النسوية، التي تقول باختلاف جذري في فكر المرأة ووجوب انتقاد ونقد العقل المحض ومتطلباته العقلانية بصفته ذكوريًّا وتسلطيًّا. ويتعارض مع الفصل الجذري الذي نجده في دراسات عديدة بين العقلانية الذكورية والحدس النسوي، وفي بعض الدراسات النسوية بين العقل الذكوري المهيمن على العالم والفكر النسائي القريب من الطبيعة. أكثر من ذلك: تعدّ نظريتنا وتُثبِت أن هذه المناحي النقدية قد أسهمت بالضبط في إقصاء وجود المرأة المتفلسفة عن المجال الفلسفي المحض.

في التباسات الحدس

تاريخ فكر المرأة مرتبط بشكل جذري بمفهوم الحدس. يتميز الحدس بكونه، مقارنة بالبرهان، مباشرًا لا يتطلب مراحل عدة تسبق الوصول إلى حقيقة الأمر. ولكنه أيضًا ملتبس، بين العقلاني واللاعقلاني. أعلى ما يصل إليه هو ما نجده مثلًا عند لايبنتس، حيث العقل المتعالي، أي الله، أعظم مصمم منطقي، هو عقل حدسي. ونجد الحدس أيضًا في عظمته عند ديكارت، حيث الحقائق التي لا شك فيها، بل التي تُخرجنا من مأزق الشك هي الحقائق البديهية-الحدسية التي لا تحتاج إلى برهان(15)، بل لا يمكن برهنتها، التي تعطينا يقينًا يأتي من الله ولا يُخطئ. نقيم على هذا الحدس البين براهيننا الرياضية والمنطقية والفلسفية الصحيحة. ثم نرى روسو نفسه يعيد التشديد على ألوهية الحدس العقلي؛ إذ يقول: «لا يحتاج العقل الأعلى أن يبرهن. هو لا يستخدم المقدمات والنتائج، ولا حتى أي قضايا. فهو حدسي بحت»(16). الحدس هو إذًا فطرة خالصة أصلها إلهي، تعطي أو تحوي معرفة صحيحة رصينة، ترافق غيرها من أنواع المعرفة، وقد تكون ما يتوصل إليه العقل بعد الشك الطويل، أو ما يبدأ منه الفكر ليقيم بناءً متينًا. ومن ينظر إلى تاريخ الفلسفة من هذا المنظور يكتشف أنه، في نهاية المطاف، لا تفوق فيه للبعد والفعل العقلي الفلسفي على الحدسي.

يشكل بالتالي الربط بين المرأة والحدس رفعًا لشأنها، إذا ما توقفنا عند هذا الحد. بل تكون المرأة، إذا ما عددنا الحدسَ قويًّا فيها، أقرب إلى العقل المحض وإلى الألوهية. ويظهر عندها السؤال عن سبب غيابها عن الفلسفة لقرون عدة. والجواب ليس أنها لا تحتاج للعقل الفلسفي الذي يعتمد على البرهان، بل يكمن في عدم انحصار تحديد الحدس في صفاء العقل الإلهي.

يظهر أكثر ما يظهر رفض الحدسي عند هيغل، الذي يعدّه غير مبدئي بل بدئي وبدائي مقارنةً بالتصور الذي يحتل المركز الأعلى بصفته الفكر الفاعل والمتفاعل معًا، أي بصفته بذاته اقتحام العقل للوجود وقيامه الزماني-التاريخي منه وعليه. لذلك ينتقد هيغل، في «فينومينولوجيا الروح» فكرة عصره القائلة بإمكان الحدس المطلق، عادًّا إياه ادعاءً رنانًا فارغًا(17). مشكلة الحدس أنه لا يعرف نفسه. ونعرف أن أكثر ما لا يعرف نفسه هو النبتة. وها نحن نقرأ في «مبادئ فلسفة الحقوق»: «الفرق بين الرجل والمرأة هو نفسه الفرق بين الحيوان والنبتة. يتوافق الحيوان مع طبيعة الإنسان والنبتة مع طبيعة المرأة. تتفتح الطبيعة عند المرأة بشكل في سيرورة مبدئها وحدة الشعور غير الواضحة»(18).

أحيل الحدس إذًا من طبيعة إلى طبيعة. يبقى طبيعيًّا ولكن بمعنى ينزلق من الأعلى إلى الأدنى. ينتقل من العقل المحض والنقي في طبيعته إلى طبيعة أخرى فقيرة لغياب التصور وعمله العقلي-التاريخي-الدنيوي عنها، طبيعة لا تصنع التاريخ، لا تتطور وتطور العالم المادي والفكري. وإذا كانت المرأة حدسية في فكرها، فهي إذًا خارج التقدم وفي الطبيعة والحياة البحتة. يقع الحكم أخيرًا على المرأة، فيما يخص موضوعنا: «من المؤكد أن النساء يمكن أن يتعلمن، لكنهن غير مؤهلات للعلوم العليا والفلسفة وبعض الإنتاجات الفنية التي تتطلب بعدًا كونيًّا»(19).

أسوار الفكر

حدث أيضًا، إضافة إلى هذا الالتباس الاصطلاحي-الأنطولوجي، تأطيرٌ كانت له عواقب خطيرة على دخول المرأة المفكرة في الفلسفة. فقد عُدّ الفكر فعليًّا ثم ضمنيًّا مجالًا مغلقًا، وذلك انطلاقًا من الحياة الرهبانية التي حصرت العلم في مجال الدير المغلق. ومجال الدير هو مجال رجال، مجال في ذات هويته رفض للمرأة. الفكر يحفظ ويحافظ: يحفظ نفسه في فعله المستديم المتكرر داخل مجال الدير، ويحافظ على نفسه؛ إذ يدعم في فعل خطابه الأسوار التي يقيمها لمنع الدخلاء، وبالتحديد ما يعارضه، أي ما يدفع لذة الجسد والمتعة نحوه ليضعفه؛ أي كل ما تأتي به المرأة في اختلافها. الفكر ليس إذًا مجال المرأة، وبالأخص ذلك الفكر المجرد من أي علاقة بالجسد، الفكر الأعلى والأعمق، أي الفلسفة.

لم يختفِ هذا الخطاب وهذا الواقع مع حصول النهضة الأوربية وما تبعها من تحرر للفكر وصَلَ إلى أوجه في عصر الأنوار وفلسفة كانط القائلة بالتحرر من كل وصي(20) على العقل. تظهر ابتداءً من عصر النهضة طبقة اجتماعية تتألف من رجالٍ علمانيين يريدون كسر جدار الفكر وانفتاحه على العصر في علومه الإنسانية على أنواعها، داعين إلى ترك الدير وأصنام الفكر. هذا ما نقرؤه ابتداءً من فرنسيس بيكون(21) وتوماس مور(22)، مرورًا بعصر العقل/ العقلانية متمثلًا في ديكارت ولايبنتس، ثم في عصر الأنوار وما تبعه إلى يومنا هذا. ولكن لم يرافق هذا التحرر إعادة نظر كاملة في فكر المرأة وإمكان عدّه فكرًا يوازي فكر الرجل كاملًا. فنجد الفلاسفة يتأرجحون بين القول بضرورة تمكين المرأة من تحصيل ثقافة وعلم، وعدّها غير مؤهلة بالكامل للتفكير العقلي-العقلاني(23) الذي يتطلب تجريدًا قد يفوق قدراتها أو هو غريبٌ عن تركيبة ذهنيتها.

 في الإخصاء

في نهاية المطاف، ما لم يتحرر الإنسان الحديث، والمعاصِر، منه هو ارتباط الفكر بالإخصاء، منذ دخول العقل بين جدران الأديار في أوربا. من يفكر بعقله يترك الجسد وأهواءه، يتخلص من إغراءاته. ونجد هذه المسلمة متجاوزةً للعصور وعلومها، لتبقى حتى في أكثر أنواع الفكر انتقادًا للإرث الثقافي، أي في الفلسفة التفكيكية التي تبناها أمثال هيلين سيكسو، ميري كال-غروبير وغيرهما كثير. نقرأ فعليًّا عند دريدا، مؤسس الفكر التفكيكي الذي أدى دورًا مركزيًّا في دخول الغرب في فكر ما بعد الحداثة: «النسوية هي تلك العملية التي تريد المرأة من خلالها التشبه بالرجل، بالفيلسوف الدوغمائي الذي يدعي الحقيقة والعلم والموضوعية؛ أي، مع كل ما يرافق ذلك من توهم رجولي، الإخصاء الذي يرتبط بذلك. النسوية إخصاء- إخصاء المرأة أيضًا»(24). لم يتخلص دريدا نفسه من هذه المسلمة القديمة: يتعارض العقل الذي يهتم بالحقيقة والموضوعية العلمية مع المتعة ونشوة الجسد وما يرافق ذلك من خطاب يزعزع الكلمة، اللوغوس. فلتهجرنه النساء إذًا، ولتهجرن الفلسفة.

في الطبيعة

ويقع في هذا الفخ المفكرات والفكرين الذين قد أقاموا فصلًا وتضاربًا بين الطبيعة والعقل، معتبرين أن المعرفة الأنثوية تشكل إبستمولوجيا نسوية تعارض العقل الذكوري الذي يتصف بإرادة إخضاع وتشييء الطبيعة. هذا ما نقرأه عند أوائل من قال بالإبستمولوجيا النسوية، مثل كارولين ميرشِنت، في كتابها «موت الطبيعة»(25)، الصادر عام 1980م، ثم لاحقًا عند إيفيلين فوكس كيلير(26) مثلًا، التي تشدد على ذكورية الإبستمولوجيا ابتداءً من بيكون. ويصل الحماس عند فوكس كيلير إلى درجة أنها تخطئ فيما تنسبه لبيكون، حيث نراها تؤكد أنه قد عَدّ العلم الجديد علمًا يحتاج إلى «رجولية» قد تخلصت من كل أثر أنثوي، بينما لا نجد ذلك بتاتًا عند بيكون، حيث الأصنام(27) التي يريد العلم أن يتخلص منها لا تتصف بأي «أنثوية»، بل نرى بيكون يرفض الفكر الذي يسعى، دون اللجوء إلى استقراء الطبيعة، إلى الاعتقاد الخاطئ بترتيب صارم غائب عنها(28).

ينسى أصحاب وصاحبات الطبيعة- الأنثى، «غايا»، الخالطين بين المؤنث اللغوي والأنثوي البيولوجي، أن العقل ليس تجريدًا بحتًا وليس عدوًّا محضًا للطبيعة، بل ريبية قصدها اليقين ونقد للأوهام، بهدف تحرير الإنسان. وبالأخص لا يمكن إنقاذ وإبقاء ما يسمى بالطبيعة دون الاعتماد على العقل في مبادئه، ونظرته النقدية، واستقراءاته الضرورية المتجددة. ولا ينطبق ذلك على العلوم الطبيعية فحسب، بل على الفلسفة خاصةً أيضًا. الدخول في الفلسفة ليس إذًا خروجًا من المرأة بصفتها القطب البشري الطبيعي في فكره، بل هو تقبل تحدي الفكر الكوني الذي يدعو كل إنسانٍ، كل رجلٍ وكل امرأة، إلى التفكر في العالم الذي يشارك الجميع فيه -رجالًا ونساءً وحيواناتٍ ونباتًا- بهدف الحفاظ على ما يبقى في عهدة مسؤوليتنا وتحريرِ الإنسان من أوهامه وعصبياته وعقائده المتصلبة الرابضة في قوالب أيديولوجية.

خاتمة: المرأة المتفلسفة

اتضح لنا الآن أن غياب المرأة الطويل عن الفلسفة لا يعود إلى اختلاف جذري في طبيعتها عن طبيعة الرجل، بل يكمن في تاريخٍ وضعها، على نحوٍ مباشرٍ حينًا وضمنيًّا أحيانًا، خارج الفكر الفلسفي. ولم تسعفها تلك التيارات الفكرية التي ارتأت أن تحريرها يمر بتخلصها من الفكر الفلسفي بصفته فكرًا ذكوريًّا. الفكر الفلسفي ليس ذكوريًّا، وإلا خسر تجريده وكونيته، بل هو الفكر بكل خواصه المحررة، الفكر الذي يتطلب وينادي المرأة كما يتطلب وينادي الرجل. وقد أثبَت لنا القرن العشرون صحة ذلك. فقد أعطانا سيمون دو بوفوار وحنة أرندت وفرانسواز دستور وجان هيرش ودونا هاراوي وغيرها كثير. وقد يكون القرن الحادي والعشرون بداية التساوي بين الفلاسفة نساءً ورجالًا.


ما الذي حال بين المرأة والتفلسف؟

  

أحمد برقاوي – كاتب فلسطيني

ما الذي حال بين المرأة والتفلسف؟ يتردد هذا السؤال كثيرًا؛ بسبب الغياب شبه الكامل للتفلسف الأنثوي، وحصر التفلسف بالفيلسوف. وقد تعددت الإجابات حول هذه الظاهرة: هناك من قال باختلاف البنية الدماغية بين الذكر والأنثى؛ البنية التي حرمت المرأة من القدرة على التنظيم والتجريد. وهناك من يرى السبب في الوظيفة التي حددها الرجل للمرأة، وقصرها على الاشتغال في شؤون المنزل. وهناك من قال: إن عاطفة المرأة تمنعها من التأمل، إضافة إلى الوظيفة البيولوجية للإنجاب، وقِسْ على ذلك.

أشير في البداية إلى أن الفلسفة تنتمي إلى حقل الإبداع، شأنها شأن الشعر والأدب عمومًا، والفنون التشكيلية على تنوعها. وهذا هو الذي يدعونا إلى التمييز بين معرفة الفلسفة وصنوف الإبداع المختلفة من جهة، وعملية الخلق والإبداع، وكما أن الإنسان لا يستطيع أن يتعلم كيف يكون عبقريًّا، فإنه لا يستطيع أن يتعلم كيف يكون شاعرًا أو روائيًّا أو فنانًا أو فيلسوفًا. يمكنه أن يعرف القواعد التي أنتجتها عبقرية المبدع لكنه لن ينتقل من هذه المعرفة إلى الإبداع، فالإبداع موهبة يفجرها التعلم والخبرة. وهذا ينسحب عندي على كلا الجنسين، وهذا هو الذي يفسر حضور الإبداع الأدبي والفني عند الرجل والمرأة على حد سواء مع الاختلاف الكمي والكيفي. وسأحصر اهتمامي في مسألة التفلسف؛ للإجابة عن سؤال هذه المادة.

دور تقسيم العمل في تمايز العقل

قبل أن أجيب عن سؤالنا، علينا أن نشير إلى أننا لا نعدم وجود متفلسفات في تاريخ الفلسفة، لكنهن لم يصلن إلى درجة الحضور ذي التأثير الواسع في تاريخ التفلسف. وحسب القارئ أن يعود إلى معاجم الفلسفة أو الفلاسفة؛ ليدرك مدى غياب الأنثى عن التفلسف. ونشير أيضًا إلى أن هناك فرقًا كبيرًا بين تعلم الفلسفة والتخصص فيها من جهة، والتفلسف من جهة ثانية. فالتفلسف إبداع قول جديد في الفلسفة؛ مشكلاتٍ ومفاهيم.

سأنطلق من قول جون لوك: إن العقل صفحة بيضاء في الأصل، ثم تخطّ عليها الخبرة. إذًا لا شيء في العقل ما لم يكن قبلًا في الخبرة، وهنا يجب أن نميز بين العقل والدماغ لفض هذه الأطروحة، فالدماغ قبل الخبرة ليس عقلًا إنه جهاز بيولوجي معقد ذو وظائف متنوعة، العقل وحدة الخبرة والدماغ، الدماغ الذي ينطوي على فاعلية تحويل الخبرة إلى ذاكرة ولغة وتفكير. ففي الدماغ عدد من المَلَكات التي تتفاعل مع الخبرة والبيئة والثقافة والمعرفة والتي تشكل العقل.

إذا كان العقل، كما أشار ديكارت، أعدل الأشياء قسمة بين الناس، فإن الاختلاف في تعينات العقل يعود إلى تاريخية تكون العقل، تاريخية الخبرة، فلو كانت المواهب فطرية-وراثية فإن المواهب نفسها لا تنفصل عن تاريخية العقل.

ولهذا سأطرح الفرضية الآتية التي سأدلل على صحتها: إن تقسيم العمل قد حدد تمايز العقل، ليس بين الرجل والمرأة فقط بل بين البشر. فالفلاحة والحرفة والتجارة والتقسيم العام بين العمل العضلي والعمل العقلي هو المسؤول عن تعينات العقل الواقعية. وتقسيم العمل بين الرجل والمرأة قد حدد التمايز بين العقل المكوَّن للمرأة، والعقل المكوَّن للرجل، بل إن تقسيم العمل بين العمل العضلي-اليدوي، والعمل العقلي-الفكري، هو أساس تاريخي لاختلاف العقول وصناعة الذهنيات. وانفصال جزء من الرجال بالعمل العقلي-الذهني جعل احتكار هذا العقل للتفكير بما وراء هذا العالم. بالمقابل إن بقاء المرأة في عالم ضيق من الولادة والتربية والعمل اليدوي في البيت قد حرمها من التفكير بخارج عالمها الضيق.

