مقالات   |   دراسات   |   قضايا   |   سيرة ذاتية   |   إعلامتحقيقات   |   ثقافات   | تراث   |   تاريخ   |   بورتريه   |   فضاءات   |   فنون   |   كاريكاتير   |   كتب   |   نصوص   |   مدن   |   رسائل

«حساء بمذاق الورد» لسعيد منتسب… رحلة سريالية في سيرة الأم، سيرة الموتى

«حساء بمذاق الورد» لسعيد منتسب… رحلة سريالية في سيرة الأم، سيرة الموتى

تبدو رواية «حساء بمذاق الورد» (دار خطوط وظلال للنشر والتوزيع – عمان) للكاتب المغربي سعيد منتسب، أشبه بمغامرة سردية تخييلية أمام سؤال «الموت» الذي واجهه السارد بصورة شخصية، حين فقد الأم وغيابها الأبدي ودخولها في العتمة والمجهول. إنها رواية «الموتى» وما سيلاقيه الميت حين يسقط في الفراغ، والعدم، والغيب والخواء.

يلجأ السارد في رحلته السردية هذه بتجريب بنى وأساليب سردية مختلفة تتمايز بالغرائبية أو العجائبية، وبين المحكي والموروثات التاريخية والمعرفية، إضافة إلى استخدام عنصر التخييل، أحد أهم ركائز هذا العمل، واتكائه على الحلم، والكوابيس، والاقتباسات، وكذلك استخدام أنساق سردية ما بعد ميتافيزيقية. لنقرأ: «أود أن أرى أمي لمرة واحدة؛ كي أقبل أصابعها النحيلة، وألمس يدها الحانية، أبلل ثوبها بدموع الشوق، كأنني أمشي على الزجاج المغموس في عشب بطول قامتي، لا شيء أمامي سوى صفعات خفيفة باردة، لا شيء خلفي سوى تلك الأشياء التي تملأ عيني بنظرتها الغامضة».

تشكيل الخطاب السردي

واحد من أهم أساليب السرد الإبداعية هو: التخييل، اللامتوقع، أي: التخييل الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى إنتاج غير العادي وغير الروتيني -وهو هنا فعل الموت- سواء في الفنون الأدبية أو السمعية أو البصرية والتشكيلية المتنوعة.

سعيد منتسب

يوضح الروائي الإيطالي «أمبرتو إيكو» أن الكاتب يكون مبدعًا عندما يأتي باللامتوقع إلى عقل القارئ ووعيه. فمغامرة الإبداع أو الكتابة هنا لا تعني أن تعيد وتكرر ما هو معرف ومفهوم. ما يعني أن تحاول وتجرب من دون أن يتسرب الشك إلى قلبك، أو ينتابك شعور باليأس أو بالملل في سبيل اكتشاف اللامتوقع، وتفكيك العادي ورفضه رغبة في الجديد والمختلف، وهذا عماده التخييل بما هو مصدر الطاقة الخلاقة لدى الروائي المبدع.

إن حيوية العمل الإبداعي، كما في رواية سعيد منتسب، تتجلى في سحره وقدرته على امتلاك ملكة التخييل، وسوى ذلك الارتهان للموت الأبدي والجمود والغفلة الوجودية. إضافة لتجاوز الأدوار الروتينية المعادة، في حين أن جوهر النص الحقيقي يقوم على الخلق والإبداع وتفجير الطاقة الكامنة فيه، وهو ما يمنحه ثراءً وقيمة ومتعة جمالية وتفردًا.

سؤال الموت اللغز

الثيمة الرئيسة التي تدور حولها الرواية هي حدث شخصي/ عائلي يتمثل في الفقد «الموت»؛ موت الأم، ومحاولة السارد استرجاعها لعدم تصديقه بغيابها، بل ذهوله وصدمته أمام فعل شهي كالحب، وقوي كالموت. ولكي يخرج من حالته الخاصة أو الشخصية -المسألة العائلية- إلى فضاء واسع عام ومغاير، باعتماد القارئ شريكًا إستراتيجيًّا، يلجأ بخفة للهروب من عالم واقعي معيش -فقدانه لأمه- إلى عالم آخر متخيل. ليس هذا فحسب، بل يستخدم عناصر أسلوبية سردية تتصف بالعجائبية أو الغرائبية، يحاكي الكائنات الحية، ويؤنسنها، كما في منطق الطير؛ ليصنع تقاطعات خادعة من الكتب التي يقرؤها وهو في غرفته فوق السطح «يقضم أطرافها المعبأة بالسير والملاحم والمغازي والأنساب والقصص».