ولما كان تقسيم العمل التاريخي قد ولد العقل عبر تراكم الخبرة التاريخية، فإن الزمن الطويل الذي سجن المرأة في عالمها الضيق حرمها من تلك الخبرة التاريخية الغنية التي امتلكها الرجل الذي انفرد بالعمل الفكري.

ولقد ترافق اغتراب المرأة في عالمها الضيق مع خطاب صاغه العقل الذكوري المفكر حول المرأة، الخطاب الذي شكل مع الزمن الطويل وعي الذكر بالمرأة ووعي المرأة بذاتها. إن الخطاب الذكوري حول المرأة وتعينه العملي بتحويل المرأة إلى موضوع للذات الذكورية قد خلق لديها، مع التاريخ الطويل من القمع، ذهنية ضيقة في حدود العالم الضيق الذي حدده الرجل للمرأة. ولو تتبعنا الخطابات التاريخية المتنوعة، القديمة وبعض الخطابات الحديثة لأدركنا دون صعوبة الذهنية التي تكونت لديها وحرمتها من التفلسف.

وإذا كان بعض الباحثين يسرد زوايا رؤية بعض الفلاسفة للمرأة من أرسطو حتى نيتشه مرورًا بكانط للتدليل على الموقف المعادي للمرأة، فإن الخطاب الفلسفي، بوصفه خطابًا محدود الانتشار، ليس له قيمة عملية في صناعة ذهنية المرأة ولا ذهنية الرجل في علاقته بالمرأة. ولو تأملنا الوعي الشعبي العامي بالمرأة، ووعي الأسرة بها، وبخاصة الأب، لأدركنا أن شمولية هذا الوعي لا تعود إلى هذا الفيلسوف أو ذاك، بل إن الخطاب الأسطوري الديني واللاهوتي هو الذي يقف وراء اغتراب المرأة وتشكيل ذهنيتها عبر الزمن الطويل. فضلًا عن القوة العضلية التي أدت لاحتكار الرجل لأهم شؤون الحياة التي تتطلب القوة.

ما أدوات صناعة ذهنية المرأة التي حدت، تاريخيًّا، من انشغالها في الحياة الفكرية، وحرمها من التفلسف؟

ملكية المرأة

المرأة عبر تقسيم العمل تحولت إلى موضوع، وأكثر دلالات الموضوع حرمانها من وعيها بذاتها بوصفها ذاتًا، وهكذا تحول الموضوع إلى ملكية للرجل، فها هو الرجل قد امتلك موضوعًا وظيفته إشباع الغريزة والإنجاب والتربية والعمل في شؤون البيت.

والمتأمل في حقوق الزوج على زوجته في الوعي الديني والأيديولوجيا التي نشأت من الدين يدرك هذه الحقيقة. وبحجة الخطيئة الأولى التي ارتكبتها حواء فقد وعدها الإله، كما جاء في التوراة: «تكثيرًا أُكثر أتعاب حبلك، وبالوجع تلدين أولادًا، وإلى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك». وجاء في الإنجيل: «أيها النساء اخضعن لرجالكن كما للرب، لأن الرجل هو رأس المرأة، كما أن المسيح هو رأس الكنيسة». وفي الإسلام: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.

ولا شك أن اللاهوت النابع من الترسيمات الدينية هذه قد بالغ كثيرًا في إبراز سلطة الرجل على المرأة بوصفها مملوكة للرجل، فحرمها من كل عمل يقوم به الرجل.

الجسد بوصفه مذمومًا

صحيح أن نظرة الأديان إلى الجسد نظرة سلبية بالقياس إلى الروح، ولكن جميع أشكال اللاهوت نظرت إلى جسد المرأة المملوكة على أنه مذموم، وأنه موضوع شهوة للرجل، وموضوع إغراء وفتنة وعورة، والأخطر من وعي الرجل بها على هذا النحو وعيها بذاتها المطابق لوعي الرجل بها. حتى عندما أخذت المرأة بعض حقوقها المسلوبة، لم تتغير كثيرًا النظرة إلى ماهية جسدها. وعندي أن لا فرق بين الوعي بتقنيع المرأة والوعي بعرض مفاتنها، فكلا الوعيين ينظران إلى المرأة بوصفها فتنة، وعي يسترها بوصفها شهوة ووعي يعريها من حيث هي شهوة.. دون أن يمنحها الحرية بوعيها بجسدها الإنساني.

أسطورة قصور المرأة العقلي

يرى كثير من الفلاسفة أن غياب المرأة الفيلسوفة هو دليل على قصورها العقلي. والحق أن هناك ثلاثة عوامل خلقت أسطورة قصور المرأة العقلي وتأكيده حتى لدى المرأة.

العامل الأول هو التقليد التاريخي لدى الشعوب التي جعلت من غياب المرأة في العمل الفكري دليلًا على قصورها العقلي، وقد اشترك فلاسفة اليونان في تأكيد هذه الأسطورة. ويتمثل العامل الثاني في الخطاب الديني واللاهوتي الذي أكد نقص قدرات المرأة العقلية. والعامل الثالث هو قول بعض علماء الفسيولوجيا في تفاوت نسبة الذكاء بين الرجل والمرأة لصالح الرجل.

هذه العوامل الثلاثة بتاريخيتها زيفت وعي المرأة والمجتمع بذاتها، وأسست للاختلاف الجذري بين الطفل والطفلة. وهنا ندخل العامل الحاسم الذي حرم المرأة من التفلسف، على الرغم من قدرتها على تعلمها.. مع الإقرار بتفاوت فعل العوامل السابقة وفقًا للخصوصيات الحضارية العالمية.

نقع في مرحلة الطفولة على عالمين مختلفين في تنشئة الطفل والطفلة. صحيح أن فرويد قد حمّل عقدة الخصاء المسؤولية الكبرى في صياغة عالم المرأة، وبالغ في أثرها في وعي الأنثى الطفلة بذاتها وشعورها بالنقص تجاه الذكر، وفسر قصورها المهني تأسيسًا على هذه العقدة، لكنه بالمقابل لم ينتبه إلى تاريخ صناعة هوية الطفلة كثيرًا في حقل الثقافة السائدة من طريقة التعامل الأسروي معها المختلفة عن طريقة التعامل مع الطفل-الذكر، من اختيار زيها وألعابها، فالدمية وصناعة الدمية هو عالمها، والخوف عليها من اللعب خارج بيتها، من الأوامر الأخلاقية المرتبطة بسلوكها.. كل هذا وسواه قد أسس عالمها الضيق. والحق لقد تساوت شروط تربية الأطفال في عالم ما قبل الحداثة الأوربية تقريبًا، فقد قام الوعي الديني بالدور نفسه في تنشئة المرأة.

تاريخية التنشئة هذه ولّد الذهنية المعتدة لعلاقة الأنثى بالعالم. ومن المعروف أن تكون الذهنيات تاريخيًّا يحتاج إلى تاريخ طويل للتغير وإنجاز القطيعة مع ماضيها، فكيف إذا كان تكوُّن الذهنية يمتد إلى آلاف السنين.

والحق أن تجربتي في دراسة الفلسفة وتدريسها التي تمتد إلى ستة وخمسين عامًا، أكدت لي أثر الذهنية النسوية السلبي في قدرة المرأة على التفلسف، والخروج من عالمها المكوِّن. حتى لو درست وتخصصت في مبحث الفلسفة. ففي السبعينيات من القرن الماضي كان العالم يضج برياح التحرر الفكري والسياسي، وكان التغرب في السلوك والزي عاصفًا، لكن صديقاتنا في قسم الفلسفة، اللواتي كن في عالم السفور وعلاقات التمرد على القديم، عُدن إلى عالمهن القديم، ولم يكن قد مضى زمن طويل على تخرجهن، ولم تُحدث الفلسفة في وعيهن المتوارث أثرًا يُذكر. كان هذا في بلاد الشام. وحين حضرت الدكتوراه في بلاد السوفييت، وفي أهم مدينة، هي سان بطرس بورغ، كان عدد اللواتي يدرسن الفلسفة كبيرًا، وكانت المدينة الجامعية سكنًا مشتركًا من الطلاب والطالبات من كل أنحاء العالم شرقه وغربه، لم تكن هناك همومًا فلسفية في حياتهن اليومية، على عكس الحوارات والاختلاف بين الطلبة الذكور؛ مع أن جميع الطالبات كنّ من الدول الأوربية الشرقية آنذاك ومن كوبا.

أما تجربة التدريس التي امتدت لثلاثة وثلاثين عامًا، فقد أكدت عندي أثر الذهنية السلبي المكوِّنة ذكوريًّا من جانب تاريخ التربية على إمكانية التفلسف. فجميع الذين اتخذوا طريق التفلسف من طلابي لاحقًا كانوا من الذكور، على الرغم من أن عدد اللواتي حصلن على درجة الدكتوراه في الفلسفة بكل مباحثها يساوي عدد الذين حصلوا عليها من الذكور وأكثر. حتى إن حنة أرندت تلميذة هايدغر كانت ترفض أن يقال عنها فيلسوفة، وتفضل صفة مفكرة سياسية.

بقي أن نقول: إذا كانت الثقافة الغربية المعاصرة التي حصلت فيها المرأة على حقها في الحرية، ودخلت عالم السياسة والفن والأدب، إذا كانت هذه الثقافة لم تشهد حضورًا فاعلًا لفيلسوفة ذات شأن على الرغم من وفرة عدد أستاذات الفلسفة في الجامعات فإن الثقافة العربية التي لم تصل بعد درجة الثقافة الأوربية في حقوق المرأة هيهات لها أن تشهد تفلسف المرأة وهي تحمل في عقلها تاريخًا طويلًا من العزلة عن الفضاء الروحي – الفكري وشروط تحررها ما زالت ضيقة.


الفيلسوفات وتطور الأبحاث الحديثة

من اليونان القديمة إلى التــاريـخ المعـاصر

ريتا فرج – باحثة ومحاضرة لبنانية

جوهر النفس هو قدرتها على التفكير العقلي، ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة.

                                                                                                ماكرينا (ت. 379م)

يظن كثيرون أن حضور النساء، بوصفهن فيلسوفات في تاريخ الفلسفة، منذ اليونان القديمة إلى وقتنا الراهن، نادرٌ جدًّا، فتظهر للوهلة الأولى أسماء قليلة، الأشهر بينها والحاضرة بقوة في ذاكرتنا، عالِمة الرياضيات والفيلسوفة الإسكندرانية هيباتيا، المقتولة على أيدي جماعة من الغوغاء المسيحيين سنة 415م؛ بسبب الصراع بين الوالي أوريستيس والبطريرك كيرلس. هذا الاغتيال عدّه أستاذ التاريخ في جامعة كاليفورنيا إدوارد واتس، الانفصال المخيف عن الأعراف الاجتماعية والثقافية للإمبراطورية الرومانية، التي استَثنَتْ النخب من أنواع الترهيب والعنف، وهو ما أدى إلى زعزعة الاستقرار في الإسكندرية والقسطنطينية إبان القرن الخامس الميلادي(29).

تبرهن القراءة المعمقة لتاريخ الفلسفة في العالم اليوناني، بدءًا من القرن السادس قبل الميلاد، على الدور المؤثر للفيلسوفات من مدارس فلسفية عدة، مثل الفيثاغورية المبكِّرة أو الأصلية. ذكر الباحث والمترجم المصري إمام عبدالفتاح إمام (1934-2019م) في «نساء فلاسفة»(30) ثلاث نساء؛ منهن: ثيانو، مُفسرة عبارة فيثاغورس «العالم عددٌ ونغمٌ»، وأريجنوت، دارسة الماهية الأزلية للعدد، ومييا، التي طبقت الهرمونيا في التربية الأسرية.

الدراسات الجندرية والبحث في التاريخ القديم

لا يقتصر وجود الفيلسوفات على اليونان القديمة؛ إذ يبرزن في عصور مختلفة، مع الافتراض أن الفلسفة اليونانية في أوج ازدهارها شكلت العصر الذهبي للمرأة الفيلسوفة؛ فالفضاء الحضاري والثقافي فيها حفز التفكير والجدل والإنتاج الفلسفي. والحال، لماذا يبدو أن الفيلسوفات غير مرئيات ومهمشات في الإرث الفلسفي؟ وما الذي طوَّر الأبحاث الحديثة حولهن في التاريخ القديم والمعاصر؟

لم يكن ما صدر من كتب حديثة عن تاريخ الفلسفة مُنصفًا بحق النساء، فقد جرى التركيز على الفلاسفة الرجال وهُمِّشت النساء. وكما تلحظ ربيكا بكستن وليسا وايتنغ في «ملكات الفلسفة: سيرة النساء المهملات في الفلسفة وإرثهن» لا يذكر كتاب «الفلسفة: مئة من المفكرين الأساسيين» سوى امرأتين: ماري وُلْسْتونكرافتْ وسيمون دي بوفوار، أما كتاب «عظماء الفلاسفة: من سقراط إلى ألان تُورنْغْ» فلم ترد فيه أي فيلسوفة. ساهمت عوامل عدة في تطور الأبحاث عن النساء الفيلسوفات، خصوصًا في التاريخ القديم، أولها ظهور «الدراسات الجندرية» التي تتضمن المؤلف الجماعي، الذي بدأته أوائل الثمانينيات من القرن المنصرم، الباحثة الأميركية ماري إلين وايت، التي أصدرت «تاريخ النساء الفلاسفة» في أربعة مجلدات، نشر أولها سنة 1987م. انطلق المشروع من كتاب عالم النحو والمؤرخ الفرنسي جيل ميناج (1613-1692م)، المنشور في اللاتينية سنة 1690م تحت عنوان: «تاريخ النساء الفيلسوفات» يسرد فيه قائمة بأسماء الفيلسوفات خلال عصور مختلفة، من اليونان العتيقة إلى العصور القديمة المتأخرة مع إطلالة على العصور الوسطى.

يذكر ميناج في كتابه (65) فيلسوفة -وهذا عدد ليس قليل- ويصنفهن حسب المدارس الفلسفية: «الأفلاطونية»، «الرواقية»، «الفيثاغورية»، «الأبيقورية»، «الجدلية»، «القورينائيّة»، «الكلبية»، و«المشائية» وغيرها(31). ضمتّ المدرسة الفيثاغورية العدد الأكبر من النساء، وكما تلفت الكاتبة والأكاديمية الفرنسية ميريام كيسل، فإنه من الصعب تحديد الأسباب وراء هذا الانتماء، لكنها تلاحظ أن انفتاح الفيثاغورية منح المرأة مكانةً لم تحصل عليها في المدارس الفلسفية الأخرى(32). يرتبط العامل الثاني بتطور البحث في التاريخ القديم. أدى الاهتمام بالفلسفة، بوصفها ظاهرة فكرية واجتماعية، إلى تعميق الأبحاث النقدية واستخدام المناهج متعددة التخصصات، منها: علوم الآثار والنقوش، بحثًا عن الشخصيات الفلسفية الحقيقية، فنُشر «قاموس الفلاسفة القدماء»، بتحرير ريتشارد غوليه، الذي صدر المجلد الأول منه سنة 1989م. والعامل الثالث والأهم دخول النساء إلى الجامعات والتحاقهن بأقسام الفلسفة فيها في أوربا والولايات المتحدة، ولا سيما في الخمسينيات من القرن المنصرم، وهو ما جعلهن على تماس معرفي مباشر بتاريخ الفلسفة وأعلامها ومدارسها، فتطور الوعي النسائي الفلسفي الأكاديمي، بشكلين: التأليف وابتكار النظريات، والتدريس الجامعي؛ علمًا أن النساء أقْصينَ، تاريخيًّا، من التعليم الأكاديمي، «فجامعة كمبردج، جاءت في مؤخرة المؤسسات البريطانية التي تسمح للنساء بالحصول على درجات كاملة (البكالوريوس، ماجستير، دكتوراه) وذلك سنة 1948م»(33).

مَنِ الفيلسوف؟

من الإشكاليات الجادة التي تواجه الأبحاث في الفلسفة القديمة وموقع النساء فيها، هي صعوبة تعريف الفيلسوف في التاريخ القديم وكذلك المعاصر، على الرغم من نمو المناهج الأكاديمية الفلسفية وتحديد حقولها ومجالاتها، فقد أُطلق هذا اللقب، قديمًا على الأطباء، والكيميائيين، والعرافين، والخطباء، وعلماء الرياضيات، والفلاسفة الذين كانوا جزءًا من التقاليد المدرسية، والذين ألفوا أعمالًا فلسفية. لكن ما يهمنا في هذا المقال هن الفيلسوفات في المدارس الفلسفية اليونانية، التي أشارت المصادر إلى نظرياتهن وأثرهن الضائع، فهيباتيا -على سبيل المثال- أدارت مدرسة والدها ثيون، وقدمت فيها نظامًا كاملًا عن الفلسفة، شمل أفلاطون وأرسطو، وفلاسفة آخرين، وقدمت الرياضيات أيضًا، بفعل التقاطع بين التخصصين، كما ينبهنا واتس.

الفلسفة والإرث العائلي

تشير الباحثة الفرنسية إليزابيت كوش إلى سمة بارزة طبعت المدارس الفلسفية في العصور القديمة، وهو ما أتاح للنساء الدخول فيها. كانت الفلسفة في كثير من الأحيان شأنًا عائليًّا متوارثًا. ومع استثناءات نادرة، فالعديد من الشخصيات النسائية الفلسفية، ترتبط بِصِلة قرابة بفيلسوف رجل: أخت، زوجة، ابنة، أم؛ وهو ما يعني أن الفلسفة غدت إرثًا عائليًّا، وهذه سمة نادرة، ربما يماثلها تخصصات أخرى مثل: الطب والقانون.

اضطلعت شخصيات نسائية فلسفية في اليونان القديمة بأدوار مهمة بينهن: الفيلسوفة ومعلمة الخطابة إسبازيا (ت. نحو 401 ق.م) التي احتوى منزلها على منتدى ثقافي، ضمّ شخصيات بارزة، بينهم الفلاسفة. خُلدت في عملين بارزين؛ الأول: «محاورة مينكسينوس لأفلاطون، والثاني، اللوحة الزيتية من الجص على بوابة مكتبة جامعة أثينا، التي تصورها في صحبة سقراط»(34)، على شاكلة اللوحة الجدارية لـ«مدرسة أثينا» لفنان عصر النهضة الإيطالي رافاييلو الذي رسم فيها مجموعة من الفلاسفة وعلماء الرياضيات بينهم هيباتيا.

القرون الوسطى والعصور الحديثة

في القرون الوسطى الأوربية برزت أسماء نسائية عدة في فلسفة اللاهوت مثل الراهبة والفيلسوفة الفرنسية إلواز (Héloïse d’Argenteuil) (1092-1164م) التي كتبت عن الحب الخالص والصداقة والزواج. ونذكر الفيلسوفة والشاعرة الفرنسية كريستين دي بيزان (1364-1430م)، أول مؤلفة فرنسية كسبت عيشها بقلمها. أما في العصور الحديثة، تظهر أسماء عدة مثل: الفيلسوفة الإنجليزية ماري وُلْسْتونكرافتْ (1759-1797م)، وسارة مارغريت فولر (1810-1850م) الرائدة في الفلسفة النسوية الأميركية، صاحبة «المرأة في القرن التاسع عشر» (1843م) والفيلسوفة والراهبة الألمانية، يهودية الأصل، إديت شتاين(35) (1891-1942م)، والمنظِّرة والفيلسوفة الاشتراكية روزا لوكسمبورغ (اغتيلت سنة 1919م).

القرن العشرون والوعي الفلسفي النسائي

ازدهر الوعي والحضور النسائي الفلسفي في القرن العشرين، مع دخول النساء في الجامعات وأقسام الفلسفة والعلوم الإنسانية المتقاطعة معها، فتشكلت نظريات فلسفية قُدِّمت في مجالات عدة، مثل: فلسفة القانون، الفلسفة السياسية، الفلسفة الاقتصادية، فلسفة اللغة، الفلسفة النسوية. من فيلسوفات هذا القرن وما يليه: الفرنسية سيمون فايل (1909-1943م)، والإسبانية ماريا زامبرانو (1904-1991م)، والسويسرية جين هيرش (1910-2000م)، والألمانية حنة أرندت (1906-1975م)، والبريطانية ماري ميدغلي (1919-2018م)، والأميركيتان ليندا مارتن ألكوف وجوديث بتلر. وبعيدًا من المجالين الأوربي والأميركي، لا بد من لفت الانتباه إلى أهمية الفيلسوفات المعاصرات في الصين والهند وإفريقيا. لا يتسع هذا المقال للحديث عنهن، ولكن نشير على عجالة إلى الفيلسوفة النيجيرية صوفي أولوولي (1935-2018م)؛ أول امرأة حاصلة على درجة الدكتوراه في الفلسفة في نيجيريا، والمتحدثة بصوت عالٍ عن دور المرأة في الفلسفة.

عربيًّا، يلحظ الحضور الأكاديمي للنساء في أقسام الفلسفة في الجامعات، كطالبات وأستاذات ومؤلفات، لكن المدرسة الفلسفية النسائية العربية، إذا جاز القول، تفتقر لمنظِّرات أو مؤسسات نظريات فلسفية جديدة، حتى ضمن الدراسات الفلسفية النسوية، وهذا مؤشر، إن دلّ على شيء، فعلى هشاشة الأكاديميات والمكتبة العربية، إذا ما قورنت بالإنتاج الفلسفي النسائي الأوربي، على سبيل المثال. ربما تعود هذه الهشاشة إلى أنظمة التعليم نفسها، وإلى المحيط الثقافي والحضاري العربي، الذي غالبًا ما يبتعد من الفلسفة؛ بسبب سطوة الموروث، وغياب الفكر النقدي بوصفه تقليدًا أكاديميًّا وفكريًّا متوارثًا في أوربا.

الفيلسوفات و«إشكالية التماثل»

من الإشكاليات الرئيسة التي تواجه الفيلسوفات في العصر الراهن، «إشكالية التماثل»، ونقصد بذلك غياب الإنتاج الفلسفي النسائي الذي يرتقي إلى فلسفة كانط (1724-1804م) أو هيغل (1770-1831م). فلماذا هذا الغياب؟ وما أسبابه؟

لا يدعي هذا المقال الإجابة عن هذين السؤالين، ولكن يمكن الافتراض، أن تأخر دخول النساء إلى أقسام الفلسفة في الجامعات، كان من بين الأسباب الأساسية التي حالت دون تشكُّل إنتاج فلسفي نسائي يوازي الكانطية والهيغلية، كما أن الظروف المحيطة بهذين الفيلسوفين، لها سياقها الثقافي والحضاري، فالوعي التاريخي الفلسفي الذي طبع زمنهما، يختلف عن شروط الوعي النسائي الفلسفي المعاصر، دون أن نقلل من أهمية الأطروحات التي بنتها فيلسوفات ضمن حقول فلسفية عدة، خصوصًا الفلسفة السياسية التي تمثلها أرندت، وهي من أهم العقول في القرن العشرين، والفلسفة الجندرية التي تمثلها بتلر، صاحبة «قلق الجندر» (1990م) الذي شكل كتابها تأسيسًا مفارقًا للدراسات الجندرية، هاجمت فيه القيم الجنسية السائدة، وأعلنت نهاية «الموجة النسوية الثانية».

تتحدّى بتلر الفرضيات حول الاختلاف بين الجنس والجندر، بعدما عدّت النظرية النسوية أن أشكال التمييز أساس نظرياتها، «والحال أنها قد استشكلت فكرةَ جسمٍ «طبيعي» يوجد خارج الواقع الاجتماعي، إذ بيَّنت بشدة؛ ضد أطروحة دو بوفوار، أنه «إذا قلنا: إن الجسم هو موقف، مثلما تدعي، فإنه لا يوجد ملجأ إلى جسم لم يكن دومًا، مؤولًا من خلال دلالات ثقافية؛ وتاليًا فإن الجنس لا يمكن أن يُعتبر واقعة تشريحية سابقة على الخطاب. وبالفعل فإنه سوف يتبيَّن أن الجنس، من حيث التعريف، هو جندر منذ البداية»(36).

إن التحديات التي توجه المشتغلين/ المشتغلات بالفلسفة في القرن الحادي والعشرين مختلفة عن زمن كانط وهيغل؛ فالمسائل الجديدة التي تطرح نفسها ترتبط بالأخلاقيات الجديدة، وثورة الجسد، وثقافة الرغبة، وصراع الهويات، والعنف والتهميش في المدن، والإنسان الرقمي والذكاء الاصطناعي.

ختامًا، لم تكن النساء عبر العصور بعيدات من الفلسفة، لقد كنّ مرئيات وحاضرات، قولًا وجدلًا وإنتاجًا. وفي سبيل صوغ صورة أوضح عن هذه الأدوار، ولا سيما في العصور القديمة، من المفيد تكثيف حركة البحوث في الدراسات الفلسفية والتاريخية؛ لانتشال الأنثوي الفلسفي الغائر في بطون المصادر والمخطوطات والأدلة الأثرية والفنية.


النساء حين يتفلسفن

يمنى طريف الخولي – كاتبة وأكاديمية مصرية

السؤال المطروح في هذا المقال عن المرأة الفيلسوفة، ومتى تكون هكذا بمعنى الكلمة. مطروح في عهد طوفان الأقصى، الذي اكتسح في تدفقه -الظافر والنازف- بديهياتٍ زائفة ومسلماتٍ مغلوطة، لا أول لها ولا آخر، وحرر البشر من أوهام شتى، وأبرز حقيقة ساطعة مفادها أننا نحيا في عصر ما بعد الاستعمار، الذي هو عصر ما بعد الحداثة. ما بعد الاستعمار وما بعد الحداثة مقولتان متطابقان، ومصطلحان مترادفان.

على هذا الأساس بعد الحداثي/ بعد الاستعماري، نجد إجابتنا التالية عن السؤال بشأن المرأة الفيلسوفة، إنما تتلخص في أن «الفلسفة النسوية» هي المتصدرة للموقف الراهن، وأصدق تجسيد وتجريد لروح الحقبة الراهنة. فضلًا عن أن تيار النسوية الدافق والمتصاعد واحد من أبرز الخطوط المشـكلة لذهنية القرن
الحادي والعشرين.

الفلسفة النسوية

بداية نلحظ أن «النسوية» لفظة كلية تغطي كل موقف ينطلق من موقع المرأة ومن أجلها، باستجواب أو مراجعة أو تعديل النظام البطريركي (الأبوي) الذي يعني علو شأن الرجل، وأن المرأة بالنسبة له تابع وجنس آخر. إنها المركزية الذكورية التي سادت الحضارة الإنسانية شرقًا وغربًا عشرات القرون، وقد تعني في بعض المواضع أن الحياة حق للرجل وواجب على المرأة.

أما «النسوية» كمصطلح، فتشير إلى حركة سياسية لها غايات اجتماعية، تتمثل في نيل حقوق للمرأة على رأسها حق التعليم، ثم إثبات ذاتها ودورها في المجال العام؛ فلا ينحبس دورها داخل جدران المنزل مقتصرًا على المجال الخاص. انطلقت «الحركة النسوية» في القرن التاسع عشر في الغرب خصوصًا إنجلترا وفرنسا، وفي العالم العربي خصوصًا مصر والشام وتونس، وصيغ مصطلح النسوية لأولِ مرة عام 1895م. وكما هو معروف وملموس، تنامت الحركة النسوية ونواتجها عبر القرنين الماضيين، في الغربِ والشرق معًا.

أما «الفلسفة النسوية» التي هي موضوعنا الآن، فقد ظهرت فقط مع مطالع سبعينيات القرن العشرين، كمقولةٍ مستحدثة تمامًا، مُفعمة بالجدة والجدية والجدوى. وبدلًا من السؤال التقليدي: كيف ترى الفلسفة المرأة؟ وماذا قدمت الفلسفة للمرأة؟ طرحت الفلسفة النسوية سؤالها المعكوس: كيف تنظر المرأة إلى الفلسفة؟ وماذا يمكن أن تقدم المرأة للفلسفة؟ من حيث هي امرأة مختلفة عن الرجل، تملك خبرات ورؤى وإشكالات لا يملكها الرجل.

على هذا النحو ظهرت «الفلسفة النسوية» في أعقاب ومحصلات ثورة الشباب الشهيرة عام 1968م، التي دشنت عصر ما بعد الحداثة وما بعد الاستعمار. انطلقت تلك الثورة أولًا بفعل شباب جامعة كولومبيا أعرق جامعات نيويورك؛ لتنتشر في جامعات أميركا وأوربا انتشار النار في الهشيم. تمامًا مثلما انطلقت الآن من جامعة كولومبيا نفسها ثورة الشباب المناهض لحرب الإبادة في غزة الصامدة، لتنتشر في شتى الجامعات والميادين.

مثلت «الفلسفة النسوية» إضافة حقيقية، وتجسيدًا لقيم ما بعد الحداثة وما بعد الاستعمار، فعكست روح الحقبة الماثلة، وأيضًا متغيرات وطبائع الفلسفة آنذاك. لقد قامت من أجل رفض مطابقة الخبرة الإنسانية بالخبرة الذكورية ورفض عَدّ الرجلِ الصانعَ الوحيدَ للعقل والعلم والفلسفة والتاريخ والحضارة جميعًا، وتجد لإبراز الجانب الآخر للوجود البشري الذي طال قمعه وكبته. وفي هذا تعمل الفلسفة النسوية على خلخلة التصنيفات القاطعة للبشر إلى ذكورية وأنثوية، بما تنطوي عليه من بنية تراتبية سادت لتعني الأعلى والأدنى، المركز والأطراف، السيد والخاضع. امتدت في الحضارة الغربية من الأسرة إلى الدولة إلى الإنسانية جمعاء، فكانت أعلى صورها في الاستعمارية والإمبريالية. وكما تقول فيلسوفة الإبستمولوجيا النسوية لورين كود: الظلم الذي نراه في معالجة أرسطو للنساء والعبيد هو عينه الظلم في معالجة شعوب العالم الثالث، إنه تصنيف البشر والكيل بمكيالين.

تعمل الفلسفة النسوية على فضح ومقاومة كل هياكل الهيمنة وأشكال الظلم والقهر والقمع، وتفكيك النماذج والممارسات الاستبدادية، وإعادة الاعتبار للآخر المهمش والمقهور، والعمل على صياغة الهوية وجوهرية الاختلاف، والبحث عن عملية من التطور والارتقاء المتناغم الذي يقلب ما هو مألوف ويؤدي إلى الأكثر توازنًا وعدلًا. أمعنت في تحليلاتها النقدية للبنية الذكورية التراتبية، وتوغلت في استجواب قسمتها غير العادلة، وراحت تكسر الصمت وتخترق أجواء المسكوت عنه، حتى قيل: إنها تولدت عن عملية إعطاء أسماء لمشكلات لا اسم لها، وعنونة مقولات لا عناوين لها.

النسوية واستقطاب روح الفلسفة المعاصرة

الفلسفة النسوية أعمق من مجرد المطالبة بالمساواة مع الرجال. فلا بد من استجواب تاريخ العقل البشري والسياق الحضاري؛ لسبر أعماق التهميش الطويل الذي نال المرأة، وإثبات إلى أي حد كان جائرًا؛ تمهيدًا لاجتثاثه من جذوره. لا بد من إعادة اكتشاف النساء لأنفسهن كنساء، لذاتهن المقموعة، وإثبات جدوى إظهار إيجابياتها وفاعلياتها، وصياغة نظرية عن الهوية النسوية. إنه حرث للأرضية العقلية، واستنبات لبذور لم تُبذر من قبل. تقدمت الفلسفة النسوية بمنهاج لإعادة تأريخ الفلسفة القديمة والوسيطة والمحدثة؛ من أجل الإجابة عن تساؤلات لم تُطرح فيما سبق، ثم تقديم رؤى فلسفية أنثوية مستجدة ومتكاملة.

تنامت وتصاعدت الفلسفة النسوية في قلب فوران ما بعد الحداثة وما بعد الاستعمار. في هذا نجدها أولًا استقطابًا لروح الفلسفة المعاصرة، وثانيًا من أقوى تجليات الفلسفة بعد الحداثية وأمضى تمثيلات ما بعد الاستعمارية وأشدها إصرارًا على فضح جرائم الاستعمار واستئصال شأفته. ومن هنا رأيناها تتصدر عهد طوفان الأقصى الذي يمثل نقطة تحرر بعد استعمارية فائقة.

من حيث استقطاب النسوية لروح الفلسفة المعاصرة، نلحظ كيف عزف القرن العشرون عن بناء أنساق شامخة، فأصبحت الاتجاهات الفلسفية فيه مناهج أكثر منها مذاهب؛ أي أسلوب للبحث وطريقة للنظر وليس مصفوفة من الحقائق أو بناءً مهيبًا من الأفكار المطلقة. غلب الميل نحو الواقعي والعيني والتطبيقي والحي والمعيش والفعلي والنسبي والمتغير، والابتعاد من المطلق والمجرد والذهني الخالص. وهكذا على وجه الدقة جاءت الفلسفة النسوية.