إزاء حيرته وسؤاله أمام عبور أمه في طريق طويل ومجهول، ومحفوف بالألم والخوف والعتمة وسط الغرباء، في رحلته السردية، متاهته الشاقة، التي لا تخلو من طرائف وسحر وخيبة، يحاكي الكائنات من حيوانات وطيور، وبشر وشجر وحجر، مورطًا المتلقي معه في هذه المتاهة العجائبية، التي تمتد حينًا وتضيق حينًا آخر: «بشر برؤوس ذئاب، ذئاب بأجساد بشريه، مقطوعة أيديهم وأرجلهم من خلاف، وبعضهم بلا يدين أو قدمين».

على الرغم من معرفته ألّا أحد يمكنه الوجود «هناك» أي في عالم الموتى، إلا الذين بليت أجسادهم وذاقوا ضيق القبور وظلمتها، يتكئ السارد على إعمال التخييل: يوسع مخيلته وينشطها في أقصى صورة فنية بارعة: يمتطي جوادًا أسود، جاءه من فوره، مغطى بريش الدببة والغربان، «وخيل إليّ أنني سمعته يحدثني بلسان أمازيغي مبين يطلب مني أن أمتطيه بسرعة، قفزت بخفة على ظهره بعد أن أمسكت بلجامه، ناخسًا بطنه بقدمي، فخب مسرعًا، ثم أفرد جناحين لا أعرف أين كان يخفيهما، وحلق مرفرفًا في وجه الريح والثلج، حتى وصل أعلى القبة. ترجلت وشكرته وقلبي يخفق بشدة. كنت وجهًا لوجه مع حارس الباب» «أي حارس باب المقبرة الذي منعه من الدخول، مبررًا فعلته بقوله: لو تركتك تدخل لاضطرب قلبك، وذهل عقلك، وصرت تمشي لا تلوي على شيء».

أليست هذه هي حكايتنا نحن؟ وحيرتنا وسؤالنا الوجودي الصعب؟ ماهية الموت، وما وراءه. وهل يتعارف الموتى كما يتعارف الطير على رؤوس الشجر؟ أم إن الموت يذهب بالميت إلى اللامكان، اللاعودة؟

على السقف طائرٌ جارح، رأيتهم يخرجون من مرآة كبيرة معلقة على جدار الغرفة، ويبدؤون بالتكاثر كجراد. الموتى يتهامسون، يسهرون، يتسلون بتقليم أظافرهم بمبارد ذات مقابض عاجية، الموتى يخرجون منشارًا كهربائيًّا ضخمًا ويهددوني به ضاحكين، وكأنهم يترصدون كل شيء «وضعت إبهامي في فمي وغبت» فيما هم يمضغون ألواحًا من السكر، ثم ينهضون، كما لو كانوا في أسرتهم الدافئة، يركبون الحياد والنوافذ والشرفات.

لا يدرك الراوي ما الذي يحدث معه، ما الذي يجري أمامه، وهل كان في وعيه، أم هو في كوابيسه وهلوسته وأشباحه وقد أصابته الحمى، فيما كان يقضم أطراف أوراقه كفأر الكتب؟ هل جذبته لعبة السرد الغرائبي كي يخرج من كوابيسه السوداء التي لم تفارقه منذ فقد أمه، أم هي لعبته التي أراد للمتلقي مشاركته أو على الأدق توريطه بها، لعبته المفخخة بالمخاوف والحفر والعجائب والطرائف والهواجس التي تتلبسه كل ليلة؟ تمامًا كالرجل الميت منذ زمن، حين نهض فجأة وأخذ يعزف؟ أم هو ذاك الرجل الذي يملك سبعة أرواح، وأخذ يمشي بصدر عارٍ كي يسهر مع الموتى في العتمة؟ أم ذاك الذي يتقافز بخفة، ويحلق فوق رأسه كنسر؟ أم هو ذلك الذي ظهر فجأة، وهو يمتطي كلبًا برأس تمساح، يحمل ترسًا ورمحًا، فيما يتناسل الموتى من حوله! وهو يبحث عن امرأة برائحة الورد والزعفران؟! هي أمه.

تقديس الحياة

منذ أن عرف الإنسان الثنائيات في حياته، بُعد/ قُرب، حُب/ كُره، أبيض/ أسود، بداية/ نهاية، حياة/ موت، أدرك أن اللوحة ستبقى ناقصة لن تكتمل إلا بلونها الأخير، جملتها الأخيرة: الموت، والكائن البشري يحاول تفسير هذا السؤال المحير والمستمر، وهو سؤال الموت. ماذا يوجد هناك؟ وما الذي سيحدث له في ذاك العالم المجهول الملتبس، حيث الفراغ والعتمة والفناء؟ أليست العلاقة مع الموت هي تلخيص لتاريخ الإنسانية؟

لعل أهم نص سردي عربي مؤسس للسردية العربية، بل الإنسانية، هو «ألف ليلة وليلة». أليست كل حكايات العمل الإبداعي المدهش، تدور حول الاحتفاء بالحياة وتقديسها، وبمقاومة الفناء والاستمرار أمام فعل قوي مزلزل كالموت؟ لهذا حين يفقد المرء رمز الحياة والخصب «المرأة»، ولأن الكائن العربي كائن عاطفي، يحن على موتاه ويشتاق، ولا يتقبل هذا الفعل بسهولة.

وهذا ما يحاول السارد فعله، إحضار الأم من سباتها ومحاولة بث الحياة في البيت «الأم»، عبر حضورها من جديد، ولكي يقاوم فداحة هذا الفقد، لجأ للكتابة مستخدمًا الصور والأحلام، ومتكئًا على المحكي التراثي والتاريخي، والعجائبي متمثلًا في اللغة ومحمولاتها الدلالية والتأويلية، في متاهته الشاقة؛ كي يعود بحساء مذاقه الخيبة واللايقين واللامكان.

«طائر التُّم» لفهمي جدعان.. حين يتحرر المفكر من قيد «العقل»

«طائر التُّم» لفهمي جدعان.. حين يتحرر المفكر من قيد «العقل»

صدرت حديثًا السيرة الذاتية للمفكر الكبير فهمي جدعان، في نحو 500 صفحة عن الأهلية للنشر والتوزيع، وجاءت بعنوان: «طائر التُّم»، وكتب الناقد فيصل دراج مقدمة لها، فيما تولّى الشاعر زهير أبو شايب كلمة الغلاف. في هذه السيرة يتحرر المفكر من محددات العقل، وأسس البحث العلمي الرصينة، والتتبع التاريخي لأحداث التاريخ، قديمه وحديثه، متجردًا من كل هذه المواضعات والأسس، فينحو نحو القلب، أعطاف الوجدان، والذاكرة، فيكتب سيرته الذاتية بأسلوب روائي فاتن وبديع، هو أقرب ما يكون في صورة العمل الروائي المستند إلى أحداث وحقائق واقعية، عاشها المفكر المرموق وعايشها منذ الوعي الأول: حين أصبح للعائلة طفل تاسع سميَ باسم «فهمي» في مسقط رأسه في «عين الغزال».

«طائر التم»، يتمثله المخيال الميثولوجي في ألوان، ملكي، نبيل، سامٍ، ذو إهاب، وجيه، خطو مهيب، واثقٌ، معجب بنفسه، وفيٌّ لمن يحب، يحتمل الهجرة إلى أماكن بعيدة وعديدة. يقرنه الشاعر الفرنسي بودلير في ديوانه الموسوم «أزهار الشر» بالوضع الوجودي المسكون بالذكرى والفقد والتمني والألم. أي بمعنى آخر وسعيًا وراء التأويل، هو الفلسطيني «طائر التم» الذي يتمثل صفاته وقدره وتاريخه في مأساته المتمثلة بفقدانه لوطنه، واقتلاعه من أرضه وتشتته في أصقاع الأرض المختلفة.