أما من الناحية الأخرى بعد الحداثية، فقد شهدت أواسط القرن العشرين منعطفًا جذريًّا بانتهاء الحرب العالمية الثانية. أثارت ويلاتُها الشكَّ في قيم الحداثة والتنوير، وأعلنت إفلاس الاستعمار الأوربي وبلوغَه طريقًا مسدودًا. تصاعد المد القومي في أنحاء العالم ومطالب الحرية والاستقلال، فازدهر الطابع النقدي للفلسفة بنقد منطلقات الحداثة الغربية والعقلانية الكلاسيكية والتنوير والعلمانية والاستعمارية التي رسمت التاريخ الحديث. وتجسد هذا النقد في موجات ما بعد الحداثة وما بعد الاستعمارية. ويظل الشغل الشاغل للفلسفة النسوية هو نقد العقل الذكوري، عقل الهيمنة والسيطرة، وقد رأته يتجسد في النموذج التنويري الحداثي الاستعماري، الذي هو وجه آخر لمركزية غربية التي تعني أن الثقافة الغربية تتمتع بالسيادة والتفوق، فتمثل معايير الحكم على الحضارات والثقافات الأخرى؛ ليكون تقدمها تبعًا لمدى اقترابها من النموذج الغربي الذي هو المثل الأعلى للجميع. فأصبح ناموس كل الأشياء: إما أن تكون الرجل الأبيض وإلا فأنت في منزلة أدني، الثانية أو الثالثة أو العاشرة… تبعًا لمدى الاقتراب منه في التراتب الهرمي الجامع.

مركزية الحضارة الغربية والرجل الأبيض سادت العالمين بفضل المد الاستعماري، قهرت المرأة البيضاء في الداخل وشعوب العالم الثالث في الخارج. وقد قامت الفلسفة النسوية من أجل رفض التراتب الهرمي أصلًا، نازعة إلى تقويض مركزية العقل الذكوري الحداثي، وتشعر أنها مسؤولة أكثر من سواها عن مواجهة الوجه الآخر المتضخم للمركزية الذكورية.. مركزية الحضارة الغربية الاستعمارية.

من الفلسفة اللينة إلى الفلسفة العسيرة

بدأت النسوية أولًا في فروع الفلسفة اللينة، وهي السياسة والأخلاق والجمال أو ما يسمى مبحث القيم «الأكسيولوجيا». مع الثمانينيات تطرقت إلى فروع الفلسفة العسيرة وهي الميتافيزيقا ونظرية المعرفة والميثودولوجيا/ فلسفة المنهجية وفلسفة العلوم، أي مبحثي الوجود والمعرفة أو «الإبستمولوجيا» و«الأنطولوجيا». هكذا شملت الفلسفة النسوية المحاور الثلاث للفلسفة، الوجود والمعرفة والقيمة. على أن امتدادها إلى «فلسفة العلم» ضربة إستراتيجية حقًّا، جعلتها استجابة عميقة للموقف الحضاري الراهن.

فقد كان العلم الحديث أكثر من سواه تجسيدًا للقيم الذكورية، فانطلق بروح الهيمنة والسيطرة على الطبيعة وتسخيرها مما تمخض عن الكارثة البيئية، واستغلال قوى العلم المعرفية والتقنية في قهر الثقافات والشعوب الأخرى، وجاءت العولمة لتنذر بعالم يفقد تعدديتـه وثراءه وخصوبته. من هنا ترفض فلسفة العلم النسوية التفسير الذكوري الوحيد المطروح للعلم بنواتجه السلبية، وتحاول إبراز وتفعيل جوانب ومجالات وقيم مختلفة خاصة بالأنثى، كالعاطفة والخيال وعمق الارتباط بالآخر والرعاية طويلة المدى. كلها جرى تهميشها وإنكارها والحط من شأنها في عالم العلم بحكم السيطرة الذكورية، ويجب أن يُفسح لها المجال لإحداث توازنٍ منشود.

تنزع فلسفةُ العلم النسوية إلى أن تكون تحريرية، تمد علاقة بين المعرفة والوجود والقيمة؛ لتكشف عن الشكل العادل لوجود البشر في العالم، وترى العلمَ علمًا بقدر ما هو محمل بالقيم والأهداف الاجتماعية، ولا بد أن يكون ديمقراطيًّا يقبل التعددية الثقافية والاعتراف بالآخر. إنها لا تنفي منهجية العلم السائدة أو تريد أن تحل محلها، بل فقط أن تتكامل معها من أجل التوازن المنشود. هكذا تحاول الفلسفة النسوية أن تضيف إلى العلم قيمًا أنكرها، وتوهج اشتباكها الحميم بالقضايا المستجدة كالبيئة وأخلاقيات العلم وعلاقته بالمؤسسات الاجتماعية الأخرى، واتخاذه أداة لقهر الثقافات والشعوب الأخرى.

النسوية ونزع المركزية وتقويض التراتبية

«قهر الآخر» منطلق محوري للفلسفة النسوية. فقد سادت مركزية الحضارة الغربية العالمين، بفضل المد الاستعماري، وقهرت ثالوث الأطراف: قهرت المرأة وقهرت الطبيعة لتخلق مشكلة البيئة، وقهرت شعوب العالم الثالث. أما الفلسفة النسوية، فترفض التراتب الهرمي أصلًا في العلم وفي الحضارة على السواء، نازعةً إلى تقويض مركزية العقل الذكوري، تحريرًا للمرأة وقيمها الأنثوية، وبالمثل تحريرًا للبيئة. تشعر الفلسفة النسوية أنها مسؤولة عن مواجهة الوجه الآخر المتضخم للمركزية الذكورية، أي مركزية الحضارة الغربية.

لقد وجدت الفلسفة النسوية طريقها لتكونَ فلسفةً للمرأة بقدر ما هي فلسفة للبيئة، وفلسفة لتحرر الثقافات والقوميات وشعوب العالم الثالث من نير الاستعمارية والمركزية الغربية. اشتبكت بالقضايا الشائكة المتعلقة بالهوية واللغة والقومية. وتحاول استكشاف وتقويم المفاهيم المتعلقة بالمرأة عبر الثقافات المختلفة. فلا ثقافة تفوق الأخرى أو ترى نفسها الأرقى، فالنسوية قامت أصلًا من أجل تقويض التراتبية. وكان استبعاد المركزية الذكورية من العلم استبعادًا للعنصرية والاستعمارية. ظهرت الدعوة لاتحاد نساء الشمال ونساء الجنوب؛ لمواجهة الأخطار الثقافية والاقتصادية للعولمة. ترى الفلسفة النسوية أن الإمبريالية لا تنفصل عن الغزو الثقافي وقهر ثقافة الآخر وتدميرها، وإحلالها بالثقافة الغازية المنتصرة؛ وبالتالي تنطوي مقاومة الإمبريالية على مقاومة ثقافية، ومحاولة الإبقاء على ثقافة الأنا وحمايتها من الضياع، وعلى نقد للثقافة الإمبريالية.

إنها فلسفة لمقاومة المركزية الذكورية/ الاستعمارية. تفخر النسوية الغربية بدور النساء المكافحات اللاتي شاركن في المقاومة والنضال للتحرر من الاستعمار، شاركن بأنفسهن ولم يقتصرن على إنجاب الرجال المناضلين. فكانت المرأة قوة خفية وقوة ظاهرة في النضال من أجل الحرية وتحقيق الذات القومية والعبور العظيم إلى عصر ما بعد الاستعمار. أمثال شهيدات ثورة 1919م المصرية وجميلة بوحريد والشهيدات الجزائريات وقوافل الشهيدات الفلسطينيات… إلخ، هن شواهد للفلسفة النسوية، يفقن سائر بطلات تحرير المرأة. أما في عهد طوفان الأقصى فإن نساء غزة، الشهيدات والمصابات والثكالى والمترملات والمعتقلات والمرابطات… كلهن جميعًا أعظم شواهد الفلسفة النسوية. وهن تاج على رأس المرأة العربية، التي لم تتوانَ عن الإسهام في الفكر النسوي والفلسفة النسوية الإسلامية، بفضل عقيلات وعقليات رائدة، نخص منهن بالذكر: بنت الشاطئ «النسوية الإسلامية الفريدة» [في كتابي: منهجيات راهنة نحو المستقبل، دار رؤية، القاهرة 2024م. ص 109-114]، ومنى أبو الفضل «نسوية بناءة لمنهجية علمية إسلامية» [في كتابي: توطين المنهجية العلمية، هنداوي نت، وندسور- إنجلترا، 2024م، ص 158-173].

وإذا أراد القارئ الكريم مزيدًا من التعرف إلى هذه الفلسفة النسوية، وشخصياتها اللائي يمثلن المرأة الفيلسوفة بمعنى الكلمة، بل الفيلسوف الملتزم أمام ثقافته المستجيب لهموم العصر ومستهدفاته بمعنى الكلمة، يكفيه زيارة صفحتي في هذا الموقع https://www.hindawi.org/contributors/94709302 ليأتيه فورًا ومجانًا نسخ إلكترونية لأكثر من كتاب أَلَّفْتُه أو تَرجمتُه في شأن الفلسفة النسوية، والنساء حين يتفلسفن.


عندما تُخترع الأنوثة

الفلسفة نتاج هيمنة ذكورية أم نشاط إنساني محايد؟

نذير الماجد – كاتب سعودي

إذا كانت الفلسفة في الشطر الأكبر من تاريخها نتاجًا لهيمنة ذكورية، بحيث يكون كل نقد نسوي من داخل الفلسفة إنما هو إعادة إنتاج للهيمنة ذاتها، أفلا يكون من الضروري تفسير هذا الامتياز الذكوري بسياقات تاريخية أو ببنى اجتماعية؟ أم إنها نشاط إنساني محايد جندريًّا حتى لو كان الاستعمال الفلسفي المجازي للأنوثة يكشف عن نرجسية ما؟ وما دامت الفلسفةُ سؤالًا يضع نفسه موضع سؤال، كما قال مرة هايدغر، فإن سؤال الجندر هو سؤال فلسفي بامتياز؛ إذ اتضح أن إنتاج العقل هو أيضًا مسكون بقدر من الأسطورة. البدايات تكشف عن ذلك بوضوح، فإذا كان مبدأ الخير هو الذي ينشئ النظام والنور والرجل، فإن مبدأ الشر هو الذي ينشئ الفوضى والعتمة والمرأة.

المرأة وفق تراتبية أرسطو

في الفلسفة الأخلاقية عند أرسطو، قطب الفلسفة اليونانية، كانت المرأة إلى جانب العبد في هامش المجتمع. لقد فرض أرسطو بنية تراتبية للكون، وكان لا بد أن تنعكس تلك البنية على الواقع البشري، فالمجتمع البشري جوهريًّا تراتبيّ، والعدالة تتمثل في ذلك التلازم الأبدي بين الموقع الاجتماعي وشاغله. المرأة والعبد أدنى من المواطن الحر بحكم الطبيعة، المرأة إنما هي رجل غير مكتمل، تشوه خلقي، وهي منفعلة ومتلقية دائمًا.

يخبرنا «برتراند راسل» أن أرسطو كان يرى المرأة ناقصة عقل؛ لأن أسنانها أقل من أسنان الرجل، ولا يرى أن من الحكمة إدراجها ضمن فئة الأصدقاء. إن أخلاق أرسطو وَفِيّةٌ تمامًا لبنيته الكوسمولوجية، فبما أن الأشياء في العالم تتحرك نحو اكتمالها، أي نحو صورها التي تمنح المادة شكلها، فإن على المرأة أن تطيع سيدها، كما على العبد أن يظل عبدًا وإلى الأبد. يقول أرسطو: «المرأة امرأة لنقص فيها، وعليها أن تلزم بيتها تابعةً لزوجها». وعلى هذا النحو تمتزج الفلسفة بالأصل الأسطوري؛ لتغدو المرأة هنا أيضا مثل خطيئة، أو وجود لاحق يؤسس أنطولوجيًّا لسبق سوسيولوجي وحقوقي وسياسي.

تفرض العدالة على المرأة والعبد والبربري موقعًا أدنى من المواطن الحر اليوناني. إن لكل شيء موقعه المناسب، وأي تجاوز هو نفي للعدالة. وعلى هذا النحو ليس ثمة صداقة بين العبد وسيده، أو بين المرأة وزوجها. فأرسطو لا يعارض العبودية والامتيازات الذكورية وحسب، بل يبررها، فالعدالة المستمدة من الطبيعة هي التي تمنح السيادة للذكر على عبيده ونسائه.

ومن الصواب، كما يبين «برتراند راسل» في شرحه لأرسطو، أن تقترن المحبة بتراتبية الوجود، مثلما تقترن بالموقع الاجتماعي، ولأن مقام المرأة ليس كمقام الرجل، فالمحبة بينهما لن تكون متكافئة، المحبة مقترنة دائمًا بالقيمة.

الأنثى هي الآخر

كيف يكون الحب ممكنًا؟ ذلك هو السؤال الجوهري عند فيلسوف معاصر، هو إيمانويل ليفيناس (1906- 1995م). الفلسفة التي تعني «محبة الحكمة» تتحول على يديه إلى «حكمة المحبة»، محبة تتخذ شكلًا إيروسيًّا. يخبرنا بأنّ الحدث الأول للمواجهة، للقاء مع الآخر، هو الأصل الذي يسبق كل أصل، حيث تكمن الأخلاق التي تحتل لدى ليفيناس الصدارة في معمار الفلسفة. الأخلاق هي درة التاج فوق عرش التأملات.

الوجود بالنسبة إلى ليفيناس وحدة أو كوميديا سوداء ماثلة في انتصارات تقود إلى خيبة، كالظفر الذي ناله الملك أوديب وقاده إلى حتفه؛ ذلك لأن «الأنا المثقلة بالذات» وجود مقفل دون آخر؛ إذ العلاقة بمعنى ما هي تأسيس للوجود، واللقاء بالآخر يعني اللقاء بوجه. والوجه هنا، الذي يقع في صلب فلسفة ليفيناس، أعمق من اللغة، فهو يسبقها، بل هو المعنى في ذاته. غير أن الوجه ليس وجهًا، أو ليس مشهدًا، بل إنه صوت. هذا الصوت أو الرجاء يهمس دائمًا: «لا تقتل». وكل وجه هو «جبل سيناء»، يمنع القتل، كما يشرح بول ريكور؛ إذ الوجه يتكلم من علو شاهق، فهو دائمًا آخر متعالٍ.

يتحدد الآخر، أو المغاير، عند ليفيناس في تعينات عديدة: اللانهائي، العالم، ولكن أيضًا الفقير والأرملة والأنثى المعشوقة. على أن المغاير هو دائمًا ما لا يرد إلى تمثل ذاتي، ما دام كل تمثل أو تصور هو في جوهره تملك، إنه عملية محو لكل مسافة تفصل الموضوع عن الذات العارفة، تلك الذات التي تدمج الأشياء بتمثلها، وعليه فسيكون ثمة شيء في كل مغاير أو آخر عصي على المعرفة، والتمثل، والتصور، والإدراك. هكذا تقترن المغايرة بالإبهام والغموض والعجمة، وبهذا المعنى يمكن القول: إن المغاير هو ما لا يعرف؛ إذ إنه خارج كل مقولات الفهم والمعرفة، إن المغاير المطلق هو المجهول المطلق، والعلاقة معه هي -دائمًا ولهذا السبب تحديدًا- لا علاقة.

يفضل ليفيناس نعت الآخر بالأنوثة؛ ذلك لأن الأنثى أحد تجليات الآخر والمغاير. الأنثى هي الآخر، لا بل هي الغير بإطلاق، هذا الغير الذي يتسم بكل السمات التي تجعل منه آخرَ، غامضًا، ملغزًا، يقع دائمًا خارج النور. والأنثى أيضًا عند ليفيناس وجه، لكنه وجه محجب، وجه يحضر في غيابه، ويغيب في حضوره. إن الوجه الأنثوي عند ليفيناس هو الوجه القناع/ اللثام/ النقاب، إنه يتوارى وينسحب، لا بل إنه يوجد حيث يتوارى، فنمط وجوده الاختباء. أكثر من ذلك: توجد الذكورة حيث يوجد الفعل والجسد، وتوجد الأنوثة حيث يوجد الوجه، فالآخر الذي يأخذ شكل المطلق أو وجه أنثوي، يستحث الفعل والرغبة في «الأنا»، ويصيّره كائنًا أخلاقيًّا، الأنا -باختصار- جسد والآخر وجه، وفي هذا المعنى يقول ليفيناس: «الأنا توجد في العالم من خلال الجسد، أما الآخر فلا- يوجد- في العالم، من خلال الوجه».

الفنان ذكر والمتلقي أنثى

يجري ترميز المغايرة المطلقة بالأنوثة، تلك التي ستعود مع ليفيناس كما كانت في البدء: هشاشة وضعف ووجود سلبي، و«مادة فائقة وكثافة من دون دلالة»، وذلك في مقابل «الذكورة» حيث معاني الوضوح والنور والأنا. هكذا تستعاد عبر هذا التقابل كل الثنائيات المعروفة التي تجعل من الأنوثة بصفتها لغزًا أبديًّا رمزًا نقيضًا. هذا يعني أن فلسفة ليفيناس، فلسفة السلام والأخلاق، أو «حكمة المحبة» كما ينعتها هو، مسكونة بالتحيزات، فهي الأخرى متهمة كما لحظ الفيلسوف الفرنسي «جاك دريدا» بالتمركز الذكوري؛ إذ تبدو الأنوثة اختراعًا ذكوريًّا، بحيث يمكننا إيجاد صلات من نوع ما مع فلسفة نقيضة، هي فلسفة نيتشه المرحة الراقصة والغارقة في ضحك الخطاب الفلسفي الممزوج بالشعر والاستعارات. فبين «حكمة المحبة» و«حكمة القوة» يفقد الكائن الأنثوي واقعيته وأرضيته وتاريخيته؛ ليغدو ذلك التعالي الملغز في فلسفة ليفيناس الأقرب إلى التصوف والأخلاق، أو يصير رمزًا تاريخيًّا عدميًّا للضعف والانحطاط وعدمية الأخلاق المناهضة لإرادة الحياة، تلك الأخلاق التي أراد نيتشه شنق أصحابها وحرقهم، ليولد من رمادهم البطل زرادشت.

إن المرأة عند نيتشه تجسيد للانحطاط والضعف التاريخي، تتآمر دائمًا وبخبث ضد القوة، لهذا فهي ليست صديقة لزرادشت، إنها قطة، وقد تكون عصفورًا، وإذا حالفها الحظ لترتقي قليلًا فستكون بقرة، لكنها في جميع حالاتها ليست أهلًا للصداقة. تفترض الصداقة الندية والمماثلة والضيافة المتبادلة، والمرأة ليست كذلك أبدًا؛ ذلك لأنها لا تمنح، إنها تبتلع وحسب، تبتلع القوة والطاقة وتمتص العنفوان الذكوري، وعلى الرغم من أنها جسد تلد أطفالًا، لكنها جسد وحسب، جسد منفعل، جسد يتلقى، تمامًا كما كان يرى أرسطو، وبما أنها كينونة الضعف بأتم معنى الكلمة، فستكون دائمًا في الطرف الدوني من الثنائية النيتشوية: الفنان ذكر، والمتلقي أنثى.

ونيتشه يكتب مثل شاعر، يحمل مطرقته في يد وفي الأخرى ريشة فنان. ضجيج ووفرة راقصة من الاستعارات تخترق النص، سينتج بالتالي وفرة من التأويلات، بين من يرى فيها كراهية مفرطة، أو شرارة تستنهض الجنس الأنثوي ليستيقظ من سباته، غير أن ما يعنينا ليس كيف تقرأ الاستعارة، بل الاستعارة ذاتها، بالكيفية التي تكشف بها آلياتها عن دونية ضمنية أو صريحة للنساء؛ ذلك لأن الاستعارة قد تكشف عن «لا وعي» يشكل أساسًا لكل ثقافة، يجري تنشيطه بتنشيطها.

الفلسفة محايدة جندريًّا

المرأة شقيقة العبد، أو آخر، أو عصفورة.. هكذا يقيم الخطاب الفلسفي بعض تمثلاته، بحيث تكون المرأة هي ذاتها دائمًا، تجريدًا أو ماهية أو أسطورة، جوهرًا ثابتًا لا يتغير. من هنا تنشأ الأهمية الفلسفية لاعتراضات «سيمون دي بوفوار» (1908- 1986م) ضد الاختراع الذكوري للجنس الآخر. دخول المرأة إلى الفلسفة يعني خروجها أولًا من الأسطورة. يلزم تفكيك الأسطورة وإزالتها عبر فضح لعبة المجاز، وضحك الاستعارة التي ترد الغامض إلى الأنثوي العصي على المعرفة. وتبدأ الحقيقة الفلسفية عندما تضحك على الضحك ذاته؛ ذلك لأن الأنثى كما تقدم في شطر كبير من تراث الفلسفة وممارساتها، وكما ستبين دو بوفوار، إنما هي أسطورة.

تصدر فلسفة بوفوار عن وجودية سارتر الإنسانية، فهي التي منحت الأساس لانتفاضة بوفوار النسوية، غير أن ذلك لا يقلل من قيمتها؛ إذ الفلسفة أساسًا نشاط بشري، فليس ثمة عقل أنثوي مستقل عن عقل الرجل، الفلسفة محايدة جندريًّا، وحتى تظل كذلك، يلزم فحصها نقديًّا باستمرار، وتحريرها من شتى الانحيازات وأشكال الهيمنة.

تفصح بوفوار منذ البداية عن انتمائها لفلسفة سارتر، فهي مدينة له في عمق فلسفتها. في الماهية، والصيرورة، والمعنى، والمخاطرة. إذا كان الإنسان ليس ما هو عليه دائمًا، فهو يتجاوز ذاته باستمرار، يتعالى عن ذاته نحو ذاته، فيصير ذاته، وأكثر من ذاته في ذاته، أن يتجاوز الشرط التاريخي لوجوده، أن ينخرط في محاولات العيش ضمن خطر الحرية. فلِمَ لا تكون المرأة كذلك؟ إن الحرية هي الشرط الأنطولوجي للانتقال من «الوجود في ذاته» إلى «الوجود لذاته»، أي تحقيق الذات.

سؤال «ما المرأة؟» هو سؤال الماهية الفلسفي الذي شكل محور إنتاج الفيلسوفة. الماهية تحيل إلى التعالي والثبات والوحدة. غير أن بوفوار تحيلها إلى سؤال الصيرورة. إن وجودية سارتر، شأن كل فلسفة وجودية، تعطي الوجود أسبقية على الماهية. هذا يعني أن الإنسان مسؤول عن كينونته ووجوده، والوجود مسألة قرار واختيار ومخاطرة؛ ذلك لأن الوجود الإنساني ليس هوية معطاة، وإنما مشروع هوية، هوية مشرعة أمام احتمالات المستقبل، ولكن أيضًا وهو الشيء نفسه: أمام كل احتمالات الفرادة الأكثر تحررًا من كل الإكراهات الجندرية؛ لتغدو الهوية إنسانية رحبة دون وجه جندري. وهي إذ تفعل ذلك تهدم كل ميثولوجيات «الأنثى الأبدية». تلك الأسطورة التي رسمتها مخيلة الشعراء واستعارات الفلاسفة، حيث المرأة هي ذاتها دائمًا: قيثارة (بلزاك)، أو موديل، أو جسد/ نصّ يكتبه الشعراء، ويشكل المدونة الحصرية للثقافة، أو جسد/ محرم، يعني الشيء ونقيضه: معبد بُني فوق وحل!

إن أهمية بوفوار تكمن في كشفها عن أن خطاب الهيمنة الميثولوجي، إنما هو نتاج وضعيات تاريخية واجتماعية وثقافية. فالمرأة لا تولد أنثى، بل تصير كذلك، وإذا كانت الفيلسوفة تقع على تخوم الفلسفة التي يحتكرها الرجل، كما لو أنّ هنالك تواطئًا لحذف الفيلسوفة من تاريخ الفلسفة، فإن ذلك يندرج ضمن تاريخ من التهميش الاقتصادي والاجتماعي. يبدأ التحرير إذن في تمكينها الاقتصادي قبل كل أشكال التمكين الأخرى، لا لتحريرها من دور الضحية وحسب، ولكن أيضًا لتحرير المهيمن ذاته من هيمنته.


حيوانات ميتافيزيقية:

كيف أعادت أربع نساء الفلسفة إلى الحياة؟

    

كلير ماك كومهيل، راشيل وايزمانترجمة: سماح ممدوح حسن مترجمة مصرية

الواقع ما بعد النازي

يحكي هذا الكتاب «حيوانات ميتافيزيقية: كيف أعادت أربع نساء الفلسفة إلى الحياة؟» لكلير مثاك كومهيل وراشيل وايزمان، قصة تاريخية تتمحور حول أربع فيلسوفات وصداقة تجمعهن: ماري ميدغلي (ني سكروتون)، آيريس مردوخ، إليزابيث أنسكومب وفيليبا فوت (ني بوسانكيت)، أربعتهن بلغن سن الرشد في أثناء أكثر الأحداث اضطرابًا في القرن العشرين.

وُلدن بعد مدة وجيزة من الحرب العالمية الأولى، وبدأن دراساتهن الفلسفية في جامعة أكسفورد بعد مدة قصيرة من دخول قوات هتلر إلى النمسا. في الواقع، كانت ماري تقيم في فيينا عندما وصلت القوات، فقد قامت برحلة لتحسين لغتها الألمانية قبل الذهاب إلى الجامعة، بعد أن طمأنتها مُعلمتها بأن الاضطرابات في أوربا ستنتهي سريعًا. عادت إلى وطنها بعد أن وُضعت لافتات على نوافذ المتاجر تقول: «إذا دخلت هنا كألماني حقيقي، فلتكن تحيتك، هايل هتلر». والأحداث التي وقعت تباعًا في السنوات التالية غيرت وجه البشرية؛ النازية، والهولوكوست، والحرب الشاملة، وهيروشيما وناغازاكي. واجه هذا الجيل أعمال الفساد والفوضى التي كان يصعب على سابقيهم حتى تخيّلها.

لحظت آيريس مردوخ، أن الفلاسفة الفرنسيين والبريطانيين بدوا كأنهم استجابوا بشكل مختلف تمامًا للواقع ما بعد النازي. لقد أثرت تجربة الاحتلال الفرنسي، «احتلال ألمانيا لفرنسا»، في الفلسفة والأدب الفرنسيين بعد الحرب. وفي حين أن فلسفة جان بول سارتر استكشفت الآثار الأخلاقية والسياسية للحرية، وحاولت فهم ما إذا كان من الممكن تحقيق الموثوقية والإخلاص لأولئك الذين عاشوا حقبة حكومة فيتشي في فرنسا، فإن البريطانيين لم يعانوا مثلَ هذه الأزمة. وبدلًا من ذلك، وفي عام 1945م، عاد رجال أكسفورد من أعمالهم الحربية، وشمروا عن سواعدهم، واستأنفوا من حيث توقفوا.

الفلسفة والوضعية المنطقية

المهمة التي بدأها الشباب قبل الانقطاع بسبب الحرب كانت جريئة: القضاء على الموضوع المعروف سابقًا باسم «الفلسفة» واستبداله بمجموعة جديدة من الأساليب المنطقية والتحليلية والعلمية المعروفة باسم «الوضعية المنطقية». وكان الهدف هو استبدال الاستفسارات الميتافيزيقية التكهنية في السعي لمعرفة طبيعة الإنسان، والأخلاق، والله، والواقع، والحقيقة، والجمال بالتوضيح والتحليل اللغوي في خدمة العلم. والأسئلة الوحيدة التي سُمحَ بها هي فقط تلك التي يمكن الإجابة عنها بطرق تجريبية. لكن أسئلة مثل: «ما معنى الحياة الإنسانية؟»، «كيف ينبغي لنا العيش؟» «هل الله موجود؟»، «هل الزمن حقيقي؟»، «ما الحقيقة؟»، «ما الجمال؟» هي أسئلة ميتافيزيقية تتجاوز حدود ما يمكننا قياسه وملاحظته، ولذلك صُنّفتْ على أنها «كلام فارغ، أو تفاهة». أبعدت تمامًا تلك الصورة الفلسفية القديمة للإنسان ككائن روحي تتوجه حياته نحو الله أو الخير، التي كانت الفلسفة فيها محاولة للتأمل في البنية الأساسية للواقع.

بدلًا من ذلك، ظهرت رؤية للبشر كـ«آلات حسابية فعالة»، أفراد تمكنهم قدراتهم العقلية من تجاوز طبيعتهم الحيوانية الفوضوية؛ لتنظيم وعقلنة عالم فوضوي وعديم الشكل. وأعلن عن عدم وجود مشكلات فلسفية حقيقية، وكانت المسائل التي لا يمكن التحقيق فيها علميًّا مجرد تشويشات مُحيّرة أو لَبْسًا لغويًّا.

لولا الانقطاع بسبب الحرب، كان من الممكن أن تنضم ماري وآيريس وإليزابيث وفيليبا، إلى الرجال في الجهود الرامية إلى إدخال العالم الجديد الجريء للفلسفة المتجردة من الشعر والغموض والروحانية والميتافيزيقا. أو على الأرجح، كان من الممكن أن يُنهين دراساتهن ويتركن الفلسفة خلفهن، مقتنعات، كما لا يزال العديد من النساء الشابات حتى اليوم، أن هذا الموضوع ليس لهن.

لكن ما حدث بدلًا من ذلك هو أن الرجال و«الوحوش الكبيرة» في الفلسفة البريطانية «أيه جيه آير، غيلبرت رايل، وجي إل أوستن» اقتُلِعوا من أُكسفورد وزرعوا في وايتهول ومكتب الحرب. تُركت صديقاتنا الأربع لإكمال دراساتهن في أكسفورد المضطربة، المليئة بالنازحين من لندن واللاجئين من أوربا. وبدأت الفلسفة تعود إلى الحياة.

عاد الميتافيزيقيون القدامى أحرارًا مرة أخرى في الحديث عن الشعر والتسامي والحكمة والحقيقة. وسأل المعترضون الضميريون عما يطلبه الله والواجب منهم. وشارك الأكاديميون اللاجئون، الذين يتحدثون بلغة ليست لغتهم، في تقديم العلم والمعرفة بنوع لم تشهده أكسفورد من قبل.

أما النساء اللاتي لم يَعُدْنَ بعد الآن موجودات في فصول دراسية مليئة بالشبان الأذكياء الذين يحبون الفوز في النقاشات، فقد وجّهن اهتمامهن معًا، نحو العالم. قالت آيريس: «كُن مهتمات بالواقع الذي يحيط بالإنسان عمومًا، سواءٌ كان متساميًا أو أيًّا كان». وكانت لديهن أسئلة؛ كثيرٌ من الأسئلة.

وقد تعلمت النسوة الأربع رؤية الفلسفة هكذا كما فعلن، كنوع قديم من الاستفسار البشري، الاستفسار الذي ظلت المحادثات فيه حية عبر آلاف السنين، ويعمل هذا الاستفسار على مساعدتنا، بشكل جماعي، على إيجاد طريقنا في واقع شاسع يتجاوزنا جميعًا. عندما عاد الشباب من الحرب، بأساليبهم التحليلية واحتقارهم للغموض والميتافيزيقا، كانت صديقاتنا الأربع مستعدات للرد المشترك بـ«لا!».

نوع الفلسفة التي قدمتها النساء

بدأنا حديثنا الفلسفي في صيف عام 2013م. التقينا في جنيف، تجمّع صغير من فيلسوفتين اثنتين، نلتقي لنحاول فهم طبيعة الأحلام. رأت كل منا في الأخرى فيلسوفة زميلة تحب الأمور الغامضة والعابرة والهامشية، ولديها ميل لطرح أسئلة غريبة. سرعان ما اكتشفنا أننا نتشارك اليأس نفسه من حالة الفلسفة الأكاديمية، وهو بالضبط ما كانت كلتانا تحاول شق طريقها فيه. كنا نعلم أنه إذا أردنا الاستمرار، فنحن في حاجة إلى إيجاد طريقة لممارسة الفلسفة على نحوٍ أكثر انخراطًا وإبداعًا وانفتاحًا. كنا نشعر بالملل من الاستماع إلى الرجال يتحدثون عن كتب كتبها رجال عن رجال. وأردنا أن نتفلسف معًا، كصديقات. كنا نبحث عن قصة يمكن أن تساعدنا.

في 28 نوفمبر، ظهرت رسالة في صحيفة الغارديان تحت عنوان: «العصر الذهبي للفلسفة النسائية». كانت من «ماري ميدغلي» عَرفنا الاسم، ولكن لم يكن لفيلسوفة ظهرت أعمالها في مناهج الجامعات أو نوقشت في المجلات المهنية الكبرى. في تلك الرسالة، وضعت ماري الخطوط العريضة للرواية التي توشك على قراءتها.

شرحت في الرسالة كيف أنها وصديقاتها، آيريس، وإليزابيث، وفيليبا، ازدهرن في مجال الفلسفة، وهو مجال مشهور بعدم ترحيبه بالنساء؛ لأن الرجال في اللحظة الحاسمة قد استُدعوا للحرب. وواصلت الرسالة قائلة: «بالتأكيد، المشكلة ليست في الرجال في حد ذاتهم، فقد قدم الرجال فلسفة جيدة بما فيه الكفاية في الماضي» يبدو أنها كانت تقترح، بغمزة، أنه حان الوقت للنظر في نوع الفلسفة التي قدمتها النساء، والتي سيقدمنها.

بدا أن الكون قد منحنا ما طلبناه تمامًا، وعلى عتبة بابنا مباشرة. قبل أن نعرف ذلك، أصبحنا زوارًا متكررين في دار تقاعد في إحدى ضواحي نيوكاسل على بعد بضعة أميال من منازلنا، وكنا في محادثة منتظمة مع ماري ميدغلي. تجلس غارقة في كرسيها تتحدث عن مؤلفي الكتب على رفوفها كما لو كانوا قد غادروا الغرفة للتو، تقدم لنا أوراقًا وملحوظات وقصاصات من أكوام صغيرة تغطي حافات النوافذ، والأسطح والسجاد في غرفة معيشتها الصغيرة: كولينجوود، جوزيف، برايس، فيتغنشتاين، أوستن، آير، هير. أخبرتنا عن صديقاتها، جميعهن الآن متوفيات: آيريس، فيليبا، وإليزابيث.