هنا يتحرر الكاتب الفلسطيني، المفكر الكبير، والباحث المرموق في جدلية الديني والسياسي في الإسلام، والماضي بالحاضر، وتحرير الإسلام وتياراته، إلى استشراف المستقبل، وغيرها الكثير من موضوعات إشكالية، من أسلحته الفكرية ومفاهيمه، ويقف أمام ذاته عاريًا من كل شيء، سوى إنسانيته قبل كل شيء، ويكتب سيرته بأسلوب روائي توثيقي في بعض فصوله، معتمدًا حيوات «من عايشهم من العائلة» والأصدقاء، والزملاء، من جانب، والأحداث والمواقف التي لا تنسى وواكبته في أثناء حياته، من جانب آخر.

يكتب من الذاكرة، وما علق بها وهو لا يزال طفلًا صغيرًا، ينقل عن والدته الكثير، عن الأشقاء والشقيقات وبخاصة شقيقته المقربة إليه جميلة وشقيقه مدحت، وعن عذابات رحلة التهجير الأولى. يكتب فهمي جدعان بصدق تفيض به جوارحه وبأسلوب يقارب الوضع الإنساني، ويخص منه وجوده ووجود الآخرين الذين اختلطت حياته بحيواتهم وتأثيرهم. يعتقد صاحب «أسس التقدم عند مفكري الإسلام» أن السرد الحكائي أبلغ من الخطاب الفلسفي الذي ألفه طوال حياته الفكرية والعلمية، للكشف عن سريرة الكينونة الإنسانية، وعن أغوار الوجود وحيله في الحياة الفردية والجمعية في آنٍ.

سيرة مضمخة بالألم

هنا سيرة مضمخة بالألم الذي يكتنز في دلالاتها وصورها وتمثلاتها المتباينة، فجمال الأدب لا يُضاهى بالنسبة لفهمي جدعان، وقد استعاد ذاكرته ونشاطه وفرحه وبؤسه، بمقاربة سردية حية.

جاءت السيرة الروائية متسلسلة عبر فصول متوالية: برولوغس «قبل الكلام». «عين غزال». «حجارة رطبة». «الضفة اليسرى». «فِيليا». «طائر التم يفقد الرضا».

عين غزال: هي إحدى قرى امتدادات الكرمل، على الطريق الساحلي البحري القادم من حيفا والذاهب نحو يافا، لها موقع خلاب، فوق تلة مشرفة على سهل فسيح يفضي نحو الأزرق. «البحر الأبيض المتوسط». «في بداية القرن الماضي تزوج راجح الأب من عزيزة الأم»، نقرأ في سيرة فهمي جدعان، ونواصل «كنت التاسع أو العاشر في حشد من الذكور والإناث في عائلة كبيرة وممتدة للعمات المتزوجات والعازبات، وكذلك الأعمام. تزوج الأب من عزيزة بعد فشل قصة حبه الأول. وكانت على قدر متواضع من الجمال، حيث كانت العمة الكبيرة تصفها أمام الجميع بقلة الجمال والسوء من دون أن يرف لها جفن أو مراعاة لمشاعرها وأحاسيسها. في حين لم يتورع الأب عن إطلاق اسم حبيبته الأولى على أول طفلة يرزق بها، هند… أما عزيزة فقد كانت صامتة لا ترد، ركنت للاحتمال والصبر والإنجاب، وأخذت تعمل في «أراضي الزوج بلا جزاء أو شكور».

وفي مقاربة نوستالجية لا تُخفى، يعترف الكاتب والمفكر أن أمه أسرَّت له ذات بوحٍ بأنها «لم تر يومًا واحدًا هانئًا معه»، أي مع والده. مضيفة بأنها «لم تطلب منه أي شيء، ولم ولن تطلب من أحد شيئًا»، قبل أن تعيش مرارة الفقد واللجوء والعمل في أراضي الآخرين.