إحدى الأمور التي أرادت ماري أن نفهمها هي «ما الشعور بأن تكون حرفيًّا في حالة حرب». كان هذا في الوقت الذي قيل لنا فيه، ولأكثر من عقد: إننا في «حرب على الإرهاب»، وأصرّت ماري على أن نعرف الفرق. «أنت لا تفعل ما كنت تفعله عادة، أنت لست في المكان الذي تكون فيه عادة، تُرسل لمكان آخر، تُنقل، تُقيد. وتُنقل عائلتك وأصدقاؤك أيضًا، أو يُقتلوا أو يُصابوا أو يحاطوا بالخطر. يَصعُب معرفة ما يحدث، الصحف غير موثوقة، الراديو دعاية، الرسائل مراقبة، الطعام نادر، البنزين مقنن، السفر مقيد. المستقبل غير مؤكد. أنت خائف. الوضع مظلم».

عندما أخبرتنا بهذه الأشياء، لم تكن تروي ذكريات من ماضٍ ثابت وغير متغير، بل كانت خلفية حية للفلسفة التي أرادت أن تنقلها إلينا. قالت: إن الفلسفة ضرورية في أوقات الفوضى، وهنا كانت نظرية عن الحياة الإنسانية طورتها هي وصديقاتها، تدخن السجائر لتخفيف الجوع، بينما تدوي صفارات الإنذار، لتنذر بالغارات الجوية، والستائر المعتمة تحجب الضوء.

الفلسفة في عصر التقنية

بينما يحاول العالم التعافي من جائحة ويستيقظ على واقع أزمة المناخ، ربما حان الوقت لنسأل مرة أخرى، كما فعلت هؤلاء النساء بعد الحرب العالمية الثانية: أي نوع من الحيوان يكون الإنسان؟ ما الذي نحتاجه لنعيش جيدًا؟ هل للفلسفة أي جدوى؟ بعد الحرب، شارك الرجال على جانبي القناة الإنجليزية، صورة لإنسان لا تزال تهيمن على خيالنا الجمعي.

«البطل» في الفلسفة الحديثة هو، كما كتبت آيريس «نِتاج عصر العلم». هو «حر، مستقل، وحيد، قوي، عقلاني، مسؤول، شجاع، بطل العديد من الروايات وكتب الفلسفة الأخلاقية». لكنه منقطع عن طبيعته الخاصة، عن العالم الطبيعي الذي هو موطنه، وعن البشر الآخرين.

بالنسبة لنا الآن، الوحدة والاغتراب لهما طابع مميز. التطور التقنين في العقود القليلة الماضية خلق انطباعًا بعالم مفتوح تمامًا للمشاهدة. ففي غضون ثوانٍ، تعرض لنا أجهزة الحاسوب سطح المريخ، وما بداخل عش الدبابير، وخطط مفاعل نووي. ومع ذلك، في مواجهة التعقيد الهائل للحياة البشرية، ومع ازدياد رضا الناس عن النسخ الافتراضية الزائفة للصداقة، واللعب، والحب، والتواصل الإنساني، نتراجع جماعيًّا عن المهمة التي تواجهنا. نحن نُفضل بدلًا من ذلك الخيالات التي تصور لنا أن بعض الأجيال المستقبلية، أو الذكاء الاصطناعي، أو الابتكار العلمي، سيتولى العبء نيابة عنا. ولكن كما قالت ماري: «ما يحدث لنا فعليًّا سيظل بالتأكيد محددًا بالخيارات البشرية. حتى أكثر الآلات إدهاشًا لا يمكنها اتخاذ خيارات أفضل من الأشخاص الذين يفترض أنهم يبرمجونها».

ما نحتاجه الآن هو صورة يمكن أن تساعدنا في فهم أنفسنا بطريقة تظهر لنا كيفية الاستمرار. نحتاج إلى القدرة على رؤية أنماط الفعل والفكر التي تميز حياتنا اليوم وفي الماضي، وفهم احتماليات تغيير تلك الأنماط والآليات التي يمكن بها تحقيق هذا التغيير.

كتبت إليزابيث أنسكوم في عام 1944م: «لقد أدرجت الإنسان مع أشياء مثل القطط واللفت»، وذلك لإصرارها على أن أي محاولة لفهم أنفسنا يجب أن تبدأ من حقيقة أننا كائنات حية. ولكن بينما يمكننا دراسة حياة اللفت والقطط على نحوٍ موضوعي، فقط من الخارج، يجب أن تُدرس حياة البشر، بالنسبة للبشر، من الداخل. وإذا كانت المهمة هي اكتشاف من نحن، فإنها مهمة يجب أن نحاول تحقيقها مع شركاء، كما فعلت هؤلاء النساء، في غرف الكلية وقاعات الطعام، ومحلات الشاي وغرف المعيشة، وعبر البريد وفي الحانات، وسط حفاضات الأطفال ووسط الأطفال. كانت مواطنُ أولئك النسوة متنوعةَ التكوينِ؛ حدائقَ مُسوّرةً، وأنهارًا، ومعارضَ فنيةً، ومخيماتٍ للاجئين، ومبانيَ مدمرةً بالقنابل.

من خلال عيون هؤلاء الأصدقاء تظهر صورة جديدة. يتحول عالمنا المألوف إلى نسيج غني من الأنماط المتشابكة، مرصع بالموضوعات الثقافية ذات قوة ميتافيزيقية، مليئة بالحياة النباتية والحيوانية والبشرية. ونحن، أي أفراد البشر، الذين تساهم حياتهم في إنشاء والحفاظ على تلك الأنماط والكائنات، نُرى من جديد كنوع من الحيوانات التي تجد جوهرها في استفسارها وخلقها وحبها.

إعادة بناء الماضي

نحن حيوانات ميتافيزيقية. نحن نبتكر ونشارك الصور والقصص والنظريات والكلمات والعلامات والأعمال الفنية التي تساعدنا في توجيه حياتنا معًا. هذه الإبداعات قوية للغاية؛ لأنها تُظهر طبيعة الحال القائم وطبيعة ما كان عليه الحال سابقًا، وفى الوقت نفسه تقترح طرقًا جديدة للاستمرار. إنها تُظهر لنا أن ما يصبح ماضينا المشترك، دائمًا مؤقتًا. فالماضي يبقى حيًّا من خلال الشهادة والحفظ، وعلى هذا النحو، فهو متغير ويمكن أن يُغفل أو يُفقد بسهولة. ولكن لأن الماضي شيء حي، فإن الاكتشافات التي نقوم بها الآن يمكن أن تؤثر في تاريخنا. يمكننا رؤية ماضينا بشكل مختلف، ويمكننا إعادة كتابة ما فهمناه عما حدث. فهناك أكثر من ماضٍ مختلف ينتظرنا. لقد أعدنا بناء هذا الماضي من خلال تجميع مقتطفات من الرسائل والصحف والصور والمحادثات ودفاتر اليوميات والذكريات والبطاقات البريدية، لنصنع صورًا، وتلك الصور تصنع أنماطًا، تُوضَع في مكانها بوساطة أهم عنصر على الإطلاق: وهو الحياة المتشابكة التي تتكشف لأربع نساء ذكيات على نحوٍ مدهش. نلتقيهن مراهقاتٍ على حافة الحرب، ونتابعهن وهن يكافحن لإيجاد طريقهن في مشهد فكري وسياسي متغير. نتركهن في أواخر ثلاثينيات عمرهن وهن يخطون على خشبة المسرح العالمي؛ أسماؤهن في الصحف وأصواتهن على الراديو. كل امرأة تقدم طريقة مختلفة لعيش حياة مكرسة لمهمة فهم العالم. وجدت كل منهن حلولًا مختلفة للمشكلات العملية والفكرية والنفسية للفلسفة بينما كنا إناثًا. وجميعهن استمددن القوة من صداقتهن بعضهن لبعض.

وبدورها تسلط حياة هؤلاء النساء الضوء على رواية مضادة للتاريخ السائد لفلسفة القرن العشرين. فأبطاله ليسوا أيه. جي. آي. أير، جي. إل. أوستن وآر. إم. هير، بل شخصيات قد لا تعرفها: إتش. إتش. برايس، إتش. دبليو. بي. جوزيف، سوزان ستيبينغ، آر. جي. كولينغوود، دوروثي إيميت، ماري غلوفر، دونالد ماكينون ولوتي لابوفسكي.

هذا السرد البديل يربط الفلسفة المعاصرة بالميتافيزيقيين المتأملين العظماء من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، المثاليين والواقعيين، الذين ناضلوا لفهم طبيعة الحقيقة والواقع والخير، قبل الانتقال إلى التحليل اللغوي الذي يرى أن على الفلسفة غض الطرف عن معاني كلمات مثل «حقيقة، واقع، خير». إنه يُظهر أن طرح الأسئلة الميتافيزيقية والسعي للإجابة عنها جزء طبيعي وأساسي من حياة الإنسان. يربط الاستفسارات التجريدية والغامضة بالمسائل الأخلاقية والعملية والروحية المُلِحّة التي يواجهها كل منا في حياته اليومية.

وتتخلل هذه القصة القامات التاريخية الكبرى للفكر الفلسفي الغربي: أفلاطون، أرسطو، أكويناس، ديكارت، هيوم، كانط، هيغل، فريج، فيتغنشتاين، مور. وبطبيعة الحال فإن ما يعصف بكل هذه الحيوات والأنماط، هي فوضى القرن العشرين الكبيرة، من اللاجئين والمهاجرين، والقتل والحرب، والموت والاضطراب.

يبدأ الكتاب بمشهد يطرح سؤالًا فلسفيًّا. ففي عام 1956م وإليزابيث أنسكوم تقف أمام مديري جامعة أكسفورد وتعلن أن الرئيس السابق للولايات المتحدة، هاري ترومان، الذي أمر بقصف هيروشيما وناغازاكي، هو قاتل جماعي ويجب ألّا يُمنَح درجة فخرية. لكن بالإجماع تقريبًا، يخالفها المديرون الرأي ويحتفون بترومان. تشعر إليزابيث حينها بالحيرة: ما الذي تراه هي ولا يراه الآخرون؟ فكما تقول: «إذا كانوا ميالين لتكريم رجل مشهور بقتل عشرات الآلاف من الأبرياء بلا رحمة، فإنهم قد ضلوا طريقهم». تُعد فلسفة هذا الكتاب خريطة للعودة من هذا المكان.

يمكنك قراءة الكتاب على أنه قصة واستخلاص صورة لحياة الإنسان التي ستساعدك في رؤية عالمنا اليومي كما رأته هؤلاء السيدات: كشيء مدهش وهش ومحتاج إلى رعاية واهتمام مستمرين. ويمكنك قراءته على أنه محاجّة فلسفية، تعيد الفلسفة إلى الحياة. وإذا استطعت، لا بد أن تقرأه مع الأصدقاء.


رابط الكتاب:

https://www.google.com.eg/books/edition/Metaphysical_Animals/8sksEAAAQBAJ?hl=en&gbpv=1


هوامش:

(1) Histoire des femmes philosophes — Wikipédia, https://shorturl.at/ZBurU

(2) Women Philosophers from Non-western Traditions The First Four Thousand Years, https://www.springer.com/book/9783031285622

(3) Directory of Women Philosophers – Selection – History of Women Philosophers and Scientists, https://tinyurl.com/4hbmpzmz

(4) List of women philosophers – Wikipedia, https://tinyurl.com/dm2hnuep

(5) Scotty Hendricks,10 Women of Philosophy, and Why You Should Know Them, Big Think,July 26, 2017,https://tinyurl.com/bddmtuec

(6) ربيكا بكستن & ليسا وايتنغ، «ملكات الفلسفة؛ سيرة النساء المهملات في الفلسفة وإرثهن»، ترجمة ناصر مصطفى أبو الهيجاء، مشروع «كلمة» للترجمة بمركز أبوظبي للغة العربية، 2023، كتب غوغل https://shorturl.at/o4ucC

(7) A. C. Grayling, The History of Philosophy, https://shorturl.at/wzgEx –

(8) Kristin Gjesdal & Dalia Nassar, A rescue mission on behalf of women philosophers, Aeon Essays, 24 May 2022, https://tinyurl.com/2rjwbhtx

(9) ربيكا بكستن & ليسا وايتنغ، المرجع السابق.

(10) كريستينا جسيدال وداليا نصار، المرجع السابق.

(11) Mary Warnock and Julian Baggini, Does philosophy have a problem with women, The Guardian, 2015/jul/25, https://tinyurl.com/427bt96s

(12) Christina Hoff Sommers, Does Philosophy Have a Woman Problem? https://tinyurl.com/bdhvxyks

(13) Christina Hoff Sommers, Does Philosophy Have a Woman Problem? https://tinyurl.com/bdhvxyks

(14) Camille Paglia, Ten great female philosophers, The Independent, 14 July 2005, https://tinyurl.com/2hy8uuya

(15) René Descartes, Discours de la méthode (1637), Analyse d’Éric Brauns, Paris, Hatier, 2012, p. 22-23; Règles pour la direction de l’esprit, règle Il, Paris, Gallimard (la Pléiade), 1937, p.43-44.

(16) Jean-Jacques Rousseau, Émile ou de l’Éducation, Paris, Gallimard (la Pléiade), t. IV, 1995, p.693.

(17) G. W. F. Hegel, Phänomenologie des Geistes, Werke Bd. 3, Frankfurt-am-Main, Suhrkamp, 1989, p. 15, 20.

(18) G. W. F. Hegel, Grundlinien der Philosophie des Rechts oder Naturrecht und Staatswissenschaft im Grundrisse, Werke Bd. 7, Frankfurt-am-Main, Suhrkamp, 1986, §166, p. 319-320.

(19) المرجع نفسه، ص. 319:

«Frauen können wohl gebildet sein, aber für die höheren Wissenschaften, die Philosophie und für gewisse Produktionen der Kunst, die ein Allgemeines fordern, sind sie nicht gemacht.»

(20) Immanuel Kant, « Beantwortung der Frage: Was ist Aufklärung? », Berlinischen Monatsschrift, 1784.

(21) Francis Bacon, Novum Organum: sive Indicia Vera de Interpretatione Naturae, Contubernales, Washington DC, 2023.

(22) Thomas More, Utopia, London, Penguin Classics, 2020.

(23) راجع عل سبيل المثال:

John Stuart Mill, On Liberty and the Subjection of Women (1869), London, Penguin Classics, 2007.

(24) Jacques Derrida, Éperons: les styles de Nietzsche, Paris, Flammarion, 1978, p. 50.

(25) Carolyn Merchant, The Death of Nature: Women, Ecology and the Scientific Revolution, New York, Harper and Row, 1980.

(26) E. Fox Keller, Reflections on Gender and Science, New Haven, CT, Yale University Press, 1985, chap. 2, p.33-35.

(27) Francis Bacon, The New Organon, p. 40.

(28) المرجع نفسه، ص. 42.

(29) واتس، إدوارد: «هيباتيا: حياة فيلسوفة قديمة وأسطورتها»، ترجمة: صابر الحباشة، دائرة الثقافة والسياحة، كلمة، أبوظبي، الطبعة الأولى، 2023م، ص 199.

(30) إمام، عبدالفتاح إمام: «نساء فلاسفة»، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1996م.

(31) Koch, Isabelle. « Les femmes philosophes dans l’Antiquité », L’Enseignement philosophique, vol. 67a, no. 3, 2017, pp. 73-79.

(32) Kissel, Myriam. « A la recherche des femmes… philosophes. La femme philosophe, une espèce disparue? » Journée de l’Antiquité, Facultés de Lettres et de Sciences Humaines, APR 2007, Saint-Denis, La Réunion. pp.93-106.

(33) «ملكات الفلسفة: سيرة النساء المهملات في الفلسفة وإرثهن، مجموعة مؤلفين»، ربيكا بكستن وليسا وايتنغ (تحرير)، ترجمة: ناصر أبو الهيجاء، دائرة الثقافة والسياحة، كلمة، أبوظبي، الطبعة الأولى، 2023م.

(34) إمام، عبدالفتاح إمام: «نساء فلاسفة»، مرجع سابق، ص 124.

(35) انظر:

Neyer, Maria Amata; Muller, Andreas-Uwe; Edith Stein une femme dans le siècle, ‎ Lattès, 2002.

(36) بتلر، جوديث: «قلق الجندر، النسوية وتخريب الهوية»، ترجمة: فتحي المسكيني، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، بيروت، الطبعة الأولى، 2022م، صص 16-17.

تحتفل بمرور 10 سنوات على انطلاقها جائزة حمد للترجمة والتفاهم الدولي تواصل جهودها لنقل منارات الثقافة العربية  وإسهاماتها في الحضارة الإنسانية

تحتفل بمرور 10 سنوات على انطلاقها

جائزة حمد للترجمة والتفاهم الدولي تواصل جهودها لنقل منارات الثقافة العربية وإسهاماتها في الحضارة الإنسانية

لا يبدو أن قضايا الترجمة والتحديات التي تواجه المترجمين العرب وسواهم، من المحدودية بحيث يمكن حصرها في أمور عدة، والعمل على معالجتها بصورة دقيقة، كل واحدة على حدة، فما أظهرته ندوة جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي، التي تحتفل بمرور عشر سنوات على انطلاقها، أن قضايا الترجمة تزداد تعقيدًا وتتخطى مسألة الحصر. فالمترجم من كل لغة، ومن كل حضارة أو ثقافة يواجه تحدّيًا جديدًا ومختلفًا عما يواجه مترجم آخر، معنيّ بالترجمة من لغة أخرى وثقافة أخرى. ومن الإشكالات التي كشفت عنها هذه الندوة، التي عقدت في 10 ديسمبر 2024م، على جلستين تحت شعار: «من العربية إلى البشرية: عقد من الترجمة وحوار الحضارات»، وشارك فيها عدد من المترجمين البارزين، المحاذير التي تصنعها ثقافة ما، أو وعي جماعي ما، حين نقل، ما سيعد مدنسًا، في ذهنية ثقافة ما، إلى لغة مقدسة، مثل اللغة العربية. فلا يجدر، من وجهة نظر بعض الثقافات، ترجمة النصوص أو الكتابات التي تعكس أنماطًا من العيش، يمتزج فيها البعد الأسطوري والديني الوثني، إلى لغة القرآن الكريم. هذا ما كشف عنه مترجم إفريقي، مبرزًا صعوبة الدور الذي يلعبه بصفته مترجمًا وناشطًا في حقل الترجمة. ومن القضايا التي طرحت في الندوة، هل الترجمة بديل عن التأليف؟ وكيف نترجم إلى العربية، في الوقت الذي تشهد فيه اللغة العربية هجرة من أبنائها إلى اللغات الأجنبية؟ وما العمل مع ترجمات الذكاء الاصطناعي؟ إضافة إلى مسألة التنسيق بين المؤسسات العربية المعنية بالترجمة.

وفي شكل عام، أكد مترجمون الدور الحضاري الدولي الذي تلعبه جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي، في تعزيز الحوار بين الثقافات، موضحين أن الجائزة استطاعت، في عقد من الزمان، الوصول إلى المترجمين في مختلف أنحاء العالم ومن مختلف اللغات، بما يعمق الحوار بين الثقافة العربية وغيرها من الثقافات. مدير منتدى العلاقات العربية والدولية الدكتور محمد حامد الأحمري قال في كلمة خلال افتتاح الندوة: إن الجائزة التي تحتفي بمرور عشر سنوات على إطلاقها، «أصبحت من أكبر الجوائز في العالم في مجال الترجمة»، مشيرًا إلى أن نجاحها على مدى السنوات العشر الماضية جاء نتيجة جهود دؤوبة من مجلس الأمناء واللجان المختلفة، التي حرصت جميعها على أن تتحلى بالمهنية والمصداقية والشفافية، متطرقًا إلى مراحل عمل الجائزة منذ تسلم الأعمال المرشحة وتدقيقها وعرضها على لجان التحكيم ومراجعتها، وصولًا إلى المرحلة الأخيرة للتحكيم. وأكد الأحمري رسالة الجائزة في الارتقاء بالترجمة لكونها فرصة لتعزيز التفاهم بين الأمم، منوهًا بأهمية الترجمات على مر التاريخ في إيجاد حال من التثاقف بين الشعوب والحضارات المختلفة.

الجلسة الأولى من الندوة وعنوانها: «الترجمة من اللغة العربية وإليها: واقع وآفاق»، أدارها الدكتور يوسف بن عثمان، أستاذ الفلسفة وتاريخ العلوم الحديثة بجامعة تونس المنار، وشارك فيها المترجم والأكاديمي المغربي الدكتور حسن حلمي والدكتورة ربا رياض خمم، أستاذ مشارك في اللغة العربية واللغويات والترجمة في جامعة ليدز، والدكتور سلفادور بينيا مارتين، أستاذ في قسم الترجمة في جامعة مالقة الإسبانية، والدكتورة نبيلة يون أون كيونغ أستاذة ورئيسة قسم اللغة العربية في جامعة هانكوك للدراسات الأجنبية بكوريا الجنوبية.

أما الجلسة الثانية وعالجت دور جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي في الارتقاء بمعايير جودة الترجمة، وكيفية تطوير هذا الدور، فشارك فيها الدكتور والمترجم التركي أرشد هورموزلو، رئيس المنتدى الدولي للحوار التركي – العربي، والدكتور الزواوي بغورة، أستاذ ورئيس قسم الفلسفة جامعة الكويت، والمترجم الدكتور شكري مجاهد، أستاذ الأدب الإنجليزي المتفرغ بجامعة عين شمس المصرية، والدكتور علي حاكم صالح، أستاذ الفلسفة بجامعة ذي قار بالعراق، وأدارها الدكتور خالد أرن، مدير مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية في تركيا.

الترجمة نشاطًا اجتماعيًّا

ورأى مشاركون أن الترجمة لا بد أن تكون نشاطًا اجتماعيًّا لا فرديًّا، هادفًا ومخططًا لا عفويًّا، والترجمة، وفقًا إلى الدكتور مجاهد شكري، «تمثل منظومة معرفية… اتخذت الطابع المؤسسي» يهيئ لها المجتمع كل ألوان الدعم، «أي يحشد لها مؤسسيًّا، كما يحشد لكل أنشطة المجتمع، عوامل التمكين، وصولًا إلى مستقبل ينشده المجتمع وفق رؤية واعية، رُسم لها مسار مدروس قابل للتعديل وفقًا للظروف. والنظر إلى الترجمة بوصفها أداة تمكين ومسارًا مرسومًا، وراءها مجتمع محدد الرؤية يرقى بها عن أن تكون مجرد معارف منقولة، أي: ترف ثقافي، ويجعلها أداة لفعل اجتماعي نشط هادف يدفع حركة المجتمع في مضمار السباق الحضاري بين المجتمعات».

والترجمة، أرشد هورموزلو، «تعزز التفاهم بين الثقافات وتبني جسورًا بينها، وتؤدي دورًا بارزًا في تبادل الأفكار وحفظ التراث الثقافي بين الشعوب وتؤّمن الإبداع والتجديد الفكري والتواصل حتى على المستوى الدولي. ناهيك عن أنها تتيح المجال لتوسيع الأسواق والفرص الاقتصادية، ومعارض الكتب في العديد من الدول شرقًا وغربًا خير دليل على ذلك». وذكر أرشد أن جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي «كانت سبّاقة، بمنح الجائزة لأعمال أدبية مترجمة من التركية إلى العربية وبالعكس»، مشيرًا إلى أن «هذه المبادرة الرائدة سيكون لها الأثر الكبير في نشر الوعي المعرفي وصولًا إلى تفاهم نوعي ينتج عنه تعميق العلاقة الأخوية بين الشعبين، بل مع كل شعوب العالم».

منارات الثقافة

في حفلة تسليم الجائزة، بحضور الشيخ ثاني بن حمد آل ثاني الذي توّج الفائزين، أكد الأمين العام لجائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي حسن النعمة، أن الجائزة تواصل جهودها لنقل منارات الثقافة العربية وإسهاماتها في الحضارة الإنسانية، مشيرًا إلى أنها تشكل عبر مسيرتها جسرًا للعبور إلى عوالم جديدة، نستلهم منها التقدم والفكر الإنساني الملهم.

وعبر النعمة عن سعادته بوصول الجائزة إلى عقدها الأول ونجاحها في إبراز دور قطر الريادي في توثيق التفاهم الدولي وتعزيز السلام، استنادًا إلى إسهاماتها الثقافية المتناغمة مع الجهود الإنسانية في مجالات الفكر. وأضاف: «نحتفل اليوم بمرور 10 سنوات على هذه الجائزة، وهو يوم مشهود في تاريخ قطر المعاصر، وتأكيد لدورها في مد جسور المعرفة من الدوحة إلى العالم. تسير الجائزة في استكمال جهود الحضارة الإسلامية عبر العصور، وإسهامات الأمة العربية في إثراء التراث الإنساني»، معربًا عن أمله في استمرار نجاح الجائزة؛ لتحقيق «أهدافها السامية التي تتجاوز تكريم المترجمين لتصل إلى تعزيز رسالة ثقافية وفكرية عالمية».

وفي كلمة ألقتها المترجمة الفرنسية ستيفاني دوغول، نيابةً عن الضيوف والمترجمين، ثمنت دور جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي في تكريم المترجمين من أنحاء العالم، مؤكدةً أن الجائزة رمز لتقدير جهودهم والاحتفاء برسالتهم النبيلة. وقالت دوغول، التي فازت في فرع الترجمة من الفرنسية: «الترجمة ليست مجرد نقل للكلمات، بل هي فن نبيل يتطلب فهمًا عميقًا للثقافات، وتقديمًا دقيقًا للمعنى. إنها جسر بين الشعوب يعزز الحوار والتعاون. وبين اللغة العربية واللغات العالمية، نجد فضاءً غنيًّا بالإبداع والتاريخ المشترك»، مضيفة أنها بصفتها مترجمة فرنسية، كان العمل مع النصوص العربية تجربة استثنائية لها، «شعرت بثقل الأمانة وجمال الرسالة في كل نص قمت بترجمته. اللغة العربية بثرائها تحمل تراثًا وقيمًا إنسانية تتجاوز الحدود. من خلال الترجمة، نساهم في تقديم هذا التراث إلى العالم ونفتح للقارئ العربي نافذة جديدة على الإنتاج الأدبي والفكري العالمي».

وأكدت دوغول أن جائزة الشيخ حمد «تؤدي دورًا محوريًّا في دعم المترجمين»، مشيرة إلى أنها ليست مجرد اعتراف بجهودهم، «بل رسالة تقدير وتشجيع على مواصلة العطاء». وأهدت ستيفاني دوغول التكريم إلى المترجمين العاملين بصمت، مؤكدة أهمية دورهم في تقارب الشعوب.

فائزون في الدورة العاشرة للجائزة

فازت بالمركز الثاني في فئة الترجمة من اللغة العربية إلى اللغة الفرنسية رانية سمارة، عن ترجمة كتاب «نجمة البحر» لإلياس خوري. وفاز بالمركز الثالث: إلياس أمْحَرار، عن ترجمة كتاب «نكت المحصول في علم الأصول» لأبي بكر ابن العربي. كما توجت بالمركز الثالث مكرر: ستيفاني دوغول، عن ترجمة كتاب، «سم في الهواء» لجبور دويهي. وفي فئة الترجمة من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية، فاز بالمركز الثاني: الحُسين بَنُو هاشم عن ترجمة كتاب «الإمبراطورية الخَطابية» لشاييم بيرلمان، وفاز بالمركز الثاني مكرر: محمد آيت حنا عن ترجمة كتاب «كونت مونت كريستو» لألكسندر دوما، وفاز بالمركز الثالث: زياد السيد محمد فروح، عن ترجمة كتاب «في نظم القرآن، قراءة في نظم السور الثلاث والثلاثين الأخيرة من القرآن، في ضوء منهج التحليل البلاغي» لميشيل كويبرس. وفازت بالمركز الثالث مكرر: لينا بدر، عن ترجمة كتاب «صحراء» لجان ماري غوستاف لوكليزيو، ومنحت الجائزة التشجيعية: للمترجم الدكتور عبدالواحد العلمي عن ترجمة كتاب «نبي الإسلام» لمحمد حميد الله. وفي فئة الترجمة من اللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية، فازت بالمركز الثالث: طاهرة قطب الدين، عن ترجمة كتاب «نهج البلاغة» للشريف الرضي، ومنحت الجائزة التشجيعية إلى إميلي درومستا، عن ترجمة المجموعة الشعرية، «ثورة على الشمس» لنازك الملائكة. وفي فئة الترجمة من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية، توج بالمركز الثاني: مصطفى الفقي وحسام صبري عن ترجمة كتاب، «دليل أكسفورد للدراسات القرآنية» من تحرير محمد عبدالحليم ومصطفى شاه. وفاز بالمركز الثاني مكرر علاء مصري النهر عن ترجمة كتاب «صلاح الدين وسقوط مملكة بيت المقدس» لستانلي لين بول. وتوج بالجائزة في فئة الإنجاز في اللغة الفرنسية كل من: مؤسسة البراق، ودار الكتاب الجديد المتحدة. وفاز في فئة الإنجاز في اللغة الإنجليزية كل من: مركز نهوض للدراسات والبحوث، والمترجم تشارلز بترورث. وفاز بالإنجاز في لغة اليورُبا: شرف الدين باديبو راجي، ومشهود محمود جمبا، وفي اللغة التترية فازت جامعة قازان الإسلامية، أما الإنجاز في اللغة البلوشية فذهبت إلى دار الضامران للنشر. وفي اللغة الهنغارية ذهبت إلى كل من: جامعة أوتفوش لوراند، وهيئة مسلمي هنغاريا، والمترجمين: عبدالله عبدالعاطي النجار ونافع معلا.

وكانت الجائزة قد استقبلت في دورة هذا العام مشاركات تمثل أفرادًا ومؤسسات معنية بالترجمة من 35 دولة. وتهدف الجائزة إلى تكريم المترجمين وتقدير دورهم في تمتين أواصر الصداقة والتعاون بين شعوب العالم، وتقدير دورهم عربيًّا وعالميًّا في مد جسور التواصل بين الأمم، ومكافأة التميز في هذا المجال، وتشجيع الإبداع، وترسيخ القيم السامية، وإشاعة التنوع، والتعددية والانفتاح، كما تطمح إلى تأصيل ثقافة المعرفة والحوار، ونشر الثقافة العربية والإسلامية، وتنمية التفاهم الدولي، وتشجيع عمليات المثاقفة الناضجة بين اللغة العربية وبقية لغات العالم عبر فعاليات الترجمة والتعريب، ويبلغ مجمل قيمة الجائزة في مختلف فئاتها مليوني دولار أميركي.

حنان الفياض: جائزة حمد للترجمة تسهم في نشر الثقافة العربية

حنان الفياض: جائزة حمد للترجمة تسهم في نشر الثقافة العربية وتعزيز مكانة المترجم

حنان الفياض: جائزة حمد للترجمة تسهم في نشر الثقافة العربية

وتعزيز مكانة المترجم

تؤكد الدكتورة حنان الفياض، المستشار الثقافي لجائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي، أن جائزة الشيخ حمد تأتي تعزيزًا للدور الثقافي القطري على الصعيدين العربي والعالمي، بهدف مد جسور التواصل الفكري والمعرفي والإنساني بين شعوب العالم من خلال الترجمة بوصفها وسيلة لتبادل الثقافات.

وتتطرق الفياض، في حوار مع «الفيصل»، إلى التحديات التي واجهت فريق الجائزة ومعايير اختيار الأعمال المترجمة وسعي الجائزة من أجل إثراء المكتبة العربية بمحتوى متنوع يمثل الثقافات المختلفة. تقول الفياض: إن الجائزة استطاعت أن تخلق بيئة حاضنة للإبداع والتميز في مجال الترجمة، وقد حققت نجاحًا ملحوظًا في تمتين أواصر الصداقة والتعاون بين الشعوب، ونشر الثقافة العربية عالميًّا. وأن الجائزة أسهمت في بناء شراكات مع مؤسسات ثقافية وأكاديمية عالمية، مما أدى إلى تبادل المعرفة والخبرات بين المترجمين.

تأثير الجائزة وأهدافها

  منذ انطلاق جائزة الشيخ حمد للترجمة، حفرت مكانة بارزة في الواقع الثقافي العربي والعالمي، ماذا عن التحديات التي واجهت الجائزة خلال مسيرتها؟

  انطلقت جائزة الشيخ حمد للترجمة في قطر عام 2015م تعزيزًا للدور الثقافي القطري على الصعيدين العربي والعالمي، بهدف مد جسور التواصل الفكري والمعرفي والإنساني بين شعوب العالم من خلال الترجمة بوصفها وسيلة لتبادل الثقافات، وانطلاقًا من الحاجة إلى تعزيز مثل هذا التواصل بين الثقافة العربية وثقافات اللغات الأخرى، وبخاصة في ظل تزايد الاهتمام بالترجمة كأداة تفاهم متبادل.

أما أبرز التحديات التي واجهت فريق الجائزة، فتتعلق بدقة المعايير لاختيار الأعمال المترجمة، وضمان جودة الترجمة وموضوعيتها، وأهمية العمل في لغته الأم من جهة واللغة الهدف من جهة ثانية، إضافة إلى جذب المترجمين المميزين وتحفيزهم للمشاركة، فضلًا عن الحاجة إلى تسليط الضوء على الترجمات ذات الجودة العالية في ظل المنافسة الكبيرة في هذا المجال. لكن على الرغم من تلك التحديات، استطاعت الجائزة أن تبرز وتحقق تأثيرًا ملحوظًا في الساحة الثقافية، من خلال تشجيع المترجمين ودعمهم وتعزيز الوعي بأهمية الترجمة في الثقافة العربية.