عملية القرن المرعبة

في مساء السادس والعشرين من شهر يوليو الموافق لشهر رمضان 1948م، قُصِفَت القرية كما حدث للقرى المجاورة، بدأ جمع الضحايا ودفنهم، وراح رجال القرية يطلبون من النساء والأطفال أن يعدوا أنفسهم للرحيل. يصف الكاتب عملية الخروج والارتحال في واحد من أقسى المشاهد حزنًا؛ إذ يقول: «الرعب يرتسم على الوجوه، وفي أصوات الراحلين، أمسكت أمي بيدي ودفعتني لأسير بجانبها بخطوٍ متسارع. كنت حافي القدمين، شرعنا بالمسير مبتعدين عن البيت، عمتي الحجة تقود حمارة امتطتها، وأختي جميلة وراءها، قطعنا مسافة طويلة حين تذكرت أنني دون حذاء، هالني الأمر وكنا نسير بالظلام. أستبد بي شعور عميق بالخوف قلت لأمي إنني دون حذاء وإنني سأرجع للبيت. هذا غير ممكن. قالت. إذا عدنا سينقض علينا اليهود، ثم إنهم قالوا بأن خروجنا لن يطول، هي أيام قليلة وسنعود وتجد الحذاء بانتظارك».

وعن ذاك الخوف الذي استبد به حينها، يسرد صاحب «المحنة: بحث في جدليّة الديني والسياسي في الإسلام» قائلًا: «هو ثمرة لحالة الطفل اللامرئي، المهمل والمقموع، من قبل الرجل الذي غاب «الأب» غيابًا كاملًا عن حياة الطفل، وفي مرحلة الوعي وتشكيل الذات شابًّا يافعًا».

سؤال آخر يبرزُ هنا: كيف يمكنُ أن تخفي الأثر المدمر للذات للحدث الخارق الذي تمثل في «عملية القرن المرعبة» عملية استلاب الوطن وتدمير مدنه وقراه، وقتل أهله وناسه الأصليين، وإحلال عصابات القتل والتدمير محلهم في أراضيهم وبيوتهم، ما الذي سيتبقى من الذات أمام هذه الوقائع من قتل وتدمير، وفقدان الأمل، وفقدان مسوغات الحياة والرجاء، في عملية استلاب تاريخية، لتجد نفسك خارج التاريخ خارج الجغرافيا، إلى العدم.

الشتات من جديد

حجارة رطبة: في هذا السفر يتطرق المؤلف إلى أحداث ما بعد التهجير، والوصول إلى مدينة إربد التي تقع شمال الأردن وفي بلدة الصريح، حيث أقامت العائلة الكبيرة هناك، قبل أن يستقر الرأي بالتشتت من جديد والتوزع بين سوريا والعراق والأردن. يتقرر مصير الأم والصغار: فهمي وجميلة ويوسف، والعمة مسعدة، بالخروج نحو دمشق من قبل الأخ الأكبر، فتخرج الأم بمتاعها القليل لرفقتهم، نحو دمشق حيث ينتظرهم «مخيم إليناس» الذي كان مدرسة، ليستقروا هناك في انتظار العودة القريبة لعين غزال. «حين صارت الخيمة الصغيرة ملاذًا وبيتًا، اكتشفت المكان، وبمساعدة أحدهم التحقت بمدرسة «موسى بن نصير» لأول مرة. درس الفتى مع أقرانه واجتاز المرحلة بنجاح. هنا ينتقل الفتى إلى مخيم «اليرموك الشهير» ويقيم فيه، ويتعرف إلى أقرباء يقيمون هناك. يحصل على شهادة «البكالوريا» ويتهيأ للدخول في مرحلته الجامعية، يقبل في جامعة دمشق، بعد اجتيازه صعوبات ومعوقات جمة بنجاح. فيسجل في قسم «الفلسفة والدراسات الاجتماعية»، ويتدبر عملًا في الشمال السوري «مدينة عفرين» ليعمل ويدرس في الوقت نفسه.

الضفة اليسرى: لم ينسَ حلمه بأن يكمل دراسته العليا في باريس، دون أن يلتفت للصعوبات الجمة التي ستصادفه، متسلحًا بالأمل والعزم، كما فعل «طه حسين المبصر» في باريس. ويتحقق الحلم ويحزم حقائبه نحو عاصمة الأنوار «باريس» ويلتحق طالبًا للدكتوراه في جامعة السوربون العريقة، ويقدم أطروحته لنيل الدكتوراه في الفكر الإسلامي والرواقية الإسلامية.

فِيليا: تحقق الذات وتقديرها: «فيليا» في الموروث اللغوي الإغريقي تعني «المحبة، المودة، الهوى». هنا يعود إلى عمّان، بعد الحصول على أرفع شهادة تمنحها أرفع جامعة، ليدخل الحياة العملية من أوسع أبوابها، ويلتحق بجامعات عدة محاضرًا ومدرسًا، برفقة مفكرين كبار مثل: صادق جلال العظم وفؤاد زكريا بالجامعة الأردنية. وغيرها من الجامعات ومراكز الفكر والأبحاث.

طائر التم يفقد الرضا: لم ولن يهدأ الطائر عن الطيران والتنقل بين الأمكنة، وسيبقى محلقًا كما يطيب له، من باريس إلى عمّان، إلى الدوحة، مرورًا بالكويت وكندا والسويد، وعواصم عربية أخرى وغربية، يصاحبه رفيق لا يخذل صاحبه أبدًا: الفكر. «دروب تقطع النهار بالليل، ذواهب رواجع».

الخيمة والمخيم في وعي فهمي جدعان «منذ ذلك الزمن وإلى الآن صنوان لا يفترقان، بل إنهما كينونة قائمة بذاتها في ثنائية متفردة، الخيمة عالمٌ ذو معنى، وذو حدود. حين تأتي إليها من المدينة فتأتي إلى الفراغ، إلى غياب الأفق، لا أطرٌ ولا معالم لها، تُسيجك بغطاءٍ ذي لهبٍ صيفًا، وتزنرك بثوبٍ كله خروق تنالُ منها المياه وتضربها، تنزع منك الحياة وتغرسُ في روحك الانكسار».

فهمي جدعان

في السيرة يذكر أن أمه انقطعت عن الذهابِ مع نساء المخيم للعمل في الحقول الشامية المجاورة. «قالت: إن مديرة مدرسة المخيم سألتها أن تعمل معها لتساعدها في الإشراف على شؤون المدرسة الخدماتية. كانت سعيدة بهذا وسعيدة بالصداقة التي انعقدت بينهما. قالت ذات مساءٍ: إن اسمها «زهرة» وهي جميلة ورائعة. متزوجة من شاعر مشهورٌ جدًّا. إلا أنها تحبه بجنون وتشكو من ولعه بالنساء. ينفطر قلبي حزنًا عليها. قالت. لم يكن هذا الشاعر إلا نزار قباني ولم تكن «زهرة» سوى زوجته الأولى، «زهرة إمبيق» التي أنجبت له توفيقًا وهدباء».

ونقرأ في سيرة صاحب رياح العصر: قضايا مركزية وحوارات كاشفة: «في السنوات التالية الممتدة للعام 1958م عرفت من الأعلام طه حسين، عباس محمود العقاد، يوسف إدريس، محمد عبدالحليم عبدالله الذي تبادلتُ معه بعض الرسائل، إحسان عبدالقدوس، عبدالرحمن الخميسي، يحيى حقي. وامتدت معرفتي بالأدب والأدباء لتذهبَ إلى العوالم الخارجية، ذلك بفضل سلسلة «كتابي» التي كان يُشرف عليها «حلمي مُراد». عرفتُ هوغو، بوشكين، تولستوي. أذهلني هوغو والأدباء الروس على نحو خاص. وما زلت أعود لقراءة «البؤساء» بنصها الفرنسي بعد قراءتها بترجمتها العربية. جرؤت على كتابة بعض القصص القصيرة، بل إنني أقدمت على المشاركة في مسابقة قصصية أعلنت عنها إذاعة عمّان، فازت قصتي بالجائزة الثانية، ومكافأتها «خمسة دنانير أردنية» أرسلت لي، ومثلت عندي حدثًا ذا دلالة خارقة».