  ما الأهداف التي انطلقت منها جائزة الشيخ حمد، وكيف أمكنكم تحقيقها؟

  تهدف الجائزة إلى تشجيع المترجمين وتكريمهم؛ لكون المترجم في أغلب الأحيان لا يلتفت إلى الدور الذي يضطلع به وتحديدًا في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية والأدبية. وتسعى الجائزة إلى إغناء المكتبة العربية بمحتوى متنوع يمثل الثقافات المختلفة، ويتأتى ذلك من خلال تقديم جوائز معنوية ومادية مجزية لتحفيز المترجمين على تجويد مهاراتهم، وكذلك من خلال الوصول إلى شرائح المترجمين جميعهم وإيجاد همزة وصل معهم لتحفيزهم ومعرفة التحديات التي تواجههم في مجالاتهم.

وما زالت الجائزة مستمرة بتطبيق تلك الفلسفة من خلال الفعاليات والمؤتمرات، وتسليط الأضواء على الأعمال الفائزة والمترجمين عبر عقد الندوات لاستمرار التواصل فيما بينهم، ومحاولة تعزيز مكانتهم في الساحة الثقافية. وبهذه الطريقة، استطاعت الجائزة أن تخلق بيئة حاضنة للإبداع والتميز في مجال الترجمة.

منصة للحوار الثقافي

  إلى أي مدى ترين أن الجائزة أمكنها في الدورات الماضية أن تحقق أواصر الصداقة والتعاون بين أمم العالم وشعوبه، ونشر الثقافة العربية عالميًّا؟

  حققت الجائزة نجاحًا ملحوظًا في تمتين أواصر الصداقة والتعاون بين الأمم والشعوب، ونشر الثقافة العربية عالميًّا، وذلك من خلال تعزيز الفهم المتبادل بين الثقافات المختلفة، وتشجيع ترجمة الأدب العربي إلى لغات أخرى؛ إذ أُتيح للقراء في أنحاء العالم الاطلاع على الروائع الأدبية العربية وكتب التراث العربي، ولمسنا حرص المترجمين على استكمال أعمالهم الترجمية من العربية إلى لغاتهم ودفعها لدور النشر حرصًا منهم على إبراز هذه العلاقة الحضارية بين اللغات مما يعزز من مكانة الثقافة العربية. ومن اللافت أيضًا زيادة نتاج المترجمين الفائزين بعد الفوز، فاستمروا بالتواصل معنا للحديث عن الإنجازات الجديدة التي كان للفوز دور في تحفيزها.

كما أسهمت الجائزة في بناء شراكات مع مؤسسات ثقافية وأكاديمية عالمية؛ مما أدى إلى تبادل المعرفة والخبرات بين المترجمين والكتّاب من مختلف البلدان، وأبرمت الجائزة العديد من الاتفاقات ومذكرات التعاون مع اليونسكو ومنتدى الفكر العربي، وأقامت شراكة مع مجلة Ide Arabia على سبيل المثال؛ مما يزيد من تنوع المشاركات وجودتها ويمنحنا فرصة التعرف إلى واقع الترجمة بين العربية ولغات العالم.

في سياق متصل، إن تنظيم حفل توزيع الجوائز في حد ذاته يسهم في خلق منصة للحوار الثقافي ولقاء المشتغلين بالترجمة في رحاب الدوحة؛ مما يعزز العلاقات الإنسانية بين الشعوب. وبناءً على هذه العوامل، يمكن القول: إن جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي أسهمت بشكل فاعل في نشر الثقافة العربية وتعزيز التواصل بين الشعوب؛ مما يعكس أهمية الترجمة كوسيلة للتفاهم والتعاون العالمي.

الترجمة والملكية الفكرية

  عادة ما تحدث مشكلات في ملف حقوق الملكية الفكرية للأعمال المترجمة، كيف أمكن للجائزة أن تتجنب فوز مترجم أو مؤسسة لا تحترم حقوق الملكية الفكرية؟

  سياسة الجائزة أنها تُمنح للمترجم تحديدًا ولا تتعرض للعلاقة بين المترجم ودار النشر أو بين المترجم والمؤلف، فهذا الأمر متروك للعقد الذي بينهما، وهذه مسؤولية المترجم ودار النشر. وعادة يُطلب تفويض مكتوب من جميع المترجمين للعمل الواحد (في حال كان هناك أكثر من مترجم) لضمان أن كل من شارك في العمل سيتم تكريمه؛ لأن الجائزة تعنى بشكل رئيس ومباشر بالمترجمين خاصة.

ولا بد من الإشارة إلى أهم شروط الجائزة المرفوعة على موقعها الرسمي بالنص: «الجائزة تكرم حصرًا المترجمين في حال فوز أعمالهم حتى لو تم ترشيح هذه الأعمال من قِبل مؤسسات أو دور نشر قامت هي بإصدار الكتاب الأصلي أو الترجمة»، وذلك لاستحالة مراجعة المئات من العقود المبرمة بين المترجمين والمؤلفين والناشرين للتأكد من صحتها، ومن الأفضل ترك المسؤولية القانونية على عاتق المترجم ودار النشر؛ لنركز بدورنا على جودة الترجمة والتزام المترشحين بشروط الجائزة.

  ما طموحاتكم لتطوير الجائزة في السنوات القادمة، وهل يمكن أن نشهد تحولها إلى مركز للترجمة؟

  طموحات تطوير جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي في السنوات القادمة تتضمن جوانب عدة؛ منها توسيع نطاق الجائزة بتوسيع الشراكات مع مؤسسات ثقافية وأكاديمية عالمية، مما يعزز من تبادل المعرفة والخبرات في مجال الترجمة.

إن فكرة إنشاء مركز للترجمة فكرة مطروحة بالفعل، لكنها تحتاج إلى المزيد من الدراسة. المهم أننا في الجائزة نسعى وبشتى الطرق لتعزيز الثقافة العربية على المستوى العالمي، وتعزيز مكانة الترجمة كفنٍّ وعلم، ودعم المترجمين المميزين.

جوائز الترجمة العربية

  تشهد حركة الترجمة في الوطن العربي عددًا من الجوائز المرموقة في السعودية والإمارات وبلدان أخرى، وهي جوائز ذات قيمة عالية، كيف ترون هذه الجوائز وأثرها في حركة الترجمة؟

  تعد الجوائز المرموقة في حركة الترجمة في الوطن العربي، ذات تأثير كبير وإيجابي في مجمل النشاط الثقافي العربي والترجمة، فهي تعمل على تحفيز المترجمين لتقديم أفضل ما لديهم؛ مما يسهم في رفع مستوى الجودة في الأعمال المترجمة، كما تسلط الضوء على أهمية الترجمة كوسيلة لنقل المعرفة والثقافة، وتمنح نشر الكتاب المترجم فرصة توسيع دائرة تداوله بين المهتمين والأكاديميين الذين يكتسبون الثقة بالعمل الفائز؛ مما يعزز الوعي العام بأهمية هذا المجال.

إلى جانب ذلك، توسع الجائزة نطاق الاختيارات من خلال تشجيع ترجمة الأعمال الأدبية من لغات متعددة، وتسهم في تنشيط حركة اقتناء المكتبات العربية للأعمال الفائزة وتسليط الضوء عليها وعلى المترجم الذي يحظى -بعد فوزه- بثقة أكبر من قبل دور النشر، وبناء علاقات جيدة بين المترجمين والكتّاب والناشرين؛ مما يقوي فكرة التعاون المهني ويساعد في تبادل الخبرات.

ومن خلال المنافسة العلمية الشريفة بين هذه المراكز والجوائز، يكون تشجيع المترجمين على الابتكار والإبداع؛ مما يؤدي إلى تحسين مستواهم المهني. بشكل عام، تسهم هذه الجوائز في تعزيز حركة الترجمة في الوطن العربي، وهو الأمر الذي يعكس أهمية القطاع في تعزيز التواصل الثقافي بين الشعوب، وقد يكون المرء متفائلًا أكثر بأن تصل هذه الجوائز إلى مرحلة التكامل فيما بينها.

  يؤخذ على الجوائز العربية، سواء في حقل الترجمة أو سواه، عدم التنسيق فيما بينها؛ لذلك نشهد في حالات متكررة، فوز كاتب أو مترجم ما بجائزتين مرموقتين في عام واحد، أو جائزتين تفصلهما بضعة أشهر، في حين يُفترض تفادي ذلك وأن يكون هناك أكثر من فائز؟

  هذا صحيح ولكن ليس دائمًا، فمسألة عدم التنسيق بين الجوائز العربية، بما في ذلك جوائز الترجمة، من القضايا المهمة التي تحتاج إلى معالجة. إن تكرار فوز كاتب أو مترجم بجائزتين في العام الواحد أو بفارق زمني قليل على سبيل المثال يمكن أن يثير تساؤلات حول عدالة التوزيع، وقد يقلل من فرص فوز آخرين، ويعكس عدم التنوع في تقدير الأعمال.

لذلك من المهم أن تتعاون الجوائز المختلفة لتحديد معايير مشتركة وتنسيق مواعيد التقديم والإعلان عن الفائزين؛ مما يتيح فرصة أكبر للمترجمين والكتّاب للحصول على تقديرات متعددة. كما يمكن أن تستفيد الجوائز من تبادل الخبرات وأفضل الممارسات؛ مما يسهم في تحسين العمليات وتجنب التداخلات غير المرغوب فيها.

  هل أعطت هذه الجوائز المترجم العربي حقه من التقدير المعنوي والمادي؟

  لا شيء يمكن أن يعادل الجهد البشري الجاد في سبيل الثقافة، ومع هذا تعد الجوائز العربية في مجال الترجمة خطوة مهمة نحو تقدير المترجمين، لكن هناك بعض النقاط التي يجب النظر فيها لتقييم مدى إعطاء المترجم العربي حقه.

الجوائز تسهم في رفع مكانة المترجمين في المجتمع الثقافي، كما أن تكريم المترجمين من خلال الجوائز يساعد في تسليط الضوء على إنجازاتهم؛ مما يعزز من أهمية دورهم في نقل المعرفة والثقافة. ومهما كانت قيمة المكافأة المالية، غالبًا ما تكون غير كافية مقارنة بالجهود المبذولة، علمًا أن العديد منهم أشاروا في لقاءات متلفزة إلى أن الفوز ساعدهم ماديًّا في المضي قدمًا بمشروعاتهم الترجمية والعلمية الخاصة، أمثال المترجم الألماني هارتموت فندريش الذي عبّر بقوله مداعبًا: إن فوز المترجمين ينقذهم من الفقر.

لكن من حسن الحظ أن بعض الجوائز توفر فرصًا لدعم مشروعات جديدة. وبشكل عام، بينما تسهم الجوائز في تقدير المترجمين، لا يزال هناك مجال لتحسين الأوضاع المادية والمعنوية لهم، من خلال تعزيز الدعم المستديم والتنوع في فرص التكريم.

الترويج للجائزة والأدب العربي

  نتابع الجولات التي تقوم بها لجان الجائزة للتعريف بها في بلدان عديدة، كيف تنظمون هذه الجولات، وهل حققت أهدافها؟

  تعد جولات لجان الجائزة للترويج والتعريف بها في بلدان متعددة خطوة إستراتيجية مهمة في سبيل زيادة الوعي بأهمية الترجمة ودور الجائزة في تعزيز التواصل بين الثقافات والحضارات. وقد لقيت اللجان الترحيب من الجهات ذات الاهتمام بمجال الترجمة كالمؤسسات والمعاهد والجامعات بحيث سنحت لنا الفرصة للقاء المترجمين والطلبة الذين يَدرسون العربية في مختلف جامعات دول العالم التي وصلنا لها، كما أن التواصل مع المترجمين والكتّاب والناشرين في بلدان مختلفة أتاح بناء علاقات وشراكات إستراتيجية وشجّع المترجمين من مختلف الثقافات على المشاركة في الجائزة.

وغني عن القول: إن اللقاءات المباشرة مع المترجمين والمهتمين ساعدتنا في جمع ملحوظات قيمة حول كيفية توسيع مجالات الجائزة. وبالتالي، يمكن القول: إن هذه الجولات كانت فعّالة في تحقيق الأهداف المرجوة؛ مما يدعم رؤية الجائزة في ترسيخ ثقافة الترجمة وتعزيز التواصل بين الشعوب.

  يعاني الأدب العربي أزمة في ترجمته إلى الغرب، فإلى أي مدى استطاعت الجائزة أن تسهم في حل هذه الأزمة، وهل يجد الأدب العربي سوقًا جيدة في الخارج؟

  تعاني ترجمة الأدب العربي إلى لغات العالم تحدياتٍ عدةً، لكن الجائزة أسهمت في مواجهة بعض هذه التحديات من خلال تكريم الأعمال المترجمة، وتعريف الجمهور الغربي بأبرز الكتّاب العرب؛ مما يزيد من فرص ترجمة أعمالهم إلى لغات أخرى.

إلى جانب ذلك، تؤدي الجائزة دورًا في تحسين الفهم المتبادل بين الأدب العربي والأدب الغربي. مع ملاحظة أن هناك اهتمامًا متزايدًا بالأدب العربي في الغرب، وبخاصة مع تزايد الوعي بالقضايا الثقافية والاجتماعية في العالم العربي، وهذا يتطلب مزيدًا من الدعم من الناشرين والمترجمين لتقديم الأدب العربي بشكل مناسب، بما في ذلك تسليط الضوء على الأعمال الجديدة والمبتكرة.

ويمكن القول: إن الجائزة تسهم بشكل جيد في معالجة أزمة ترجمة الأدب العربي، لكنها ليست الحل الوحيد. يحتاج الأدب العربي إلى دعم مستمر وشراكات قوية مع دور النشر العالمية؛ لتعزيز وجوده في الأسواق الغربية.

رعاية رسمية للترجمة

  ما مدى أهمية أن تعتني الحكومات برعاية أنشطة الترجمة، وإلى أي مدى سيعود ذلك بالنفع على الشارع العربي؟

  تعد رعاية الحكومات لأنشطة الترجمة خطوة حيوية لها تأثيرات إيجابية واسعة. فدعم الترجمة يشجع على تبادل الأفكار والابتكارات بين الثقافات، ومن خلال ترجمة الأعمال الأدبية والعلمية، يمكن الحفاظ على الهوية الثقافية؛ مما يساعد الأجيال الجديدة على فهم تراثهم. وتجدر الإشارة هنا إلى أن تاريخنا الحضاري العربي ازدهر بفضل نقل علوم وثقافات العالم الحضاري قبل الإسلام عبر تشجيع الخلفاء والأمراء للمترجمين الذي وصل إلى أن يعادلوا وزن الكتاب المترجم ذهبًا.

كما أن رعاية الترجمة تتيح للشارع العربي الوصول إلى المعرفة والأفكار من مختلف الثقافات؛ مما يساعد في إثراء الفكر النقدي وتحفيز النقاشات المجتمعية، ناهيك عن دعم الاقتصاد الثقافي، مجسدًا في خلق فرص عمل جديدة للمترجمين والناشرين؛ مما يسهم في التنمية الاقتصادية.

يضاف إلى ذلك تدعيم العلاقات الدولية من خلال دعم الترجمة؛ إذ يمكن تعزيز العلاقات الثقافية والسياسية مع الدول الأخرى. كما تتيح الترجمة للشارع العربي الوصول إلى المعرفة والأبحاث العلمية والكتب الأدبية التي قد تكون محصورة في لغات أخرى.

كسر المركزية الأوربية

  كيف أمكن للجائزة أن تكسر المركزية الأوربية في الترجمة؟

  تمكنت جائزة حمد للترجمة من كسر المركزية الأوربية في الترجمة من خلال إستراتيجيات فعالة عدة؛ منها تسليط الضوء على الأدب العربي، فالجائزة تعمل على تعزيز ترجمة الأعمال الأدبية والعلمية العربية إلى لغات مختلفة؛ مما يسهم في تقديم الأدب العربي للجمهور العالمي، كجزء لا يتجزأ من المشهد الثقافي العالمي، ويعزز من التفاهم المتبادل ويعكس التنوع الثقافي الغني.

ومن هذه الإستراتيجيات تشجيع التنوع الثقافي، من خلال تكريم الترجمات من لغات متنوعة؛ إذ تشجع الجائزة على تقديم وجهات نظر ثقافية مختلفة؛ مما يسهم في تقليل التركيز على الأدب الأوربي فقط. والأهم من ذلك استحدثت الجائزة فئة جديدة تسمى «فئة الإنجاز»؛ فطرحت خمس لغات ثانوية كل عام إلى جانب اللغتين الرئيستين اللتين تُطرحان سنويًّا، وذلك لكسر فكرة سيادة لغة دون غيرها من لغات العالم، ومنح جميع اللغات فرصة التقدم للجائزة.