ويسرد جدعان أسماء لمفكرين أفاد منهم؛ «عبدالكريم عبدالباقي، الفيلسوف، الفنان، العارف، الشاعر، العالم الأديب، العازب حتى سن متأخرة قبل أن يستسلم. أستاذنا في علم الاجتماع وفلسفة الفن والتصوف. حمصي الولادة عام 1919م حصل على إجازة في الأدب ودكتوراه بالفلسفة من فرنسا عام 1945م، عضو مجمع اللغة العربية- دمشق، مؤلفاته في علم الاجتماع وعلم السكان، وفي الفيزياء الحديثة، أكثر أساتذتنا «إمتاعًا ومؤانسة». رحل عن عمرٍ يناهز التسعين عامًا. أنطون مقدسي، أيضًا علّمني أشياء كثيرة. بالرغم مما كان يغلفُ دروسه من معاني الاكتئاب والتساؤل والقلق والحماسة الشاردة. أدخلنا معه إلى أفلاطون وديكارت بالنص الفرنسي. أستاذٌ ترك في نفسي أثرًا طيبًا هو عبدالله عبدالدايم الذي جمع بين التنوير التربوي وبين النضال الفكري القومي. أما أديب لجمي الذي درسنا مادة «النصوص الأخلاقية» فقد أدخلنا إلى عالم الأخلاق الحديثة».

ونقرأ في سيرة صاحب «في الخلاص النهائي: مقال في وعود الإسلاميين والعلمانيين والليبراليين»: «حين حل سبتمبر عام 1962م كنت قد أعددت جملة الأشياء التي يقتضيها مشروع السفر نحو فرنسا… ومن بينها كنزة صوفية حمراء من الصوف زودتني بها أمي حرصًا منها على حمايتي من البرد الذي قيل لها إنه ينتظرني في بلاد الإفرنج. لم أكن أُصدق عيني وأنا أقطع بوليفار سان ميشيل لأجد نفسي قبالة السوربون كعبة الثقافة الباريسية، تحاذيها وتقابلها دار النشر الفرنسية الجامعية المشهورة. جذبني مقهى لسكولييه، فانتبذت إحدى طاولاته برفقة محمد المهداوي».

ويتطرق فهمي جدعان للقاء الذي جمعه بجان بول سارتر؛ إذ يقول: «كانت المرة الأولى التي ألتقي فيها بجان بول سارتر. كنت قد رأيته أكثر من مرة برفقة سيمون دو بوفوار التي كانت أنيقة تشع عيناها الزرقاوان جمالًا وضياءً. الآن نحن على موعد معه، وهو يعبرُ عن رغبته في تحقيق ضرب من التفاهم والتواصل والتقارب بين العرب والفلسطينيين من جهة وبين الإسرائيليين من جهة ثانية، لعل ذلك يسهم في تذليل الصعوبات والعقبات. وكان مما صرح به أن كلود لانزمان سيتولى الإشراف على إعداد العدد الذي سيخصص لهذا الحوار في مجلة «الأزمنة الحديثة» التي يرأس تحريرها سارتر».

ويذكر أنه أنجز المسودة الأولى من كتابه المرجعي «أسس التقدم…» في مقهى، وهو الأمر الذي لا يصدقه الكثير، «حين أُصرحُ أحيانًا وأقول: إنني أنجزت الصيغة الأولى من كتابي «أسس التقدم عند مفكري الإسلام» في مقهى، تتلبس الدهشة والاستغراب كل من أفضي إليه بهذا الزعم: إذ كيف يمكن أن يتم إنجاز كتابٌ بات المرجع الرئيس في فكر النهضة العربية، إلى جانب كتاب ألبرت حوراني الذي يغلب عليه الطابع السردي التاريخي… في مقهى؟ ذلك ما حدث فعلًا. جعلت المادة العلمية الثرية التي حملتها معي وأضفت إليها ما أدركته في مكتبة «اللغات الشرقية» في باريس، في مجموعات وحلقات فصلية متمايزة، كنتُ أحمل الواحدة منها معي إلى الطاولة التي انتبذتها في المقهى، وأشرعُ بالنظرِ فيها والتدقيق والتحليل والتفكير ثم الكتابة».